(الصهيونية في زمن (العولمة:بقلم: محمد الأزعر - البيان

(الصهيونية في زمن (العولمة:بقلم: محمد الأزعر

حين أخذت الصهيونية السياسية هيئتها التنظيمية المؤسسية في المؤتمر الصهيوني الأول منذ مئة عام, لم تكن شيئاً مذكوراً في دنيا العلاقات الدولية لم يكن لها أرض محددة ولا شعب... يجمع على مهمتها ولا جيش قوي (أو ضعيف) ولا أطار فكري صارم متفق على مضمونه. ومع ذلك, حددت الحركة لنفسها هدفاً كبيراً (إنشاء وطن للشعب اليهودي يضمنه القانون العام) , وتمكنت عبر برنامج وعمل دؤوب من تحقيقه. يعزى تمكن الحركة من تجاوز المعادلة الصعبة بين الامكانات والإنجازات (الأهداف) الى نموذج ناجح في التعامل الدولى أساساً وفي بؤرة هذا النموذج, القدرة الفذة على (التكيف الحركي والفكري) مع المتغيرات الدولية. لقد عاشت الحركة الصهيونية مثلاً في كنف أكثر من نظام دولي: التعددية القطبية قبيل الحرب العالمية الأولى وبين الحربين العالميتين ثم القطبية الثنائية بين نهاية الحرب الثانية وأخر الثمانينات ثم الأحادية القطبية القلقة منذ مطلع التسعينات. ومع تباين تأشيرات هذه النظم وطبيعة التحالفات التي ترتبت عليها بالنسبة للحركة, فقد مرت الصهيونية السياسية بسلام في إطارها جميعاً, بل وحققت أثمن أهدافها. ينبغي الاعتراف إن أمراً كهذا ما كان له ان يحدث دون أخطاء جوهرية, إلا بقراءة واعية للمعطيات الدولية والتواءم معها, معطوفة على قدرات أخرى, كالمرونة الحركية ونقل الخبرات عبر الأجيال التي توالت على القيادة والتطوير المؤسساتي الدائم... لكن السؤال الآن يبقى مطروحاً حول امكانات هذه الحركة التكيف مستقبلاً والمستجدات المتواترة بسرعة بالغة على الصعيد الدولي. فالحركة أغلقت مئويتها والظواهر تتبلور من حولها بما من شأنه ان يجدد طرح قضية البيئة المتغيرة وسبل التعامل معها. هناك ظاهرة تغول دور الدولة (اسرائيل) على دور الحركة ووظائفها, وظاهرة صعود مراكز قوة أخرى أقرب للثقافة الشرقية (الدول الآسيوية), وظاهرة افتقاد الصهيونية لبريقها بين يدي التجمعات الصهيونية العالمية, وتداعيات عملية التسوية مع العرب, والانحسار الكامل تقريباً لمظاهر العداء المزعوم ضد اليهود... إلخ. وبصفتهم أكثر المتأثرين بما يعترى الحركة الصهيونية من صعود وهبوط, نجاحا أو إخفاقاً, يتعين ان يولي العرب عناية بشأن هذه الظواهر وانعكاساتها على مسار الحركة. وفي هذا الإطار قد يجدر الإنشغال بظاهرة العولمة الاقتصادية والثقافية والمعلوماتية ومدى ما نقدمة من آفاق مقبضة أو مبشرة على النموذج الصهيوني للتعامل الدولى. لعل أول ما يسترعي الانتباه بهذا الخصوص, ان الحركة الصهيونية كانت من أوائل الحركات متعددة الجنسيات. فبحكم طبيعتها التنظيمية وانتشارها وتغلغلها في الجهات الأربع, يمكن باطمئنان إطلاق هذه الصفة عليها. ومؤدى ذلك ان العولمة بمعنى تخطي الحدود الوطنية والقومية والتعاطي مع كل القوى الدولية وفق برنامج ورؤية واحدة, ليست أمراً طارئاً على حياة الحركة الصهيونية وممارساتها. وقد جاء الوعي بهذه القضية مبكراً, وكان أول معالمة, تغيير اسم الحركة نفسها من الحركة الصهيونية الى الحركة الصهيونية (العالمية) بعد بضع سنين من مؤتمرها الأول. عموماً, نحسب ان الحركة الصهيونية بفكرها وممارساتها سوف تضع في اعتبارها المضامين الثقافية والاقتصادية والسياسية التي تنطوي عليها أدوات العولمة بمفهومها الآخذ في التطور, تماماً كما فعلت مع المستجدات التي سبق وعاصرتها في رحاب التعامل الدولي. يفترض جدلاً ان العرب مدعوون بدورهم الى استطلاع هذه العملية بشقيها: الخاص بتأثير العولمة على الصهيونية فكراً وحركة, والمداخل الصهيونية لاستخدام العولمة في تحسين أدائها الدولى. وفي حالة كهذه, قد يجدد أخذ الملاحظات التالية في الاعتبار: الملاحظة الأولى: ان المطروح حتى الآن ولأفق زمني ممتد هو المفهوم الغربي للعولمة, وذلك بحكم استحواذ القوى الغربية على التقنيات الحاملة لهذه العملية. وبذلك فإن