القطاع الخاص ومشاريع البنية الاساسية:بقلم: حسن العالي - البيان

القطاع الخاص ومشاريع البنية الاساسية:بقلم: حسن العالي

تسعى دول مجلس التعاون الخليجي في الوقت الحاضر الى توسيع مشاركة القطاع الخاص في برامج التنمية. وقد اخذت هذه الجهود عدة اشكال, لاشك ان اهمها هو السعي لتولي القطاع الخاص دوراً اساسيا في تطوير وإدارة مشاريع ومرافق البنية الأساسية التي تعتبر الأكثر تطوراً في البلدان العربية نتيجة للانفاق الهائل الذي شهدته طوال السنوات الثلاثين الماضية. وفي هذا الاطار اعلنت البحرين ومعها عدد آخر من دول المجلس عن عزمها لتخصيص تقدم اليها والذي قد يصل الى نحو 80% فكيف يمكن تحقيق ذلك؟ وما هي التجارب التي يمكن الاستفادة منها في هذه المجال؟ في البداية لابد من الاعتراف ان هذا الموضوع ينطوي على كثير من الحساسية التي يجب ان يتم التعامل بحذر معها. بالإضافة الى ضرورة التعامل مع الجديد من القضايا ذات الصلة بالموضوع خصوصاً الدعوة لرفع فاتورة الكهرباء والماء قبل الاقدام على تخصيصه. كذلك فإن قضية غياب اسواق مالية منظمة وقادرة على التعامل مع متطلبات التمويل لعمليات التخصيص سوف تظل عائقا اساسيا امام نجاح اعمال التخصيص في دول المنطقة. كما ان التخصيص بحاجة الى قرار سياسي على مستوى الحكومات كما ان البينة القانونية للتخصيص والغاء الحواجز القانونية واطلاق حرية تملك العقارات للمستثمرين الاجانب مازالت بعيدة عن بساط البحث. لذلك فإن هذا التوجه لن يتم بين يوم وليلة, بل لابد ان تسبقه دراسات معمقة تبحث في جدواه بالنسبة للدولة ولمجموع المستهكلين. فالجدوى الاقتصادية من وراء الاتجاه الى التخصيص امر مهم وضروري فضلا عن ان ربط هذين المرفقين برأس المال الخاص والإدارة الرأسمالية التجاربة لا يعني ان يكون ذلك الربط بالضرورة لمصلحة قطاع المستهلكين. ونظرة على واقع وآفاق هذه المرافق في دول مجلس التعاون الخليجي, فان توقعات مجلس الطاقة الكهربائية في العالم العربي تفيد بأنها ستنمو بنسبة 7% في الفترة بين عامي 1995 و2000 وان نسبة النمو ستصل الى 5% خلال العقد الأول من القرن الجديد. وتقدر الاستثمارات في الطاقة الكهربائية في العالم العربي بحوالي 160 الف مليون دولار امريكي, اي بنحو 5ر10 بلايين دولار سنويا. وفيما يخص مشروع الربط الكهربائي بين دول المجلس فتشير الدراسات الى ان دول المجلس لديها كافة المقومات اللازمة للربط إذ تتشابه وحدات الإنتاج بها من حيث الحجم والنوع. وقد اسفرت دراسات الجدوى عن طريقة مثلى للربط تشمل دول الخليج الست بتكلفة حوالي 9ر1 مليار دولار باسعار 1991. وعلى الرغم من التكلفة العالية لربط دول الخليج إلا انه من المقدر ان يصل الوفر الرأسمالي الناجم عن الوفر في الاحتياطي وحده الى اكثر من 3ر3 مليارات دولار, فضلا عن المنافع الأخرى التي سوف تنجم نتيجة لتبادل الطاقة بين البلدان المرتبطة. كذلك قدرت الدراسات بأن ربط شبكات الدول العربية ببعضها البعض سوف يحقق وفرا على مدى العشرين عاماً القادمة يبلغ نحو ستة مليارات دولار نتيجة لتخفيض احتياطي التوليد والاحتياطي الدوار وتخفيض التكلفة التشغيلية وبصفة خاصة تكلفة الوقود. وكذلك يمثل الربط الكهربائي الخطوة الأولى لتعاون عربي اشمل في مجال الكهرباء لابد ان يتلوه تعاون وثيق في امور التصنيع المحلي للتجهيزات الكهربائية وتبادل الخبرات والمعلومات والعمل على توحيد المواصفات وتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في