ماذا بعد حل حزب الرفاه - بقلم: د. عليّ الدين هلال - البيان

ماذا بعد حل حزب الرفاه - بقلم: د. عليّ الدين هلال

في ديسمبر ,1995 حقق حزب الرفاه الإسلامي التركي انتصاراً كبيراً في الانتخابات البرلمانية, بحصوله على أكبر عدد من مقاعد البرلمان , ليصبح بذلك الحزب الكبير في السياسة التركية, وليصبح زعيمه, نجم الدين أربكان, رئيساً للوزراء في اطار ائتلافه مع تانسو تشيللر وحزبها (الطريق القويم) . وكان في وصول أربكان إلى السلطة تحول جوهري في السياسة التركية منذ إنشاء الجمهورية الحديثة وإقرار مبادئ العلمانية التي تحظر قيام حركات أو ممارسة أنشطة سياسية ترتبط بالإسلام, مما دعا بعض المراقبين إلى القول بأن ما حدث في 1995 هو بمثابة (انقلاب هادئ) تم بطريقة ديمقراطية. وبعد ثلاث سنوات, وتحديداً في 16 يناير ,1998 أصدرت المحكمة الدستورية قرارها بحل حزب الرفاه, ومصادرة أمواله لحساب الدولة, وإسقاط عضوية أربكان في البرلمان ومنعه من ممارسة العمل السياسي لمدة خمس سنوات. وذلك, على أساس قيام الحزب بأنشطة معادية للدستور والنظام العلماني للدولة. فما هي دلالة حل الحزب الذي يمتلك أكبر عدد من مقاعد البرلمان, وما هو تأثير ذلك على الحزب نفسه, وعلى التوازن السياسي في تركيا؟ ولكي نفهم التداعيات المحتملة لهذا القرار, ينبغي أن نضعه في إطار السياسة التركية عموماً, وفي إطار خبرات الأحزاب التركية السابقة ذات الاتجاه الإسلامي بوجه خاص. فهذا القرار له سوابق, ولم يكن (الرفاه) هو أول الأحزاب السياسية التي حلت في تركيا بدعوى مخالفتها الدستور, كما أنها ليست أول مرة يواجه فيها أربكان قراراً بإقصائه عن الحياة السياسية. بل يمكن القول أن تاريخ تركيا في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية, وخصوصاً بعد عودة التعددية الحزبية فيها, وبالأخص منذ السبعينات, هو ــ في أحد جوانبه ــ تاريخ الصراع بين (المؤسسة الكمالية) التي يجسدها الجيش, وبين الاتجاهات الاجتماعية والأحزاب السياسية المعبرة عن الشعور المتنامي بهوية اسلامية. ففي الخمسينات, وفي عهد رئيس الوزراء عدنان مندريس, تصاعدت التعبيرات الثقافية والفكرية لهوية تركيا الإسلامية. وفي مواجهة تدهور شعبيته, بسبب الكساد والأزمة الاقتصادية, سعى (مندريس) إلى توظيف الشعور الإسلامي, فسمحت حكومته بإصدار المطبوعات الإسلامية, وفتح مدارس الأئمة, والموافقة على الترخيص للعديد من الجمعيات الإسلامية والتي بلغ عددها أكثر من ألف في عام ,1955 وبدء تدريس الدين الإسلامي في المدارس الابتدائية في ,1956 وانشاء معهد البحوث الاسلامية بجامعة اسطنبول, وإعادة العمل بنظام الافتاء. وكانت هذه التغييرات من الأسباب التي مهدت للانقلاب العسكري في عام 1960. ومع أن الجيش أقام نظاماً عسكرياً وأوقف الحياة الدستورية لفترة تالية, إلا أنه لم يستطع وقف التيار الذي أطلقه (مندريس) . بحيث أصبح الإسلام والقضايا المتعلقة بالهوية الثقافية لتركيا عنصراً مطروحاً على جدول أعمال السياسة التركية. وفي هذا الإطار, ينبغي أن نفهم ما حدث مؤخراً لأربكان وحزبه, وأن نضع القرار بحل هذا الحزب في إطاره. لقد بدأ بروز أربكان في الحياة السياسية التركية من خلال عمله في (جبهة الشرق الأعظم) بقيادة نسيب فاضل. وفي ,1969 فاز أربكان بمقعد في البرلمان التركي. وفي العام التالي, قام بتأسيس حزب (النظام الوطني) , الذي أكد على أن الإسلام أساس النظام الاجتماعي. وعلى أثر الانقلاب الثاني للجيش في عام ,1971 صدر قرار بحـظر نشاط حزب (النظام الوطني) لمخالفته الدستور. لكن أربكان لم ييأس, وفي أكتوبر ,1972 أسس حزب (السلامة الوطني) , الذي كان امتداداً لحزب النظام الوطني في الأفكار والتوجيهات. وشارك أربكان, من خلال حزبه, في أغلب الانتخابات التي جرت في حقبة السبعينات, كما شارك في ثلاثة ائتلافات حكومية في أعوام ,74 و,75 و,1977 تولى خلالها نيابة رئاسة الوزراء مرتين. ويعيد التاريخ نفسه مرة أخرى, ففي أعقاب الانقلاب العسكري لعام ,1980 تم حل كل