الجزائر القلق عليها .. ومنها:بقلم: رياض ابو ملحم - البيان

الجزائر القلق عليها .. ومنها:بقلم: رياض ابو ملحم

لم يكن الاقتراب من المشكلة الجزائرية, في اي وقت من الاوقات, على هذا القدر من الحساسية والصعوبة والتعقيد كما هو الحال الآن. فما يحدث داخل الجزائر من مجازر جماعية ومن أعمال شديدة الوحشية تستهدف المدنيين الابرياء يستدعي الاهتمام فقط بل القلق والجزع والمشاركة الجدية في البحث عن الوسائل التي تضع حدا لحمام الدم هذا. غير أن هذه المشاعر الانسانية تصطدم دائما بعقبتين رئيسيتين: الاولى ان اي اهتمام بالوضع الجزائري يفسر على أنه تدخل في الشؤون الجزائرية الخاصة, والثانية تعذر الحصول على معلومات دقيقة ومقنعة عن حقيقة ما يحدث هناك: كيف, ولماذا, ولأي هدف ترتكب هذه المجازر البشعة, ومن هو المستفيد منها في نهاية المطاف؟ ثم.. ما هي الوسائل الفعالة لوقفها؟ فالحكم الجزائري يعتبر انه استكمل بناء مؤسساته الدستورية, وهو بذلك اسقط نهائيا حجة التشكيك بشرعيته بعد الغاء نتائج انتخابات 1991 التشريعية التي حقق الفوز للجبهة الاسلامية للانقاذ. وحتى قبل بلوغ هذه المرحلة في نهاية عام ,1997 اي مرحلة تكريس الشكل الدستوري الكامل للدولة, كان الحكم يتعرف باعتباره صاحب الشرعية والمحافظ على المصلحة العامة, مستندا في ذلك الى قوة المؤسسة العسكرية ودورها وموقفها وتوجهاتها. لكنه الآن يستند الى قاعدة سياسية عريضة قوامها مجموعة من الاحزاب والقوى السياسية الرئيسية في البلاد. ولهذا, فهو اذا كان قد رفض جميع أشكال الحوار مع التنظيمات الاسلامية في السابق دون ان يشعر بأي حرج من جراء ذلك, لا يجد هناك اي مبرر ـ من وجهة نظره ــ كي يفعل هذا الآن وقد اصبح متسلما بشرعية دستورية تكفي لتغطيته في كل ما يقدم عليه من اجراءات. بيد أن هذا المسار الديمقراطي, اللاحق على انفجار الازمة ومضاعفاتها, وان كان يبرر للسلطة اعتماد شكل واحد من أشكال التعامل مع المشكلة الداخلية, اي استخدام القوة, باعتبار ان ما تواجهه الدولة والمجتمع هو الارهاب, لكنه لا يفسر دوافع التصعيد الراهن وحجمه واستهدافه المدنيين العزل دون تفريق بين أطفال وشيوخ ونساء وشبان, فضلا عن الاسلوب الوحشي المستخدم في ارتكاب المجازر, مما يخرج عن حدود أية أهداف سياسية محتملة مهما بلغت درجة تطرفها. فالتسليم بان ما يحدث هو إرهاب من الدرجة الاولى, وبأن مرتكبي المجازر الجماعية هم ارهابيون ومتجردون من اي شعور انساني, ديني او اخلاقي لا يعفي السلطة من مسؤوليتها في حماية أرواح المدنيين والمحافظة عل امنهم واستقرارهم ومصالحهم. وهنا تكمن نقطة الضعف الاساسية في الموقف الرسمي, بعيدا عن الاتهامات الموجهة الى السلطة بأنها ضالعة في المجازر العشوائية المتلاحقة التي تطال آلاف المدنيين. مع ذلك فإن أبرز اختبار تواجهه الحكومة الجزائرية حاليا لا ينحصر في مدى قدرتها على السيطرة على الوضع الامني في البلاد وحماية ارواح المدنيين, راسخة, بل يشمل ايضا مقدار كفاءتها في التعامل مع الخارج: الرأي العام العالمي, الأمم المتحدة, الدول المهتمة, دون ان يصبح كل تعاطف مع الشعب الجزائري وكل رغبة دولية في الوقوف الى جانبه, في محنتة الراهنة, نوعا من التدخل الاجنبي غير المشروع في الشؤون الجزائرية الخاصة. فالجزائر, التي انتزعت استقلالها قبل ما يزيد على خمس وثلاثين سنة بقوة الثورة وقدمت في سبيل ذلك تضحيات كبيرة لا تزال مضرب الامثال, وتجاوزت مرحلة الخوف على الاستقلال, ومن الطبيعي ان تكون الحساسية المرتبطة بهذا الهاجس قد أصبحت أقل حدة. لكن الجزائر تواجه اليوم ما هو أسوأ من ذلك, انها تواجه مخاطر حرب أهلية داخلية في ضوء تصاعد وتيرة العنف, وانتشار الفوضى, وغياب الحقائق. وهذا بالضبط ما يقلق الدول العربية بخاصة, والمجتمع الدولي