ونعلمكم بالأمثال: بقلم: الدكتور محمد الرميحي - البيان

ونعلمكم بالأمثال: بقلم: الدكتور محمد الرميحي

كلما صرفت النظر عن الكتابة حول العراق - شؤونه وشجونه - مؤقتا ظهر أمر جديد استرعى النظر الى ما يدور هناك من عبث سياسي , وأبى النظام إلا ان يثير قضية جديدة تسترعي الانتباه وتصرف النظر عن أمور أخرى في عالمنا العربي الذي يعاني الويلات من الجزائر التي يذبح فيها الأبرياء كل ليلة بالمئات الى الإرهاب البغيض في مصر, انتهاء بما يحدث من عبث إسرائيلي في الأرض المحتلة. بيد ان ما يحدث في العراق هو العبث الأكبر, فإن كان ما يحدث في الجزائر مازالت الأيدي المتسببة فيه غامضة بين احتمالات كثيرة, والإرهاب المجنون في مصر تقوم به فئة ضالة, ويمعن نتانياهو في إذلال الفلسطينيين, فإن المتسبب فيما يحدث في العراق هو النظام نفسه لاغيره وبإمكانه بجرة قلم ان يرفع الأذى عن هذا الشعب الذي لايزال يعاني ظلم مكامه, أو يستمر في العبث. في الأسبوع الماضي بدأت دراما جديدة في ماراثون العذاب للشعب العراقي عبر افتتاح مسرحية قديمة متجددة في احتجاج الحكومة العراقية على بعض أعضاء الفريق الدولي الذي يقوم بالتفتيش على أسلحة الدمار الشامل بحجة أنهم جواسيس للمخابرات الأمريكية, وخرج علينا من جديد طارق عزيز على شاشة التلفزيون الدولي ليبرر ما يقوم به النظام العراقي من مناورات, هذه المرة ابى طارق عزيز إلا ان يستخدم الأمثال والحكايات فاستعان كي يدلل على عدم قدرة فريق التفتيش الدولي الحصول على ما يبحث عنه بقوله (وكأنه شاهد ما شافش حاجة) مشيراً الى العنوان المشهور لمسرحية الكوميدى المصري عادل امام, هنا تلتصق الدراما السياسية الى حد الفجور بالواقع المحزن للسياسة العربية. لايستطيع مراقب لما يحدث الآن بين الأمم المتحدة وبغداد إلا ان يتساءل لماذا هذه الضجة الجديدة؟ ولماذا الآن؟ فمنذ شهور قليلة فقط حدثت نفس الضجة وتقريباً بنفس الأسلوب الدرامي وانتهت بخضوع النظام العراقي الى كل مطالب الأمم المتحدة, ولا أعتقد ان هناك فارقا في النتيجة هذه المرة أيضا إلا ان هناك من الشواهد ما يدل على ان المناورة الأخيرة لها ثلاثة دوافع على الأقل. الدافع الأول هو الوفاق الإيراني - الأمريكي الذي يلوح في الأفق, فقد بدأت كل من الولايات المتحدة وإيران في مد يدها للأخرى بشيء من التردد ولكن أيضا بشيء من التصميم على فتح قنوات جديدة بينهما, ولم تكن هذه القنوات على كل حال موصدة كليا, فقد عرف ان الولايات المتحدة قد أرسلت برسائل الى رئيس الجمهورية الإيرانية الجديد سيد محمد خاتمي بمجرد ان حلف اليمين الدستورية في أغسطس الماضي, ويعتقد كما روت الصحافة الأمريكية ان تلك الرسائل كانت بتوقيع السيدة مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية, كما جرت مراسلات بين الادارتين الأمريكية والإيرانية عن طريق أطراف أخرى, وعندما حدثت الأزمة بين الأمم المتحدة والعراق في الخريف الماضي واشتدت وكان موقف بعض الدول في مجلس الأمن غير موات لسياسة الولايات المتحدة خاصة عندما لوحت باستخدام القوة