الأحزاب, ومنها حزب السلامة الوطني. وبعد صدور دستور ,1983 تم تأسيس حزب جديد باسم (الرفاه) , يدعو إلى إنشاء (النظام العادل) , وهي تسمية بديلة عن النظام الإسلامي الذي يحظره الدستور, ويركز برنامج الحزب على القيم والأخلاق التركية التقليدية, والعدل الاجتماعي, ومحاربة الفساد, ورفض التغريب, وتوثيق الروابط مع العالمين العربي والإسلامي. ومن الجدير بالذكر أن إنشاء هذا الحزب تم في وقت كان أربكان فيه محروماً من المشاركة في الحياة السياسية, حتى عاد ورأس الحزب في 1987. وخلال حقبة الثمانينات, ظل الحزب يلعب دوراً هامشياً, ولم يتمكن من احراز نسبة الـ 10% المطلوبة كحد أدنى للتمثيل في البرلمان. وشهدت التسعينات تبلور حزب الرفاه كقوة سياسية ذات شأن. ففي انتخابات ,1991 دخل الحزب في ائتلاف مع الأحزاب اليمينية الوطنية, وحصل الائتلاف على نسبة 17% من الأصوات. وفي الانتخابات المحلية في ,1994 حصل الحزب على 19.7% من اجمالي الأصوات, ليحتل الموقع الثالث على خريطة الأحزاب السياسية بعد حزبي (الوطن الأم) و(الطريق القويم) . كما فاز مرشحان عن الحزب بموقعي عمدة العاصمة أنقرة وعمدة مدينة اسطنبول. ثم جاء الانتصار الكبير في انتخابات ,1995 بحصول (حزب الرفاه) على 158 مقعداً من مقاعد البرلمان البالغة 550 مقعداً, أي بنسبة 21.38%, ليصبح الحزب الأكبر في الحياة السياسية التركية. ومؤدى ما تقدم, أن القرار بحل حزب الرفاه ليس حدثاً بلا جذور. فهو حلقة في سلسلة الصراع السياسي والثقافي القائم في تركيا حول الهوية والمستقبل. ويضيف آخرون أسباباً أخرى لصعود الرفاه, مثل انهيار الاتحاد السوفييتي وانعكاس ذلك على الأحزاب اليسارية التركية, أو التناحرات التي تشهدها الأحزاب اليمينية الوطنية وما كشفت عنه من أوجه فساد فادحة, أو تصاعد التيارات والاتجاهات الاسلامية عموماً في المنطقة, أو الخبرة الناجحة لحزب الرفاه في إدارة عدد من المدن والبلديات. وأياً كان الأمر أو السبب, فقد مثل الموقع السياسي الجديد لحزب الرفاه, ثم تولي أربكان رئاسة الحكومة, تطوراً بالغ الأهمية في تاريخ الجمهورية التركية. لقد استطاع أربكان وحزبه إدارة العملية السياسية, سواء في المعارضة أو في الحكم, بذكاء واقتدار. ولم يعط الفرصة لمعارضيه لاستخدام القوة ضده. فقد وصل إلى الحكم بالأساليب الديمقراطية, وسعى إلى التوصل لحل وسط مع الجيش خلال الفترة التي حكم فيها, وقدم وجهاً معتدلاً ومقبولاً لحكم يستند إلى الاسلام. وربما كان ذلك هو أهم الأسباب التي دعت الجيش والقوى المعادية للرفاه للتخلص من أربكان, بإقصائه عن الحكم أولا, ثم حل حزبه وإبعاده عن الحياة السياسية. ذلك, أنهم قد أدركوا أن استمرار الرفاه وأربكان يعني سحب بساط التأييد والشرعية من تحت الأحزاب العلمانية والجيش تدريجياً. ولأن أربكان وحزبه لم يخالفا الدستور, فقد كانت ردود الفعل الدولية غير مرحبة بقرار الحل, ومتهمة اياه بعدم الديمقراطية. بل لقد عبر مسعود يلماظ, رئيس الوزراء الحالي, عن أسفه لقرار المحكمة, قائلاً إن اجراءات من هذا النوع في دولة ديمقراطية لهو أمر يدعو للأسف. كما وصف المتحدث باسم الخارجية الأمريكية هذا القرار بأنه يدمر الثقة بالنظام الديمقراطي في تركيا. ومن الأرجح أن القوى الإسلامية سوف تلجأ إلى الاسلوب الذي انتهجته من قبل, وهو انشاء أحزاب جديدة تحت مسميات جديدة. وسوف تظهر قيادات أخرى تحل محل أربكان في فترة غيابه. ولكن أخطر الاحتمالات هو امكانية لجوء بعض العناصر الشابة إلى العنف, كرد فعل للاحباط الذي تشعر به نتيجة حرمان حزبها من حق الوجود الشرعي, وإهدار رأي ملايين الناخبين الذين صوتوا له. لقد عبر أربكان عن حكمة, وبعد نظر, وطول نفس. وعلق على قرار حظر الحزب بقوله: (ان هذا الحدث ليس له أية قيمة في اطار قضيتنا العظيمة.. سوف تتزايد قضيتنا قوة, وسوف يعود الرفاه إلى السلطة بمفرده يوماً ما) . فهل تتحقق هذه النبوءة؟ عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية*

طباعة Email
تعليقات

تعليقات