الميديا وهبوط الخطاب السياسي، بقلم: محمد الخولي

أيا كانت النتائج التي ستسفر عنها سحابات الاتهام التي تجلل مسرح القيادة والزعامة في امريكا في اللحظة الراهنة فهي نتائج نراها , على التحقيق سلبية بل وخيمة سواء فيما يتعلق بمفهوم الزعامة ومسؤوليات القيادة بشكل عام او فيما يتصل بالمنظومة الاخلاقية والقيمية (بفتح الياء) التي لا بد وان تصدر عنها السياسي والمشتغل بالعمل العام فما بالك بالقائد والزعيم. ولقد نلخص رؤيتنا لابعاد الصورة الراهنة في نقاط موجزة على النحو التالي: * ان القوم وجدوا انفسهم واحيانا وضعوا انفسهم, وسط غاية متشابكة من انصاف وارباع الحقائق ومن الاكاذيب المختلطة بالحقائق وبمعلومات هي اقرب الى الشائعات ودار هذا كله حول محور مركزي في الساحة السياسية الامريكية هو الزعامة الاولى في البيت الابيض. * ان هذه الزعامة الاولى لا تحتل مكانة بسيطة ولا موقعا هنيا من بلادها ولا من العالم الذي وضعته مصادفة تاريخية تعيسة كما نضعها في موقع المتأثر مباشرة بما يدور داخل الولايات المتحدة ذاتها بعد ان جاء غروب القرن العشرين ليجعلها القطب الأوحد من مقاليد امور هذا العالم ومن مصائر شعوبه وتلك نظرة موضوعية قد لا تطابق امالنا او طموحاتنا في العالم الثالث ولكنها للأسف حقيقة لابد وان نتعامل معها بصورة او بأخرى. أساليب الابهار الاعلامي وان الاخطر او هو الادهى والانكى ان طريقة الحياة الامريكية حتى لا نقول الانساق الثقافية الامريكية اصبح لها مفعول بالغ وباتت تمارس تأثيرا اكثر من فعال على ثقافات الشعوب الاخرى وبالتالي على سلوكيات افرادها وخاصة الاجيال الناشئة حيث ترجع هذه الفعالية الى اساليب الابهار التي تتوسل بها المؤسسة الاعلامية ــ الدعائية الامريكية في نقل رسالتها عبر الاتصالات الفضائية الى شعوب العالم فيما ترجع ايضا الى الجاذبية الكامنة ــ موضعيا ــ في تلك الاساليب الامريكية التي تطل على الحياة من منظورات مبسطة غير معقدة, مزوقة, وملفوفة على ركاكتها في اوراق السلوفان الملونة ويمكن ان نطلق عليها جوازا وصف ثقافة اللا شيء متمثلا في الجينز حيث المعدة تهضم اللا شيء تحت اسم الوجبات السريعة وحيث الافواه تمضغ اللاشيء تحت اسم علكة الشوينجم وحيث الاذن تسمع اللا شيء ومن ذا الذي يمكن ان يسمع نغمة او يفهم كلمة او يتذوق فنا الى فن وسط عويل الديسكو؟! لهذا لا نملك سوى متابعة الاهتمام بما يجري وبما يستجد من تطورات حول الشأن الامريكي الراهن وحسبنا ان نباعد بين انفسنا وبين الانبهار بما يجري او الانغماس وسط دوامته بما يحجب عن انفسنا سلامة الرؤية وشمول النظرة وقدرة التقييم ومن ثم وعي ما يمكن ان نستقيه من عبرة او درس بليغ مستفاد ومن هذا المنظور الموضوعي فيما نتصور او نأمل, نرى ان الخطاب السياسي الامريكي قد تدنى الى اسوأ مستوى هابط يمكن ان يتصوره المراقب او المحلل السياسي في يوم من الايام وربما يكون هذا هو الدرس الاول المستفاد... لقد وصل الامر الى حد ان طالب القوم بفرض نوع من الرقابة على ما يدور من حوارات او مساجلات في البرامج السياسية (تصور!) وهي التي كانت تحظى بأكبر قدر من توقير المتابعين ــ قارئين كانوا او مستمعين او مشاهدين, ــ بحكم انها تتناول القضايا القومية والشؤون العامة. الأجداد يتوارون أمام الابناء ها قد اتى حين من الدهر على الآباء المحترمين والاجداد الموقرين وقد باتوا يخجلون أو يتوارون او يتدارون امام الابناء والاحفاد ازاء قاموس المفردات المستخدمة في الحوار حول افعال ــ بالادق افاعيل رئيس اكبر دولة في العالم ــ وما قد يتفرع عن ذلك من عبارات واوصاف وتبليغات وملاحظات وكلها تدور ــ كما لا يخفى على فطنتك ــ حول المتدربة اياها وعن تصرفاتها في غرفة النوم وعن نوعية الذي حصل في هذه الليلة او تلك وعن الحدود التي وصل اليها وعن المكالمات الليلية الهاتفية المحمومة اللاهثة