قطاع الكهرباء. كما سيؤدي الربط الكهربائي الى فتح المجال امام القطاع الخاص في الدول العربية للمشاركة في مشاريع مشتركة لتوليد الطاقة واداراتها وبيع الطاقة للشبكات العربية المرتبطة. وسوف يسمح هذا النوع من المشاريع العربية المشتركة بالربط الاقتصادية فضلا عن الربط العضوي للبلدان المعنية. وبمقارنة هذه الوقائع مع وقائع متصلة بتجربة البلدان الآسيوية على سبيل المثال, نلاحظ ان حاجة شرق آسيا الى البنية الاساسية هائلة, اذ تبلغ 2ر1 - 5ر1 تريليون دولار على مدى العقد القادم وهذه الحاجة مدفوعة بمعدلات النمو الاقتصادي المستهدفة والتي تبلغ 6 - 8 في المائة والاختناقات التي تعود الى نقص التمويل المتاح في الماضي, والنمو الحضري الذي سيؤدي الى ان يعيش مليار اضافي من الناس في المدن في عام ,2010 وعولمة التجارة التي تتطلب بنية اساسية ملائمة وفعالة, تشمل الكهرباء والطرق وانظمة الاتصالات السلكية واللاسلكية. وتدرك مؤسسات الأعمال الأهمية المتزايدة للقرارات التي تؤثر على فعالية التكلفة, وعلى اختيار خدمات البنية الاساسية فيما يتعلق بالقدرة على المنافسة الدولية. ولهذا تطالب هذه المؤسسات بمستوى افضل من الجودة والخدمة. ومن المتوقع ان تكون هناك حاجة الى طاقة توليد اضافية تصل الى 340 الف ميجاوات خلال العقد القادم. وسيحتاج الأمر الى استثمارات كلية تصل الى حوالي 550 مليار دولار لتوفير النهوض اللازم بتوليد الطاقة ونقلها وتوزيعها. وقد تلاقي عدد من العوامل خلال الثمانينات واوائل التسعينيات ادى الى تغير جوهري في نظرة الحكومات الآسيوية لدورها في قطاع البنية الاساسية يتمثل في: - ان الاحتياجات الاستثمارية تتجاوز قدرة المرافق العامة والحكومات. - ان اداء قطاع البنية الاساسية, لم يف بوجه عام, بالمعايير الدولية, ففي قطاع الكهرباء, مثلا, تدهور الاداء الكلي من النواحي الفنية والمؤسسية والمالية للمرافق العامة التي تملكها الدولة, رغم التوسع الهائل خلال العقد الماضي. - ان الموارد الإدارية والتقنية المتاحة غير كافية. - ان الابتكارات في التكنولوجيا (مثلا محطات الكهرباء الصغيرة وان كانت اقتصادية ذات الدورة الثنائية والتي تستخدم الغاز كوقود) تسمح بالتجزئة (الرأسية والافقية) لقطاع الكهرباء. - ادت تداعيات النجاح الناتجة عن الخصخصة والتجزئة وامكان استخدام اللوئح في جمالية المصلحة العامة الى تأكيد سلامة الاساليب الجديدة لتحديث البنية الاساسية. - ادت محدودية تغطية البنية الأساسية ونوعيتها في بعض بلدان آسيا الى عرقلة الجهود الرامية الى اكتساب القدرة على المنافسة الدولية. ونتيجة لتزايد مشاركة القطاع الخاص في الاستثمار في مشروعات الكهرباء في آسيا والصعوبات التي واجهتها بعض المشروعات, حدث تحول ملحوظ في تأثير شركات القطاع الخاص على الحكومات في الجيل الثاني من مشاركات القطاع الخاص في مشروعات الكهرباء وغيرها من مشروعات البنية الاساسية. والحقيقة ان التجارب الايجابية لشركات القطاع الخاص الرائدة مثل شركة هوبويل في نافوتاس, بالفلبين, اشعلت التوقعات لعوائد مرتفعة, غير ان البيئة المتغيرة سوف تتطلب من الموجة الثانية من الشركات وضع استراتيجية جديدة. ومن الخطوات التي سعت هذه الشركات الى تنفيذها من اجل جعل مثل هذه المشروعات اكثر جاذبية للمقرضين, مايلي: - خفض تكاليف المشروعات عن طريق تطبيق إدارة افضل: فقد اكتشفت الشركات في صناعات متباينة, ان انتهاج التقنيات في العالم في مجال إدارة رأس المال واختيار