الحكومة... وتكويش السلطة: بقلم: عادل حمودة - البيان

الحكومة... وتكويش السلطة: بقلم: عادل حمودة

ولد الدكتور كمال الجنزوري في 12 يناير 1933, واحتفل في صمت منذ ايام بعيد ميلاده الخامس والستين, وكان الاحتفال ــ على ما يبدو ــ غير تقليدي , التهام تورتة حرية الصحافة واطفاء شموعها, واضافة اعباء وصلاحيات وسلطات جديدة فوق كاهله, لا نعرف كيف يحتملها... ولا تفرق بين الديمقراطية والسطوة البيروقراطية. وهو من مواليد برج الجدي, برج ريتشارد نيكسون وانور السادات وجوزيف ستالين وجمال عبدالناصر, ومواليد هذا البرج يتسمون بالطموح والعمل الشاق, ولا يحيدون عن الهدف لكنهم غير عاطفيين, ولا ينسون احزانهم القديمة, وعندما يطفح الكيل يجرفون كل شىء في طريقهم. وهو يجيد التعبير, ويخشى كلمة التقصير, ويعرف ان الطريق امامه ليس مفروشا بالحرير, لكنه في تكثيف وتركيز وتجميع السلطات والصلاحيات والقرارات يريد ان يكون الاول, والاخير. انني اعرف انه يخوض معركة شرسة ضد الفساد, ويحلم بأن يكون هذا الوطن فراشة ملونة, واعرف انه رجل لا يحترف التمثيل ولا يتاجر بالاوهام, ولا يقول أي كلام, لكن اعرف ايضا ان الطريق إلى جهنم مفروش بالنيات الطيبة, وتكثيف السلطة يزرع الاسلاك الشائكة. لقد ذهلت من قائمة المهام التي ينفذها رئيس الحكومة, وتساءلت: كيف يقدر عليها؟, وكل منها يحتاج إلى ابتكار والهام؟! وكيف يستوعبها وينفذها بكفاءة وابسطها تستوعب الايام؟ انه يرأس مجلس الوزراء, ويتولى بنفسه اربع وزارات هي التخطيط, والتعاون الدولي, والحكم المحلي, والازهر, والذي يتولى وزارة التخطيط, يتولى ــ بحكم منصبه الوزاري ــ رئاسة البنك القومي للاستثمار, ويتحكم في كل المشروعات والخدمات, فلا تبنى مدرسة أو مستشفى أو محطة كهرباء دون موافقته, وهي مشاريع بالمئات اذا لم تكن بالآلاف. وفي الموازنة العامة الاخيرة 97/98 نجح في ان يشل فاعلية واستقلالية الهيئة العامة للمجتمعات العمرانية الجديدة, ووضع ميزانيتها تحت اشرافه المباشر بصفته وزيرا للتخطيط ورئيسا للبنك القومي للاستثمار, ومن ثم اصبحت مشروعات هذه الهيئة اضافة لمهامه, ولا يمكن اقرار هذه المشروعات, ولا الانفاق عليها دون العرض عليه, يضاف إلى ذلك الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة بكل ما فيها من مشاكل ومتاعب ومعوقات في وقت على الحكومة ان تنفذ فيه المرحلة الثانية من (الاصلاح الاقتصادي) , مرحلة النمو الاقتصادي والانتعاش الاجتماعي, وهي مرحلة لم نشعر بها بعد, فما زلنا نطلب الستر والمدد من اولياء الله الصالحين, ما زلنا في حالة هلوسة, ولم نعد نأكل من الكلام المكرر والعزف النشاز, واصبحنا نمشي على عكاز. وهناك 12 لجنة عليا مشتركة مع دول عربية واجنبية مختلفة منها الاردن وسوريا ولبنان وتونس والمغرب واليمن والسعودية والسودان وليبيا والصين وروسيا, وحسب البروتوكولات الموقعة تجتمع هذه اللجان دوريا مرة كل ستة اشهر, واحيانا مرة كل سنة, ويكون الاجتماع بالتبادل بين عاصمتي البلدين, اي ان في العام ما بين 12 ــ 24 اجتماعا لهذه اللجان, وفي حالة الاجتماع في القاهرة ويتفرغ رئيس الوزراء لهذه المهمة يومين على الاقل, وفي حالة الاجتماع في عاصمة اخرى تستغرق رحلة رئيس الوزراء ما بين 3 ــ 4 ايام, وبحسبة بسيطة تستهلك هذه اللجان بمفردها حوالي الشهرين, وذلك بخلاف المهام الخاصة التي يكلفه بها رئيس الجمهورية, سواء كانت للسفر مع الرئيس أو لاستقبال الضيوف الاجانب, أو للمشاركة في المباحثات الرسمية, وهذه المهام تتسبب احيانا في ارتباك جدول مواعيد رئيس الوزراء بل تغير من الموعد الاسبوعي المقدس لمجلس الوزراء, وهناك ايضا اجتماعاته الدورية مع المحافظين, والتعامل معهم مباشرة كوزير للحكم المحلي. ورئيس الوزراء ــ بحكم منصبه ــ هو نائب