هل تتخلى أوروبا عن اللاجئين السياسيين إليها- بقلم: عبد المعنم الأعسم - البيان

هل تتخلى أوروبا عن اللاجئين السياسيين إليها- بقلم: عبد المعنم الأعسم

قالت وزارة الخارجية البريطانية ان الحكومة ستشرع في إعادة النظر باجراءات استقبال اللاجئين لأسباب سياسية في إشارة الى لاجئي الدول العربية , وبخاصة المصريين منهم, عقب انتقادات الرئيس مبارك (غداة حادث الأقصر) وجهها الى لندن وعواصم غربية اخرى بتسهيل نشاط (الإرهابيين القتلة) اللاجئين الى هذه الدول. وفي المانيا قطعت اجراءات التضييق على اللاجئين السياسيين - العرب خاصة - شوطا بعيداً واقدمت حكومة بون على طرد المئات من اللبنانيين والمغاربة والاكراد ممن لا يستطيعون العودة الى بلدانهم وهددت بالمراجعة المستمرة لقوانين اللجوء المحلية بما يوقف (الموجات الشرقية) حسب بيان للخارجية الالمانية. وفي امستردام اتهمت وزيرة العدل الهولندية اللاجئين السياسيين العرب بتشكيل مافيات لابتزاز السكان وتعميم الجريمة المنظمة واتهمتهم بانتحال المبررات السياسية للجوئهم وناشدت اجتماعاً لوزراء عدل الدول السبع الأوروبية العمل على تكييف قوانين اللجوء بما يوقف التساهل مع عمليات اللجوء (غير الشرعية) . وفي باريس وايطاليا واليونان شكلت فرق حكومية لتعقب اللاجئين من دول تشهد اضطرابات سياسية وعرقية والتقاطهم من الحدود قبل اختراقها وتركزت الاجراءات على القادمين المتزايدين من الدول العربية (لأسباب سياسية وانسانية) واعيد المئات ممن توجه منهم الى هذه الدول الى الأماكن التي انطلقوا منها, والقي بالكثير من اسرهم واطفالهم الى ما وراء الحدود بمواجهة مصائر مأساوية في ظروف لا يتمكن غالبيتهم الساحقة من العودة الى بلدانهم, وقد برر السياسي الفرنسي اليميني المعروف جان مارى لوبين الحملة على اللاجئين المغاربة بالقول (الذين استقبلناهم كهاربين من الخطر اصبحوا هم الخطر نفسه) . وفي احصائيات دولية ذكر ان عدد اللاجئين العرب الى (دول اللجوء) المعتمدة لدى الأمم المتحدة زاد حتى العام 1997 على العشرين مليونا, ويدخل في تعريف (اللاجئين) الاعتباطي ملايين من المهاجرين العرب الذين اضطرتهم ظروف بلدانهم القسرية, السياسية والاقتصادية والطبيعية, الى البحث عن فرص وحياة آمنة وراء الحدود, ويعتقد ان نصفهم تنطبق عليهم صفة اللاجئين السياسيين. الأوروبيون سبقوا العرب في الهجرة! واذ مرت في الثاني من اكتوبر - الماضي الذكرى الثانية والثمانون لأول تقرير عالمي للهجرة واللجوء القسري واخذت به عصبة الأمم فإن الكثير من الدوائر الأوروبية المعنية تتجاهل مضامينه التي تكشف عن حقائق مذهلة بصدد اضطرار الملايين من مواطنيها - آنذاك - الى النزوح عبر الحدود طلبا للحرية أو لفرص العمل المجزي... فثمة - طبقا لهذا التقرير - اكثر من خمسة ملايين بريطاني وأربعة ملايين الماني وثلاثة ملايين نمساوي ومثلهم من ايطاليا وروسيا لجأوا الى الولايات المتحدة وحدها عدا عن الملايين الكثيرة التي هاجرت الى قارات اخرى, وبخاصة الى قارتى افريقيا واستراليا... وكان فيلم شارلي شابلن (المهاجر) قد تهجى منذ العشرينات من هذه القرن ازدراء السلطات المحلية الأمريكية (وبدفع من النخبة الموسرة) للاجئين الأوروبيين... وكأن التاريخ يعيد نفسه الآن حين ينتقل مسرح التمييز والازدراء من الولايات المتحدة الى أوروبا مع اختلاف في هوية الضحايا ومزدريهم تبعا لاختلاف الظروف. على انه, من زاوية معينة, بدا ان القرن العشرين الذي يشارف على الرحيل هو قرن الاقتلاعات القسرية لسكان الكثير من الدول الأمر الذي دفع الى تشكيل جماعات بحث ودراسة محلية واقليمية ودولية كثيرة لصياغة حدود هذه المشكلة عبر دراسة المفاهيم والقوانين التي تصدت لها طوال فترة بروزها... وقد شغل اللجوء القسرى (السياسي) اهتماماً واسعا بالنظر لصلة الأمر بالعلاقات الدولية وتأثرها به. الأديان عالجت اللجوء القسرى لقد اقرت الديانات القديمة حق اللجوء القسرى, اذ يضطر الفرد الذي يطارده قومه الى الاحتماء بقوم آخرين في مناطق نائبة, بكفالة تقاليد الحماية الانسانية وشرعية حب البقاء (فانا أجعل له مكانا يهرب إليه) كما يرد في التوراة الذي يستطرد في عرض موجبات اللجوء القسري بالقول: (من ضرب صاحبه بغير علم.. ومن ذهب مع صاحبه في الوعر ليحتطب حطبا وافلت الحديد من الخشب واصاب صاحبه فمات فهو يهرب الى تلك المدن فيحيا فيها (ويقدم القرآن الكريم في استجلائه لضرورات اللجوء القسرى إحاطات شديدة الوضوح عبر معالجة (هجرة الرسول الاضطرارية الى المدينة) ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً كثيراً وسعة) . وليس بدون مغزى ان يحظى اللاجئ في العصور القديمة بحرية الاقامة والتعبير عن الرأي... وكانت النخب الحاكمة والفئات السياسية وجماعات المفكرين التي تترك بلدانها مضطرة تحاط بعناية استثنائية في منافيها تطبيقا لقاعدة (عزيز قول ذل) وسجلت الفتن والصراعات المبكرة في الأقاليم العربية وقائع ملأى بالدلالات عن ظاهرة اللجوء السياسي, وكانت احوال الأندلس في مراحل التفتت والاحتراب قد افادت, مثلا, عن هروب العلماء والفقهاء من قرطبة لاجئين الى دول ومناطق أخرى سعيا الى الحرية وتجنبا لطاحونة الانتقامات... فقد لجأ كل من القاضي محمد بن يوسف الأموي والقاضي احمد بن مطرف (الخطاب) الى الثغر ولجأ ابن واصل الى طليطلة ولجأ الفقية ابن الجعفرى الى طرطوشة ولجأ ابن الفراء الى اشبيلية وكانوا يجدون متسعا من الفرص لمزاولة علمهم واهتماماتهم في تلك المنافي. وفي غضون ذلك كانت أوروبا لا تعرف حقوقا للاجئ السياسي على خلفية ما يشبه الاتفاق بين حكام الدول والمقاطعات على تسليم اللاجئين الى حكوماتهم ضمن صفقات تقضي برد الفضل في الحالات المتشابهة, وذلك قبل ان تتوصل الممالك الأوروبية الى اتفاقات مكتوبة بالتزام مطاردة اللاجئين السياسيين الفارين وتسليمهم لحكوماتهم, مثل اتفاقية عام 1147 المعقودة بين ملك انكلترا هنري الثاني وغليوم ملك ايقوسيا واتفاقية عام 1497 بين ملك انكلترا هنري الثالث وحكام بلجيكيا... وكانت تلك الاتفاقيات وغيرها من إجراءات المطاردة للاجئين السياسيين والتنكيل بهم موضع استياء مفكرى النهضة الأوروبية حيث بلغ هذا الاستياء ذروته في فرنسا من خلال نداءات رجال الثورة روسو ومونتسيكيو وفولتير الأمر الذي انعكس في الدستور الفرنسي الصادر عام 1793 بالنص على ان (الشعب الفرنسي يمنح حق اللجوء للاجانب المبعدين عن أوطانهم) ويعتبر هذا التضمين اللبنة الأولى في أساس الفكر القانوني