المسلحة ضد العراق, وقد عارض ذلك حتى أقرب حلفاء الولايات المتحدة كل لأسبابه الخاصة, وقتها بدأت الإدارة الأمريكية تقوم بإعادة حساباتها السابقة في تطبيق سياستها في الاحتواء المزدوج, الإيراني العراقي, فقد بدا أنه ليس من الممكن العملي أخذ خطوات جادة تجاه العراق لردعه في الوقت الذي تعادي فيه أيضا وبقسوة إيران الجارة المهمة للعراق, فتحالف الضدين التاريخيين في الخليج قد يكسبهما قوة إقليمية معنوية ان لم تكن فعلية, وجاءت الخطوات عجلى من إيران فبعد الاجتماع الناجح للمؤتمر الإسلامي الذي بدت إيران فيه وكأنها تحركت الى الوسط السياسي الدولي وشجبت الإرهاب من بين أمور أخرى, جاءت المقابلة المتلفزة للرئيس خاتمي التي بدا بعدها للإدارة الأمريكية. وكأن رياحا سياسية جديدة تهب من الهضبة الإيرانية, رياحا طازجة, ولم تكن المفاجأة في ان خاتمي قال, ضمن ما قال في تلك المقابلة التلفزيونية, ما يقترب من الاعتذار عما حدث في احتجاز الرهائن الأمريكان في سنة 1979 في طهران, أو شجب الإرهاب, أو التغني بأهمية وأصالة القيم الأمريكية, ولكن المفاجأة ان خاتمي استطاع ان يقول ما قال بأقل قدر من المعارضة في الداخل, فلقد كانت الإدارة الأمريكية تعرف بأن الرجل يحمل فكراً جديداً لكنها لم تكن متأكدة ان كان في استطاعته المجاهرة وتقديم الدلائل من دون - أو بأقل قدر من - معارضة في الداخل الإيراني, هذا التحول من الجانبين الأمريكي والإيراني أفقد النظام العراقي صبره الذي طلب السوفييت إبان الأزمة السابقة ان يتحلى به, وأعتقد أنه لو صبر أكثر دون إثارة وجلبة فسوف يفقد المبادرة, ويبقى في الساحة الخليجية في مواجهة الشجب الدولي, لذلك فإن تحريك الأمر أصبح ضرورة بالنسبة إليه, ذلك أولا. أما الدافع الثاني للجلبة التي قام بها النظام العراقي فهو ان الوضع على جبهة السلام العربي - الاسرائيلي بدأ في التحرك, فلقد باع النظام الكثير من شعاراته على أساس النضال من أجل فلسطين, وكلما تعقد الأمر هناك اعتقد انه يكسب أرضا بين الجماهير العربية المضللة بهذا النوع من الشعارات, والوضع على هذه الجبهة بدأ في التحلحل من جانبين, الأول ان الضغط الأمريكي على الحكومة الإسرائيلية بدأ يظهر وان كان على درجات, والثاني ونتيجة هذا الضغط من جملة أمور أخرى بدأت الحكومة الإسرائيلية في الانفراط أمام استقالة وزير الخارجية وتهديد وزير الدفاع بالاستقالة وكل ذلك ما هو إلا عرض من مرض فمن المحتمل ان تقوم في إسرائيل انتخابات مبكرة يعتقد المراقبون أنها لن تتأخر عن الخريف المقبل, لاسقاط حكومة نتانياهو وتحريك عجلة السلام المتوقفة الآن, وإذا تحرك قطار السلام في شرق المتوسط فلن يبقى إلا سقوط النظام العراقي, لذلك فإن توقيت المواجهة الآن والضغط للحصول من المجتمع الدولي على تنازلات في رأي النظام العراقي هو الوقت الأنسب, استغلالاً للفرص التي تتبخر بسرعة. أما الدافع الثالث لتوقيت المواجهة فهو محصلة الدافعين الأخيرين, فقد بدا كالسر المعلن ان الأمر يجرى على الصعيدين الدولي والداخلي العراقي للعد التنازلي