الحاكم العسكري طبقا لقانون الطوارىء, وهي مهمة تسبب الكآبة وتجعل في يده مصيدة الرقابة, ولا ينفع فيها براعة الخطابة. ثم انه رئيس وعضو في 30 مجلسا اعلى يحدد السياسات العليا, بعضها نشط جدا, وبعضها خامل, كسول, لم يجتمع منذ سنوات, وهناك مجالس عليا تقابلها وزارات تنفيذية, مثل المجلس الاعلى للسياحة الذي تقابله وزارة السياحة, ومثل المجلس الاعلى للقوى العاملة الذي تقابله وزارة القوى العاملة, وهناك مجالس عليا بديلة للوزارات, مثل المجلس الاعلى للشباب والرياضة, ويقدر رئيس الوزراء من خلال المجلس الاعلى ان يشل فاعلية الوزير ويلزمه بسياسات لا يرضى عنها, كما حدث مع فؤاد سلطان وزير السياحة الاسبق الذي اختلف في سياسته مع د. عاطف صدقي رئيس الوزراء السابق, فكان ان لجأ عاطف صدقي إلى دعوة المجلس الاعلى للسياحة ونجح في ان يستصدر منه قرارات تشل سياسة فؤاد سلطان وتجمدها في مكانها. ويرأس رئيس الوزراء المجالس العليا للشباب, والسكان, والسياحة, والموانيء, والقوى البشرية, والاجور والاسعار, والجمارك, واحيانا لا يتدخل رئيس الوزراء في عمل هذه المجالس ويترك لمن يرأسها حرية التصرف, واحيانا يتدخل مباشرة وبوضوح, كما حدث مؤخرا عندما تدخل رئيس الوزراء في المجلس الاعلى للشباب والرياضة وجعل كل كبيرة وصغيرة تمر بين يديه, بل انه امتد إلى الاتحادات الرياضية وفي جداول مباريات الدوري العام لكرة القدم, وتعامل معها وكأنها سياسة عليا تهدد امن الوطن. وهو عضو ــ بحكم منصبه ــ في المجالس العليا للقوات المسلحة, والامن القومي, والسياحة, وبعد مجزرة الاقصر اصبح رئيسا للجنة العليا للامن, ولم تعد وزارة الداخلية مستقلة عنه, وساهم في ترشيح وزيرها الحالي اللواء حبيب العادلي, وكان الوزير السابق اللواء حسن الالفي موجودا في الوزارة قبل ان يتولى هو رئاسة الحكومة. وهو يتابع ــ بحكم منصبه كذلك ــ انشطة باقي المجالس العليا, وهي المجالس العليا للصحة والدواء, والثقافة, والتعليم, والجامعات, والمرور, والطاقة, ونشأ مؤخرا المجلس الاعلى للتصدير, وتولى امانته الفنية عندما كان نائبا لرئيس الوزراء, واصبح الان رئيسه, لكن هذا المجلس اصبح خاملا الان, ولم يجتمع منذ تولى رئاسته. ويرأس ـ وهذا هو الاخطر والاهم ــ اللجنة الوزارية للخصخصة, وقد اجتمعت الشهر الاخير مرتين على الاقل, وهي اخطر لجنة في هذه المرحلة لانها تنقل المجتمع من حالة عامة الى حالة خاصة, وتحتاج لبراعة حتى ينجو من فيها من تهمة الفساد. وبالتشريع الاخير ــ الذي يجعل موافقة رئيس الوزراء ضرورة لانشاء الشركات الصحافية وشركات الاقمار الصناعية والاستشعار عن بعد ــ يكون رئيس الحكومة قد نقل اليه الكثير من صلاحيات ونفوذ المجلس الاعلى للصحافة, ووزارة الاعلام وبمقتضى التشريع نفسه ــ الذي يشترط موافقة مجلس الوزراء على الجمعيات الاهلية ايضا ــ تفقد وزارة الشؤون الاجتماعية بعض سطوتها على هذه الجمعيات لصالح مركزية رئاسة الحكومة. وبعد ساعات من مرور هذا التشريع مر تشريع آخر بحرمان هيئة قناة السويس من استقلالها ونقل تبعيتها لمجلس الوزراء, ورفض رئيس الهيئة الفريق احمد فاضل الحضور الى مجلس الشعب لمناقشة القانون الجديد قبل اقراره, واكتفى بارسال مذكرة من ورقتين مع رئيس الشؤون القانونية حسين محمود النويهي. ولم يؤخذ بتحفظات نواب مجلس الشعب من مختلف الاحزاب بما فيها الحزب الوطني, ومنها ان مشاغل رئيس الوزراء كثيرة ولا تسمح له بمتابعة العمل اليومي في مرفق القناة وحذر نواب محافظات القناة من ان القانون الجديد قد يؤدي الى الاضرار بمستقبل القناة. ان القناة ليست مجرد ممر مائي, وانما هي شريان من الدم لشهداء ماتوا وهم يحفرونها وماتوا وهم يدافعون عن شرف هذا الوطن وواجهوا بصدورهم العارية قطاع طرق جاءوا من اسرائيل مرة ومن