الدولي لمشكلة اللجوء السياسي حيث جرى استلهامه وترجمته باشكال مختلفة في غالبية الدساتير الأوروبية ليأذن بانتقال معاملة ضحايا انعدام الحريات في بلدانهم من المطاردة والقسوة الى الحماية والاحترام. المجتمع الدولي... يقر... ويناقش لقد انطلقت غالبية النصوص الدستورية المنصفة من فكرة انه لا يصح معاقبة اللاجئ السياسي الذي يضطر الى الهرب من بلاده, فقد (عاقب نفسه بنفسه بالتخلي عن مواطنته) , كما واسقطت بعض النصوص مبدأ تجريم اللاجئ (إذ لم يرتكب جرما داخل حدود الدولة التي اضطر الى الاحتماء بها من حكومة دولته) وقد نجحت حركة الحرية وحقوق الانسان منذ بداياتها في استبعاد (الجرائم السياسية) من قوام اتفاقات تبادل المجرمين بين الحكومات استنادا الى (وثيقة جنيف) التي صاغها معهد العلوم الجنائية في دورته المنعقدة عام 1892 القاضية (بعدم تسليم المجرم إذا كان فعله سياسيا صرفا) و(الافعال المرتكبة اثناء الثورات أو الحروب يستفيد مرتكبها من اللجوء السياسي) . وفي العام 1948 تبنى المجتمع الدولي من خلال (الاعلان العالمي لحقوق الانسان) كفالة حق اللجوء السياسي بوصفه أحد الحقوق الأساسية في هذا العصر وجاءت (معاهدة جنيف) لتنهي جدلاً طويلا حول الوجاهة القانونية والسياسية لاحترام اللاجئ السياسي وحدود الحقوق التي يتمتع بها في بلد اللجوء, فقد ثبتت المادة الثالثة من المعاهدة (حق المطالب اللجوء بالاحتماء في الدولة التي يطرق بابها بسبب خوف ناتج من: الانتماء الى جماعة, أو عنصر, أو تجمع ديني, عنصري, عقائدي, سياسي, أو ما شابه, ويكون نتيجة تهديد مباشر أو محتمل عليه وعلى من ينتمي اليهم (وذلك قبل ان يحل جدل آخر بصدد المعايير التي يتوجب اعتمادها للتمييز بين الجريمة السياسية التقليدية المشمولة بحقوق اللجوء السياسي الدستورية و(الارهاب) في شكله الجديد الذي يمت للسياسة بأكثر من صلة. وعلى خلفية هذا الجدل الذي تداخلت في ثناياه عناصر تتصل بالعلاقات بين الدول وأخرى بالجوانب القانونية والسياسية اقدمت دول الاتحاد الأوروبي على تعديلات جوهرية في قوانين تشير, كما لاحظ ساندرين غرينييه المسؤول عن مكتب منظمة العفو الدولية في بروكسل الى (ان حالة حرب مدنية, أو نزاع داخلى, أو صراع بين مجموعات غير منظمة, أو ما يهدد منها, لا يبرر الاعتراف بحق طالب اللجوء بان يجد مكانا في أوروبا, بل يجب ان يثبت انه شخصيا, وكفرد, هو المهدد بالخطر) وقد عقب غرينييه على هذه التعديلات بالقول انها تتعارض مع معاهدة جنيف والأعراف الدولية) لأن من شأن هذه التعديلات حرمان طالبي اللجوء من الاحتماء ومن المساعدات المالية الحكومية وكذلك الخدمات الاجتماعية التي يستمرون معها بشرا عاديين) . العرب في العنوان والتفاصيل وشاء الفصل الأخير من الجدل الذي نشهده على نطاق العالم, ان يضع (المفردة العربية) في عناوينه الرئيسية الملتهبة ليس فقط صلة الأمر بمشكلة بضعة عشرات من اللاجئين السياسيين ممن تطالب حكوماتهم العربية من دول اللجوء الأوروبية تسليمهم بوصفهم (ارهابيين) بل ولصلته بتفاصيل حساسة تدخل في قوام العلاقات بين هذه الدول, وفي ضوابط العلاقات الدولية ذات الصلة بالنظام العالمي الجديد.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات