حول الحوار مع (الشعب الأمريكي العظيم)، بقلم: عادل محمد حسن/لندن

منذ انعقاد مؤتمر القمة الإسلامية في طهران, حدثت تطورات هامة على صعيد العلاقات الإيرانية - الامريكية بحيث احتل موضوع العلاقات بين إيران والولايات المتحدة مكاناً بارزاً في الصحف الإيرانية أو في وسائل الإعلام الامريكية والعالمية وبضمنها العربية بالطبع. فقد وجه الرئيس الإيراني خاتمي ثلاث دعوات للحوار مع الشعب الأمريكي خلال الشهر الأخير. المرة الأولى كانت في كلمته التي انطوت على المفاجآت من على منبر القمة الإسلامية السي ان ان الى (انه يتوجه الى الشعب الأمريكي العظيم آملاً في الحوار العميق بما يؤدي الى تقريب وجهات النظر ويعزز فرص السلام والأمن والاستقرار في المنطقة... وإننا (الإيرانيين) نشعر بحاجة الى علاقات مع الولايات المتحدة خاصة وان العالم المعاصر متنوع وذو تعددية ولا نستطيع تحقيق أهدافنا بدون إزالة جذور الخصومة بيننا... وان الحكومة الأمريكية منتخبة من قبل الشعب ونحن نحترم خياره) . وأنتقد خاتمي بشكل غير مباشر عملية احتجاز الرهائن من الدبلوماسيين الأمريكان في عام ,1919 وعارض حرق العلم الأمريكي في شوارع إيران من قبل المتظاهرين الإيرانيين. ومن أجل دغدغة مشاعر المتشددين لم ينس الرئيس الإيراني من توجيه نقده للسياسات الأمريكية خلال العقود الماضية. ان هذا الخطاب التسامحي المثير يمثل تغييراً كبيراً في التعامل مع (الشيطان الأكبر) , وينم عن نظرة جديدة وتوجه جديد في السياسة الإيرانية. ترى ماذا يجري خلف الكواليس, وما هي الدوافع الكامنة وراء إثارة هذه القضية الآن وبعد فترة طويلة من الخصومة بين الحكومتين؟ وما هي العوامل الداخلية والإقليمية التي دفعت بموضوع العلاقات الإيرانية - الأمريكية الى مركز الصدارة في أحداث المنطقة؟ وهل ان الأمر ينطوى على توزيع أدوار بين المرشد ورئيس الجمهورية, أم أنه خلاف منهجي في التعاطي مع الأوضاع الإقليمية والدولية؟ في البداية لابد من الإشارة الى ان هذه التطورات هي حصيلة منطقية لما أفرزته انتخابات الرئاسة الإيرانية الأخيرة من تطورات على المساحة الإيرانية. ان فوز السيد محمد خاتمي بنسبة كبيرة في الانتخابات ودحره لخصمه المتشدد يعني بداية صعبة لتطبيق أحد بنود برنامج خاتمي الانتخابي القائم على السعي لفك العزلة الإقليمية والدولية عن إيران والتخلي عن الرومانسية السياسية, وذلك من أجل معالجة المشاكل الاقتصادية والإجتماعية التي تلف بخناقها على المجتمع الإيراني. ان إيران, على سبيل المثال, تحتاج الى توظيفات رأسمالية تقدر بـ 90 بليون دولار من أجل الحد من التدهور في الإنتاج النفطي الإيراني. ولا يمكن لإيران ان تحصل على هذه التوظيفا دون تطبيع لعلاقتها مع الخارج والولايات المتحدة بشكل خاص. ان خاتمي يدرك بصواب ان لاحل لهذه المشاكل دون معالجة علاقات إيران الخارجية. كما ان محاولته لخلق حالة من الإنفراج الداخلي ومن ضمنها حرية النشاط السياسي للمعارضة, ضمن وعوده الانتخابية, هي محاولة تنتابها خطورة أكثر على موقعه من محاولة العمل على حل مشكلة علاقات إيران الخارجية. فالتيار المتشدد مازال يهيمن على مفاتيح القرار, حيث يتربع السيد علي خامنئي على منصب ولاية الفقية (الدستور الإيراني يخول المرشد بإزاحة رئيس الجمهورية كما حدث عند إزاحة أول رئيس للجمهورية أبو الحسن بني صدر), ويشغل المتشددون منصب لجنة حماية الدستور ذات الصلاحيات الواسعة ويتربعون على الأجهزة الأمنية, إضافة الى تمتعهم بالأغلبية في مجلس الشورى الإيراني. كل هذه المواقع تقف حائلاً أمام رئيس الجمهورية الجديد في إحداث قدر من التغيير في الحياة السياسية الداخلية. وعلى الرغم من التغييرات التي أحدثها خاتمي في تركيبة الحكومة, إلا انه لم يستطع ان يحد من هجوم المتشددين على منتظري أو اعتقال زعيم حزب النهضة ووزير الخارجية السابق إبراهيم يزدي. ولم يستطع الرئيس خاتمي الحد من تطاولات انصار المتشددين وفرقهم الغوغائية على حرية المواطنين والأمن والاستقرار في المجتمع وخرقهم للقوانين. ولذا بدأ الرئيس خاتمي بلعب ورقة العلاقات الخارجية لكي تساعده أيضا في إحداث قدر معين من التغييرات في الداخل وتطبيق برنامجه الانتخابي. ونشهد الآن تسارعاً في هذا النهج رغم التهديدات والتحذيرات التي يطلقها المتشددون ضد أية محاولة لتغيير السياسة التقليدية التي اتبعتها إيران منذ الإطاحة بالشاه. ولكي يمد خاتمي الجسور مع الغرب وخاصة الولايات المتحدة ترتب عليه ان يمهد لتطبيع العلاقات مع الدول الخليجية وكان مؤتمر القمة الإسلامية تتويجاً لجهود إيران في تطبيع العلاقة مع جميع الدول الخليجية. فقد استقبل ولي العهد السعودي استقبالاً حافلاً لم يستقبل به اي من زعماء الدول الإسلامية بما فيها تلك الدول القريبة من إيران, كسورية على سبيل المثال. فخلافاً للبروتوكول إستقبل خاتمي بشخصه ولي العهد السعودي الأمير عبدالله بن عبد العزيز وهو الذي لا يحتل منصب رئاسة الدولة. وحل الضيف السعودي في قصر سعد آباد. مقر العائلة الملكية السابقة في سابقة فريدة في استضافة ضيوف إيران. وحسب مصادر جريدة الأيزرفر البريطانية, فإن لقاء ولي العهد السعودي بالرئيس الإيراني قد تركز على دور السعودية كوسيط في الحوار والمصالحة مع الولايات المتحدة, وأخذت السعودية على عاتقها مهمة تحطيم جليد العلاقات الإيرانية الامريكية, بعد ان كانت السعودية نفسها تخشى إيران وسياستها. وقد أشار الأمير السعودي في هذا اللقاء بأن (الوقت قد حان لتسوية الخلافات مع الولايات المتحدة, ويجب ان تقنعوا الولايات المتحدة ان إيران لم تعد تشكل خطراً على الخليج) . ويشير كينيث تيمر من - مدير منبر الدفاع عن الديمقراطية في إيران - واشنطن) , ليس لدي شك بأن العربية السعودية لعبت وتلعب دوراً أساسياً في السعي لفتح صفحة جديدة في العلاقة بين إيران والولايات المتحدة) . ويذهب بعض المعلقون الى أكثر من ذلك إذ رشحوا العاصمة السعودية لتستضيف اللقاء الإيراني الأمريكي المنتظر. لابد وان يثير هذا التوجه ردود فعل من قبل الأوساط المتشددة داخل إيران. فالقضية لايمكن تبسيطها بمقولة توزيع الأدوار كما يفسره بعض المتابعين للشأن الإيراني. فمسألة عودة العلاقة مع الولايات المتحدة تثير حفيظة المتشددين لإعتبارات داخلية وأيديولوجية, وحتى المصالح المادية للمؤسسة السياسية الدينية. ولذا أعلن مرشد الثورة السيد على حامنئي عن رفضه لأي تطبيع في العلاقات مع إيران. وعبر في خطاب بثه التلفزيون الإيراني في الأونة الأخيرة عن شجبه للشائعات التي تدور حول نية الحكومة الإيرانية في المصالحة مع الولايات المتحدة. أما جريدة (جمهوري إسلامي) الموالية للمتشددين فقد كتبت مقالة