واللافحة الانفاس وعن ثوب تلقته هدية ولكن لطخته البقع التي خضعت للتحليل في مختبرات الطب الشرعي بدائرة المباحث الفيدرالية, وعن سيدة يقترب عمرها من نصف قرن سجلت للمتدربة اياها عشرين شريطا من اعترافات واحاديث بعضها ينبغي ان توضع عليه لوحة (للكبار فقط) او شارة ممنوع لأقل من 18 سنة اسوة بما يحدث في افلام البورنو الخليعة او الاباحية المكشوفة. هذا الهبوط في اجرومية الخطاب السياسي الامريكي اوصل البعض الى وصفه بانه اكس ريتد بمعنى انه موضوع بعلامة أكس, الصليب المتقاطع الذي يوصم المنتوجات الاباحية التي تحظر تعاطيها على الناشئة بل ويوصم متعاطيها البالغين بأنهم غير ناضجين او محترفين او مراهقين او غير اسوياء. خطورة التدني في الخطاب السياسي لا عجب اذن ان تصدر (نيويورك تايمز) (عدد الاحد اول فبراير الحالي) وفي صدر صفحاتها موضوع عن خطورة مثل هذا التدني في خطاب السياسة العامة بالنسبة للاطفال ويحمل هذا الموضوع عنوانا اجرته الجريدة على لسان طفل يتساءل, ماما... ما معنى متدربة؟ والاشارة هنا الى ان اللفظ يكاد يرادف في ذهنية الناشئة كل ما هو مرفوض ومرذول وشديد الخطورة من معان وايحاءات ودلالات. ونبادر فنصارح القارىء الكريم اننا قد عانينا ــ علم الله ــ كي نصوغ الالفاظ والعبارات في كتابات لا تخرج عن نطاق التهذيب او الملاءمة الفكرية للسياق الذي نكتب فيه, في حين ان اطراف الخطاب السياسي المذكور وخاصة على شاشات التلفزيون لا يتورعون عن الافصاح عن كل معنى واستخدام كل لفظ مباح او غير مباح. ولقد كنا نقف كثيرا عند الحركة التي اقدم عليها في زمان بعيد الزعيم السوفييتي الاسبق خروتشوف حين عمد الى جزمته فوضعها فوق منصة الخطابة في دورة الرؤساء الشهيرة للجمعية العامة للامم المتحدة (عقدت الدورة في سبتمبر 1961 وحضرها اكبر زعماء العالم وقتئذ ومنهم الزعيم العربي عبدالناصر الذي القى يومها اول خطاب في التاريخ باللغة العربية من فوق هذا المنبر الدولي) ورغم ان خروتشوف كان يدلل بفعلته تلك على استهانته بقدر احدى الدول التي عارضته او نددت بسياساته (ونظنها الفلبين) الا اننا كنا نتناول هذا الامر ابان دراستنا الاكاديمية على انه نموذج من نماذج (البذاءة السياسية) لكن ها نحن نشهد الامر وقد ازداد مهانة وسوقية وتحول بعد 37 عاما من فعلة خروشوف من نطاق البذاءة إلى مستنقع الخلاعة, وقد كان من السهولة بمكان على المحللين ان يتناولوا حكاية خروشوف بمنطق اتهام, ذلك الزعيم الاوكراني الفلاح بالجلافة والفظاظة وقلة الذوق لكن اصبح على المحللين ان يتناولوا الشأن الامريكي الراهن وقد تذرعوا باكبر قدر يسعهم من حيطة اللفظ وانتقاء العبارة وتدقيق الوصف, والا خدشوا حياء القارئين من جهة, ناهيك ان يساقوا إلى ساحات القضاء بتهمة القذف والسب العلني من جهة اخرى. المؤسسة الصحافية الامريكية تشمل كل وسائل الاعلام ربما يتمثل العامل الايجابي في هذا كله, في ان المؤسسة الصحفية ــ الاعلامية الامريكية شرعت تفيق أو تنتزع نفسها من حمأة هذا المستنقع أو من طيات هذه الدوامة التي استطالت اسبوعين وقت كتابة هذه السطور, والمعروف طبعا ان المؤسسة الصحفية في امريكا لا تقتصر على الصحافة المطبوعة ولكن تمتد لتشمل كل وسائل الاعلام المرئية والمسموعة, بل زاد عليها (النمرة) الجديدة ـ والخطيرة ايضا التي استجدت مع عقد التسعينات الحالي وهي شبكات الحواسيب العالمية التي المحنا اليها في حديث سبق, وفي مقدمتها انترنت وشقيقاتها, وها هي تستمد خطرها وخطورتها من كونها اولا تتعامل مع الفرد في مهجعه واحيانا في مخدعه بعيدا عن اي مؤثرات اخرى, ومن كونها ثانيا لا تخضع لاي رقابة أو فلنقل مساءلة أو محاسبة من اي جهة كانت, وربما من كونها ثالثا تستعصى بحكم وسيلتها الالكترونية على مثل هذه الرقابة وتتمتع بنوع خاص وفريد من الموثوقية ولا نقول المصداقية بالنسبة لملايين