التكنولوجيا يمكن ان يخفض تكاليفها الرأسمالية بنسبة 15 - 45 في المائة. - استخدام الوقود المحلي بدلا من الفحم المستودر, او استخدام الغاز الفائض من المصانع المجاورة. - خفض درجة التعقيد من اجل انقاص التكاليف: فبدلا من نقل المخاطرة الى اطراف اخرى, ينبغي خفض المخاطرة الكلية لمشروعات عن طريق التكامل الخلفي - بالانتقال الى امتلاك امدادات الوقود - و/أو التكامل الأمامي - بالانتقال الى توزيع الكهرباء الى المستهلكين الصناعيين, وتكوين تحالفات مع مشروعات أخرى لتطوير محفظة أوراق مالية تشمل مشروعات اكثر. - التركيز على مشروعات اصغر حجما: اذ ان التكنولوجيا الحالية المستخدمة في توليد الكهرباء يمكن ان تكون اقتصادية عند مستوى حوالى 50 ميجاوات, وعندما تكون المشروعات صغيرة, يسهل تأمين التمويل اللازم لها: والتنفيذ الاسرع لها, كما يمكن التعامل بسهولة اكثر من الاضطرابات الاجتماعية والبينية. وبدلا من بناء مشروع ضخم واحد, قد تفضل شركات القطاع الخاص التفكير في تكوين محفظة لمشروعات اصغر في بلد واحد أو في مختلف انحاء المنطقة. - تقليل المخاطرة بدلا من توزيعها على الأطراف المختلفة: اذ ينبغي ان تعمل شركات القطاع الخاص مع الحكومات على خفض المخاطرة الكلية للمشروع خلال تشييده وخلال عمره التشغيلي على حد سواء. ومن التدابير التي يمكن ان يوافق عليها كل من الطرفين لهذا الغرض, التحديد الدقيق لتصفيات الايقاف دفعة, واحدة, وتجميع حزم عطائات افضل, واقتسام تكاليف اعداد المناقصات, واستخدام الضمانات وحسابات المجمد. ان دول مجلس التعاون الخليجي بامكانها الاستفادة من خبرات وتجارب البلدان الآسيوية في مجال تخصيص مرافق البنية الاساسية, ومن خلال التمعن في بعض ملامح هذه التجارب التي اوردناها اعلاه, فإنه يتضح ان دول المجلس بإمكان التيسير لمشاركة القطاع الخاص بدور اكبر في مشاريع البنية الاساسية من خلال الاهتمام بالجوانب التالية: - شفافية العملية, حيث تتوقف فرص الاستثمار من جانب القطاع الخاص على وجود سياسات وبرامج حكومية, تشجع القطاع الخاص على الدخول الى المجال, ووجود نظام شفاف لتقييم العطاءات وارساء العقود. - تنافسية العطاءات, حيث تتحقق الشفافية والخضوع للمساءلة العامة على افضل وجه عن طريق استخدام عمليات العطاءات التنافسية من اجل اختيار من يعهد اليهم بتنفيذ مشاريع البنية الأساسية. - التوزيع المناسب للمخاطر, ويلاحظ ان اقتسام المخاطر بين الحكومة والمرفق والمقرضين ومطوري الخدمات هي جوهر معظم التحفظات, أو المنافسات المتعلقة بمشاريع القطاع الخاص بنظام البناء والتشغيل ونقل الملكية أو نظام البناء والتملك والتشغيل. - ان تكون عائدات المقاول الذي يطور الخدمة متناسبة مع المخاطر, وقد يكون من الصعب ولكن من الضروري وضع تقدير كمي للمخاطر الملازمة لمشاريع البنية الاساسية الكبيرة - وبالتالي العائدات المقبولة على رأس المال. - استقرار السياسات حيث يحتاج المستثمرون من القطاع الخاص في البنية الاساسية, سواء كانوا من الداخل أو الخارج, الى نظام للسياسات مستقر وقابل للتنبؤ به يشمل عناصر مثل الضرائب والإطار الاستثماري. n ضمانات حكومية وتشجيع ائتماني. ان كثيراً ما تكون الضمانات الثنائية ومتعددة الأطراف والتشجيع الائتمائي حاسمة في نجاح تمويل مشاريع البنية الأساسية وخاصة في سنواتها الأولى, وانتقالها من سيطرة الدولة وتحولها الى نظام اقتصادى اكثر توجها نحو السوق. باحث بحريني *

طباعة Email
تعليقات

تعليقات