رداً على تصريحات وزير الخارجية كمال خرازي, الذي طالب بإنهاء حالة المواجهة مع الولايات المتحدة, تقول فيها: (لم نكلفك بمنصب وزير الخارجية من أجل البحث عن طريق لمد جسور الصداقة مع الأعداء) . وشدد المحافظون على ان قضية إعادة العلاقة مع الولايات المتحدة هو أمر متروك لمصادقة المرشد العام فقط وذلك رداً على مطالبة الصحف الموالية للرئيس خاتمي بطرح هذا الموضوع على الإستفتاء الشعبي العام. ان التحفظ الذي يبديه البعض أزاء إعادة العلاقة مع الولايات المتحدة يعود الى سنوات من سيادة النزعة المعادية للولايات المتحدة بسبب نهج الولايات المتحدة نفسها الذي غذى هذا المزاج. وقد ترسخ ذلك أيضا بفعل الخبطات السياسية التي ارتكبتها الولايات المتحدة ضد إيران. فالزعيم الراحل أية الله الخميني كان يركز هجومه على الولايات المتحدة, وطالب مراراً بعدم عودة العلاقة بين (الذئب والنعجة) الى سابق عهدها. ويذكر المتشددون دائماً بتاريخ علاقة الولايات المتحدة مع إيران. فالولايات المتحدة هي التي دبرت الإنقلاب العسكري ضد حكومة مصدق الوطنية عام 1953 مما أدى الى هيمنة الكونسرسيوم النفطي الأمريكي على منابع النفط الإيرانية بعد ان تم تأميم شركة النفط البريطانية من قبل رئيس الوزراء آنذاك الدكتور محمد مصدق (والطريف هنا ان المؤسسة الدينية بزعامة أية الله الكاشاني آنذاك قد لأذت بالصمت أزاء الإنقلاب بل وتعاطفت مع الشاة نكاية بمصدق الذي تدهورت علاقاته مع المؤسسة الدينية وخوفاً من تعاظم نفوذ حزب توده, ونزل اسلاف المتشددين الحاليين الى شوارع طهران لدعم الإنقلاب الأمريكي ومطاردة انصار حكومة الدكتور مصدق). والولايات المتحدة هي التي زودت الشاه بمقومات استمرار استبداده وطغيانه وتلاعبه بمقدرات البلاد, وهي التي حولت إيران الى قاعدة عسكرية ومخابراتية في الحرب الباردة ولخدمة نوايا اسرائيل ضد الدول العربية. والولايات المتحدة هي التي وقفت ضد الثورة الشعبية الإيرانية عام 1979 وجمدت الأرصدة الإيرانية في البنوك الأمريكية والبالغة حوالي 11 مليار دولار, هذه الأرصدة التي مازالت مجمدة حتى الآن. ويعتقد الشارع الإيراني ان الولايات المتحدة هي التي شجعت الرئيس العراقي صدام حسين على غزو إيران في سبتمبر عام ,1980 ومدته بوسائل المواجهة معها خلال الحرب العراقية الإيرانية التي الحقت دماراً هائلاً في البنية الاقتصادية والتحتية الإيرانية إضافة الى الضحايا البشرية الهائلة. ان سلوك الولايات المتحدة هذا أزاء إيران يشكل أرضية للمتشددين في معارضتهم لأية عودة الى العلاقات مع أمريكا. ومن ناحية أخرى هناك تيار قوي أيضا في الشارع الإيراني يتمثل في الفئات المتوسطة والقوى الليبرالية التي تدعو الى علاقات مع العالم تتسم بالتوازن دون العودة الى الصفحة المشينة للعلاقات التي ربطت إيران بالولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى الإطاحة بالشاه ودون تجاهل أفعال الولايات المتحدة ضد الشعب الإيراني. وقد حاولت حكومة بازركان بعد الثورة والرئيس السابق أبو الحسن بني صدر العمل بهذا النهج, إلا ان الشعور الطاغي ضد الولايات المتحدة والصراعات الداخلية قد حالت دون هذا التوجه وأطاحت الأحداث بكلا الشخصيتين. ويأمل رجال الأعمال الآن ان يفتح التطبيع الباب أمام تحرير الأرصدة الإيرانية وتحسن في الوضع الاقتصادي