اوروبا اكثر من مرة وقد ازعج رئيس الوزراء ان تحدد هيئة القناة مستوى رسوم العبور حسب الظروف التي يعرفها خبراء الهيئة ثم يحيطوه للعلم, وبدلا من التفاهم في امر واحد, قرر ان تكون كل الامور في يده, ان علاج الاخطاء ليس في تكويش الصلاحيات وتجاوز رئيس الوزراء مرة لا يمكن ان تدفعه هيئة قناة السويس مليون مرة. وفي مذكرة رئيس الهيئة ان استقلالها يعطيها مرونة في التصرف العاجل لمواجهة اي حادث ملاحي في عرض القناة او شراء قطع غيار لكراكة منعا لتعطلها او مساعدة عاجلة لسفينة تحتاج اليها, وهذه المرونة فقدت بالقانون الجديد مهما قيل غير ذلك, فليس هناك ما يمنع تعطيل شراء قطعة غيار او كراكة جديدة بسبب انتظار التوقيع على القرار من مجلس الوزراء او الانتظار 15 يوما لتنفيذ قرار رئيس الهيئة لو لم يرد رئيس الوزراء, والدليل على ذلك ان لا سفارة ولا وزارة تستطيع شراء كرسي او ترابيزة او مكنسة الا بموافقة رئيس الوزراء. ووجود رئيس الوزراء في مجلس الشعب ــ وهي حالة اجبارية احيانا ــ تستغرق منه ساعات طويلة وتقتل ايامه وتبعده عن مكتبه, وخاصة قبل وبعد واثناء القاء ومناقشة بيان الحكومة والاستجوابات وهي تحدث مرتين على الاقل شهريا, ومن شدة انشغاله (تسربع) في القاء بيان الحكومة دون اكماله, وتركه على غير التقاليد البرلمانية لاول مرة ليقرأه الاعضاء مما سبب انزعاجهم لكنه لم يبال. ويضاف الى ذلك ان رئيس الوزراء هو الذي يصدر قرارات الترقي للوظائف العليا ابتداء من درجة مدير عام كما انه يدخر قرارات السفر للعلاج في الخارج, وقرارات منح الجنسية. وفي تقديرات البعض ان رئيس الوزراء يوقع على 3500 ورقة في الشهر وانه يفحص الكثير منها قبل التوقيع ولا يوقع دون فحص الا اذا كان على القرار ورقة صفراء من اقرب الوزراء اليه المستشار طلعت حماد الذي يبدو اكثر قوة وتحكما ممن سبقوه في منصب وزير شؤون مجلس الوزراء حتى انه يوصف بأنه الاقوى بين الوزراء الآن, ولا جدال ان تكثيف السلطات في مجلس الوزراء يمنحه هو الكثير من الصلاحيات. وقد ادت هذه السياسة الى عدم اخذ رأي وزير التعليم (وهو الوزير المختص والمسؤول والذي يضع يده في النار مباشرة) عند تعديل قانون الثانوية العامة. كما ادت هذه السياسة الى تغيير مشروع التأمين الصحي الذي قدمه وزير الصحة وادخال تعديلات عليه دون الرجوع الى الوزير. لقد سمعت من الدكتور كمال الجنزوري بعد ايام قليلة من توليه الوزارة في اجتماعه الاول مع رؤساء تحرير الصحف ان الحرب التي كانت بين الوزراء يجب ان تنتهي واغلب الظن ان الحروب الخفية بين الوزراء اختفت, لكن حربا اخرى بين رئاسة مجلس الوزراء وبعض الوزراء قد اشتعلت في محاولة لاثبات ان رئاسة المجلس هي الاقوى والابقى. ومن الطبيعي ان تكون هناك سياسة عامة واضحة لمجلس الوزراء ينفذ كل وزير الجزء المطلوب منه فيها ولكن ليس من الطبيعي ان يتم ذلك بسحب صلاحيات الوزير وباقي المسؤولين في الجهاز الحكومي وتتركز في رئاسة مجلس الوزراء فهذا حمل تنوء عنه الجبال, ويفوق الخيال, وحدوثه بكفاءة ــ مهما كان الاحتمال ـ محال. اننا في هذا الوطن ننتظر السفر والرحيل الى المستقبل, ولكن المشكلة انه ليس هناك رصيف ولا قطار, انما هناك قتال وشجار والنتيجة غبار وانتحار. اننا نعرف ان هناك موظفين في امانات مجلس الوزراء المختلفة يفحصون كل شيء قبل عرضه على رئيس الوزراء, ولكننا نعرف ايضا ان تفويض السلطة وتوزيع الاختصاصات, والاكتفاء برسم السياسات العامة, من مواصفات رئيس الحكومة البارع, ومن ثم فاننا حرصا على مصلحة الحكومة, وحرصا على نجاح مهمة الدكتور كمال الجنزوري الاساسية, السياسية والاقتصادية والاجتماعية, نقول هذا الكلام. ويا دكتور جنزوري كان الله في عونك... وعوننا نائب رئيس تحرير روز اليوسف *

طباعة Email
تعليقات

تعليقات