بعامة, لأن لا أحد يريد للجزائر مثل هذا المصير المؤسف, ولا أحد يستفيد من اندلاع حرب أهلية بين ابناء الشعب الجزائري ستمتد مضاعفاتها وآثارها المدمرة الى مختلف الدول المجاورة, بل وربما الى أبعد من ذلك. من المفهوم ان يكون الكلام على ارسال بعثات تحقيق دولية الى الجزائر هو ما يثير غضب الحكومة الجزائرية لانه ينطوي على نوع من التشكيك بالروايات الرسمية حول ملابسات المجازر الجماعية ودوافعها, ولكن عندما يتعلق الأمر بعروض دولية لتقديم اي نوع من المساعدات قد تحتاجها السلطات الجزائرية لمواجهة الظروف الاستثنائية الراهنة, لا يصح ان يكون رد الفعل تجاهها موازيا للحالة الاولى. ففي مثل هذا الوضع الصعب يغدو كل جهد دولي مؤازر, من اين نوع كان, مطلوبا, بل وضروريا من أجل وضع حخد للمأساة القائمة. اكثر الاطراف المؤهلة للقيام بدور ما ازاء المشكلة الجزائرية هو الاتحاد الاوروبي نظرا للعلاقات الجيدة التي تربط الجزائر بالعديد من دوله, باستثناء فرنسا حيث تتسم العلاقات الجزائرية ــ الفرنسية دائما بالحذر والريبة لاسباب تاريخية معروفة. وقد حرص الاتحاد وهو يعلن قراره بايفاد بعثة استطلاعية الى الجزائر, على التأكيد ان خطوته لا تستهدف التدخل في الشؤون الداخلية للجزائر, وانما البحث مع حكوماتها في ملابسات الاحداث الاخيرة وفي شكل المساعدة التي يمكن للدول الاوروبية ان تقدمها. ومع ان الحكومة الجزائرية عارضت كل المحاولات السابقة في هذا الاتجاه الا انها تبدو الآن اكثر مرونة في التعامل مع المبادرة الاوروبية, وهو موقف يدل على وعي متزايد بخطورة الوضع القائم من جهة, وبصعوبة الاستمرار في الانغلاق على الذات وإقفال الابواب في وجه المساعي الخارجية. ويرى بعض المحللين ان موافقة الحكومة الجزائرية على التعامل مع المبادرة الاوروبية, ضمن تصورها لطبيعة هذا المسعى وحدوده, يقلل من احتمالات تدخل دولي رسمي عبر الامم المتحدة, ويحول بالتالي دون تدويل الازمة. ذلك ان المسعى الاوروبي يمكن تصنيفه باعتباره ثمرة لعلاقات ثنائية بين الطرفين, او استجابة لمضمون الشراكة المتوسطية التي تجمعهما, في حين قد يرتدي تدخل الامم المتحدة طابعا آخر مختلفا. اما الولايات المتحدة فان موقفها يتسم بالغموض, ويخشى ان يؤدي تنافسها مع الاتحاد الاوروبي الى مضاعفات جانبية قد لا تظهر نتائجها في المدى القريب, وان تكن ثمة محاولات اوروبية ــ امريكية للتنسيق بين الطرفين تجنبا لحدوث مزيد من المضاعفات السلبية على المستوى الجزائري. ومن جانب آخر فان الاتحاد الاوروبي, الذي يقلقه ما يحدث في الجزائر وقد عبر عن ذلك في أوضح صورة ممكنة, لا يفعل ما يفعله لاسباب انسانية بحته وانما لخشيته من ان يؤدي تدهور الوضع في الجزائر الى تحول الدول الاوروبية كلها الى ساحة خلفية للنزاع حيث يعيش مئات الآلاف من المواطنين الجزائريين, وحيث ستتدفق أعداد مماثلة اليها تحت تأثير الضغوط الداخلية. وعند ذلك يصبح من المتعذر عليها مواجهة (الارهاب) الذي تكرس كل جهودها لمحاربة واستئصاله, سواء كان هذا الارهاب موجها ضدها او نتيجة لتصفية حسابات بين القوى الجزائرية المتصارعة, ولكن فوق أرضها. وفي جميع الاحوال فان ما أثبتته المجازر الاخيرة هو ان الوسائل الامنية وحدها لا تحل المشكلة, بل ربما تشكل منزلقا نحو مواجهات اكثر اتساعا ودموية. ولهذا يبدو من الخطأ استبعاد الوسائل السياسية او اعتبارها دليلا على ضعف الدولة واجهزتها. ولقد اثبتت تجارب مماثلة سابقة في دول اخرى ان الحلول السياسية التي تستند الى قاعدة شعبية عريضة هي التي تحقق الأمن والاستقرار الدائمين, اما الوسائل الامنية وحدها فان نتائجها محدودة وآنية وغير مضمونة, فضلا عن انها قد تؤدي الى عكس المرجو منها. كاتب لبناني مقيم في باريس *

طباعة Email
تعليقات

تعليقات