خاصة بالإرتباط مع التطورات على الساحة النفطية في دول آسيا الوسطى واحتمالات بناء أنابيب النفط والغاز عبر إيران. ويرى الكثير من الموطنين الإيرانيين ان عودة العلاقات بحد ذاتها لاتؤدي الى قدر من الإنفرج في الوضع الاقتصادي فحسب, بل وقد يمتد الى تحسن في الأجواء السياسية والاجتماعية في داخل إيران مما يحد من تسلط المتشددين على الحياة العامة وبعد فترة من التضييق على الحريات العامة والشخصية. ان ردود فعل الإدارة الامريكية على تصريحات الرئيس خاتمي اقتصرت على الترحيب وبقدر من التحفظ. وطالبت الولايات المتحدة بخطوات إيرانية باتجاه التخلي عن الإرهاب ووقف بناء أسلحة الدمار الشامل وعدم الوقوف بوجه التسوية السلمية الجارية في الشرق الأوسط, قبل ان يجري الحوار بين الدولتين وان لا يقتصر الحوار على جهات رسمية بل ان يشمل الحوار بين الحكومتين. ان موقف الإدارة الامريكية هذا يفتح هو الآخر الباب أمام الحوار بين الطرفين. فمنذ مدة يطالب بعض المسؤولين في الإدارة الأمريكية ومسؤولون سابقون أو رجال اعمال امريكان, وخاصة في مجال النفط, الى إعادة النظر في سياسة الإحتواء المزدوج أزاء إيران بسبب فشلها في تغيير الأوضاع القائمة في إيران. ويرى هؤلاء ان هذه السياسة لم تمنع الشركات الأوروبية من مد جسور العمل المشترك مع إيران وبذلك حرمت الشركات الأمريكية من فرص الحصول على الأرباح. فهذه السياسة لم تمنع إيران من عقد بناء أنبوب الغاز مع تركمنستان وتركيا أخيراً رغم الضغوط الأمريكية. ويعتبر الكثير من رجال الأعمال ان أفق بناء شبكة أنابيب تصدير الغاز والنفظ من بلدان آسيا الوسطى عبر افغانستان تنطوى على مخاطر جدية بسبب عدم إستتباب الأمن في هذا البلد. ولذا ليس هناك أمام الشركات الأمريكية التي وظفت رساميل كبيرة في آسيا الوسطى من خيار سوى إيران, فالتكاليف عبر إيران أقل, وهذا الطريق أفضل لأسباب أمنية. ويعتبر بعض السياسيين في الإدارة الأمريكية وخارجها ضرورة دعم التيار المعتدل في المؤسسة الحاكمة الإيرانية وعدم اتخاذ أية خطوات من شأنها تعزيز نفوذ التيار المتشدد. وإضافة الى ذلك فإن جو الحرب الباردة الذي كان يتحكم في عقلية مخططي السياسة الامريكية أزاء إيران وخشية هؤلاء ان يمتد النفوذ السوفييتي الى ايران مما يهدد الإمدادات النفطية في الخليج قد انتفى بفعل التغيرات التي طرأت على المناخ العالمي بعد إنهيار الاتحاد السوفييتي. لقد جاء مؤتمر القمة الاسلامي الأخير في طهران ليعزز من قناعة التيار المعتدل في الإدارة الامريكية حول ضرورة الحوار مع الإدارة الإيرانية الجديدة. ويرى هؤلاء ان مثل هذا الحوار سيعزز من فرص استقرار الوضع في منطقة الخليج ويمهد الطريق أمام إزاحة الرئيس العراقي صدام حسين من موقعه دون تعقيدات سياسية بسبب النفوذ التي تتمتع به إيران على الساحة العراقية. ان اي استجابة جدية من قبل الولايات المتحدة لدعوات خاتمي حول الحوار مع الولايات المتحدة من شأنها ان تزيد من ضغوطات الشارع الإيراتي على التيار المتشدد بالقبول بفكرة الحوار. وستنطوي الأيام المقبلة على الكثير من المفاجآت في إطار هذه الموضوعة مما سيترك آثاراً كبيرة على إصطفاف القوى إقليميا ويغير من خارطة العلاقات والمواجهة القائمة حالياً في منطقة حبلى بالإحداث والمفاجآت مثل منطقة الشرق الأوسط.

تعليقات

تعليقات