الصهيونية, كمنتج غربي, ثقافياً وسياسياً, لديها فرصة واسعة لتدعيم مواقعها على الصعيد العالمي. وليس بلا مغزى, مايعنيه الانتشار المالى والاقتصادي الصهيوني في تضاعيف المؤسسات الغربية بالنسبة لعملية هي في جوهرها تتعلق بالمال والاقتصاد. وفي الوقت نفسه, لاينبغي التهوين من شأن النفوذ الثقافي الصهيوني في الدوائر الغربية المتحمسة لتعميم نموذجها إنطلاقاً من أدوات العولمة نفسها. الملاحظة الثانية: ان العولمة, بما تتيحه من قدرة على النفاذ الى مجالات جيوثقافية بكر, في العالم الثالث بخاصة, بوسعها ان تفتح مجالاً لترويج الفكر الصهيوني وتحقيق اختراقات جديدة في مناطق كانت أقرب الى الفهم العربي لهذا الفكر. هناك ارهاصات حقيقية في هذا السياق. من مؤشراتها تلك الروايات المتداولة باطراد عن حقوق متساوية للعرب واليهود في فلسطين بالمعنيين التاريخي والسياسى, والتي أخذت تكسب أرضاً ليس فقط في أوساط عالمية بل وعربية أيضاً. الملاحظة الثالثة: هي ملاءمة المفاهيم الأساسية للعولمة لطبيعة الدعوة الصهيونية من زاويتها الدعائية الخارجية, وتناقضها مع هذه الدعوة من حيث مضمونها الحقيقي, تتأتى هذه المفارقة, من ان العولمة بوصفها ظاهرة تقوم على فكرة القرية العالمية الواحدة ونفي حدود الوطن المستقل واختراق الثقافات المحلية, تناسب الخطاب الصهيوني الدعائي الذي يمكنه في ضوئها التغلغل دون عوائق. بيد ان هذه العولمة بخصائصها عينها تنفي عن الصهيونية زعم الخصوصية والتفرد, وتعرضها لغيرها من الثقافات الفرعية (ان كانت للصهيونية ثقافة مميزة أصلا) للغزو والخلخلة. الملاحظة الرابعة: ان العولمة تكاد تحتكر لصالح اللغات الغربية, من حيث ان القوى الغربية هي صاحبة الباع الأطول في التعامل مع أدواتها (شبكات المعلومات الدولية أساساً)... ولما كانت القيادة الصهيونية تتركز في هذه القوى ودوائر صناعة الإعلام والثقافة فيها, فلا شك ان هذا الإحتكار يسجل نقاطا لصالح الصهيونية وقدراتها على بث أفكارها الدعائية. ويستطيع اي متابع لما يبث على (الإنترنت) التأكد من أصداء هذه الملاحظة. فالشبكة تستضيف كما هائلاً من المعلومات ذات المضمون الصهيوني بشكل مباشر أو مواربة. الملاحظة الخامسة: ان الحركة الصهيونية قد لاتجد صعوبات في التواصل والقوى اليهودية حيثما كانت. فأدوات العولمة وتقنياتها تسمح بتدفق الاتصال بين الحركة ودولتها (اسرائيل) واليهودية العالمية, بما يتخطى العوائق التقليدية بسهولة أكبر بكثير مما أتيح في اية مرحلة سابقة. ومثل هذا التعامل السريع المباشر, قد يتخذ وسيلة لمحاربة الإتجاهات المستنيرة بين يهود العالم. تلك الاتجاهات العاطفة على حل الاندماج وقطع الصلة بالطابع الانعزالي اللاديمقراطي للصهيونية. واضح ان هذه الملاحظات تفضي بنا الى القول بالتأثير الايجابي للعولمة على مسار الصهيونية, غير ان الأمر ليس شيئاً على إطلاق الكلام. وان توخي الجانب العربي نهجاً علمياً للمواجهة. نقول (علمياً) , لأن المواجهة العشوائية حيثما اتفق لاتتسق وطبيعة التعامل الدولي في ظل أدوات العولمة. ان الإمكانيات التي تطرحها للصهيونية غير معزولة عن الجانب العربي فثمة مجال للمحاجاة بأنه يمكن استخدام أدوات الظاهرة (العولمة) للتعريف بعدوانية الصهيونية وعنصريتها والآلام المبرحة التي تسببت فيها للشرعة الدولية وحقوق الإنسان في منطقتنا. وللعرب منطقهم الحضاري والأقوى ومناصروهم, بما يفسح لهم مكاناً في الخطاب الإنساني, ولديهم لغتهم المعتمدة, ويفترض انه لايعوزهم المال ولا الملكات العلمية والقدرات الاقتصادية التي يمكن استغلالها بكفاءة في تعامل دولي وفق الأدوات التي يفرضها العصر. بكلمة جامعة, فان التقنيات المتقدمة التي تطرح العولمة وتسعى لفرضها تنطوي فرص ومخاطر, شأن اي تطور آخر في عالم المعرفة, كل ما في الأمر ان الصهيونية تتكيف سريعاً والمستجدات. وهذه ليست بالقضية المعجزة بالنسبة للعرب. كاتب وباحث فلسطيني - القاهرة *

طباعة Email
تعليقات

تعليقات