المتلقين. والحاصل ان المؤسسة الصحفية الامريكية بدأت تراجع نفسها كي تدرك انها ليست امام فضيحة اخلاقية عادية بل امام صراع قوي عات بين حيتان جبارة, وتدرك ان كل ما اذيع حول هذه الفضيحة وكل ما ادلت به اطراف شتى بشأنها مازال في طور التكهنات والاتهامات والادعاءات, في حين تتمثل المشكلة في ان ترديده وتكراره, واعادة تكراره على مسامع وافكار الناس العاديين كفيل بتحويله ـ ربما بفعل القصور الذاتي ـ إلى ما يمكن ان يتصوره هؤلاء الناس العاديون بأنه حقائق يتمثلونها وقد يتصرفون على اساسها. ويلخص هذا الموقف مذيع التلفزيون الشهير بيتر جيننز حين قال: ليست هذه (مجرد) ادعاءات تابلويد (يقصد ما تنشره صحف الاثارة الصفراء) ان المحقق الخاص يسميها اتهامات حقيقية وخطيرة, انها امور تدور حول صراع القوى والسلطة السياسية ومن ثم تدور ايضا حول اسلوب تغطيتها من جانب وسائل الاعلام. صراع الميديا ومثلما دار صراع القوى حول السلطة في دوائر واشنطن العليا, احتدم صراع الميديا حول التسابق إلى تغطية اللون الاول من الصراع ـ السياسي, وفي غمار هذا التنافس الاعلامي لم يكذب الصحفيون خبرا, ولا انطلقوا من حيث كان ينبغي لهم ان يفعلو ــ من منطق الحرص والتأكد والمضاهاة والتثبت والتيقن مما يدفعون به الى المطبعة او الى افواه المتكلمين في عشرات البرامج المرئبة او المسموعة.. لقد انتصب سيرك الميديا في امريكا في حمّى التنافس المحتدم والتسابق الرهيب بحثا عن معلومة او شائعة ــ لا يهم ــ او اقتناصا لكلمة او عبارة ينوه بها هذا المصدر او ذاك.. حيث استوت اقدار كل المصادر وتناسى الاعلامون المهنيون, المحترفون ما تعلموه في معاهد الدرس وما تعارفوا عليه في محافل الممارسة من التحقق من موثوقية المصدر, وجدارته فاستوى لديهم كل مصدر واي مصدر.. استوى المحامون والنساء المشبوهات ورجال الحراسة السرية المتقاعدون والعاملون وشخصيات يهودية تفاجأ بدخولها معترك الاحداث.. ومدرس دراما سابق.. كان بدوره عاشقا سابقا لبطلة تلك التراجيكوميديا ــ المأساة الهازلة التي تمثل اخطر مسارح السياسة في اكبر دولة في عصرنا. الميديا وحرب الخليج و...قاتل الله حرب الخليج.. الذين تسببوا في اشتعالها.. والذين عمدوا الى التغطية الاعلامية لذلك الاشتعال.. ان اكثر المحللين الاعلاميين رصانة يرجعون هذا التشبع الاعلامي بل هذا السيرك الذي نصبته الميديا ــ الى اسلوب التغطية الذي بدأ ظهوره واتباعه في معالجة حرب الخليج منذ عام 1990 هكذا يؤكد واحد من كبار مخرجي التلفزيون الامريكي واسمه (داني ششتر) قائلا ان اسلوب شبكة سي. ان. ان كان نذيرا بما توالى بعد حرب الخليج من اساليب في هيمنة الميديا على عقول الناس وتحويلهم الى كائنات سلبية تستقبل ولا ترسل, تتلقى ولا تعطي.. تصدق ولا تكاد تناقش.. كيف لا .. وقد كان الاسلوب يشمل مايلي: ــ تغطية فورية اثناء وقوع الاحداث. ــ تغطية متواصلة تملك على الناس ساعات الليل وأناء النهار. ــ تغطية مبهرة تستخدم الرسوم البيانية ونقاط توزيع المراسلين في مواقع مختلفة وايقاعات الموسيقى وتصنيف واعادة تصنيف,وتكرار واعادة تكرار صور الوقائع وتصريحات المسؤولين بتنويعات مختلفة.. وبين كل لحظة واخرى.. يعزف المارش الموسيقي وتظلم الشاشات ثم تضاء وتنفرج عن مذيع مهموم او مذيعة متحفزة يسبقه او يسبقها شعار لاهب يطلقه المشاهدون: ــ ايها السادة .. اليكم هذا الخبر الجديد وهو ماكان يعرف في الصحافة الكلاسيكية المطبوعة باسم (ستوب برس) حين كانت الوكالات تقرع اجراسها ويهرع الى ميرفاتها (التيكرز) افواج المحررين يوقفون دورات المطبعة كي يلحقوا بالخبر الخطير الموعود. بعد حرب الخليج استمر اسلوب الميديا ليغطي قضية اللاعب الامريكي سمبسون المتهم بقتل زوجته ورفيقها, وليغطي مأساة مصرع الأميرة ديانا..ويصل الى تغطية مأساة هبوط الخطاب السياسي في كبرى دول العصر.

تعليقات

تعليقات