للنظام في بغداد, والتوقيت الحالي للأزمة هو للفت النظر واستباق الأحداث ومحاولة جر الرأي العام العالمي للضغط على المؤسسات الدولية لاتخاذ موقف الآن قبل ان تدخل عملية التخلص النهائي من هذا النظام في نقطة انطلاقها, وواضح ان هذه المحاولة قد فشلت منذ بدايتها, فالثوابت الدولية مازالت كما هي, مصممة ان ينفذ العراق كل قرارات مجلس الأمن بما فيها القرارات الخاصة بحقوق الشعب العراقي. الأمر الأغرب في تصرفات النظام العراقي, يكمن فيما تسرب من تقارير المراقبة الجوية, فقد ذكرت بعض المصادر الغربية ان تشكيلات من الجرارات المستخدمة للزراعة في شمال العوجة ترسم بأشكال ضخمة على مساحة أكبر من عدة ملاعب كملاعب كرة القدم حروفاً تشكل كلمات نابية حق دول التحالف أو الإشادة بالزعيم الفذ, وكتبت هذه العبارات بتشكيل الجرارات كي تستفز المطلعين على الصور الملتقطة من الجو, مثل هذه التصرفات لابد انها قد حدثت نتيجة قرار من السلطة العليا وهي تعبر عن العقلية السائدة في اتخاذ القرار العراقي حتى اليوم, وهي عقلية استفزازية وطفولية فاسدة في آن. ويتزامن هذا الاستفزاز العراقي ومحاولة كسب عطف العالم مع زيارة سماحة السيد باقر الصدر رئيس المجلس الإسلامي الأعلى للكويت وطوافه بالديوانيات الكويتية على مختلف مشاربها السياسية والاجتماعية. وهو دليل قاطع ورد عملي على ما يدعيه النظام العراقي من موقف الكويتيين من شعب العراق, وفي هذه الحوارات كما في تصريحات سماحة السيد المنشورة في الصحف كشف للمتسبب الحقيقي في استمرار حرمان العراقيين من حقوقهم, أطفالا ومواطنين, كما هو كشف واضح عن إحساس الوسط الشعبي, الكويتي بالام العراقيين ونكبتهم على يد هذا النظام. إلا ان الرسالة التي يحملها سماحة الإمام هي التعبير عن ضيق المتنفس الإعلامي للمعارضة العراقية النشطة على الساحتين الداخلية والخارجية, برغم وجود عشر صحف وأربع إذاعات عاملة, ولكن هذه الصحف وتلك الإذاعات محدودة الانتشار لأن إمكانات المعارضة بأشكالها المختلفة محدودة, وهي معارضة مهجرة في حدود ضيقة, ولعل من استمع الى سماحة السيد في قوله ان من يطلب بقاء هذا النظام فإنه كمن يطلب إطالة عذاب العراقيين يعرف حقيقة ما يشعر به العراقيون تجاه هذه النظام القائم في بغداد. ويدلل على ان الكثير من الدعوات ماهي إلا دعوات للاستهلاك المحلي ويدلل على ذلك بشواهد لاتقبل القسمة بأن الدول العربية والإسلامية بعيدة عن الاهتمام الفعلي بشأن الشعب العراقي حيث ان خمسا وثلاثين منظمة دولية تعمل في مجال تقديم المساعدات الإنسانية في شمال العراق الذي يمكن الوصول الىه دون المرور بأدوات النظام العراقي, وليست هناك واحدة من هذه المنظمات من الدول العربية أو الإسلامية, حتى في عمليات الإغاثة لايوجد شيء من الخدمات الأولية غير جهود الهلال الأحمر الكويتي, والهيئة الخيرية الإسلامية ومقرها أيضا الكويت. لقد صارت تصرفات النظام العراقي من النمطية والفجاجة بحيث يمكن ترجمتها ترجمة آلية, فلا يوجد جهد حقيقي حتى في مناورات هذا النظام وتكتيكاته, فهو يحكم بقسوة وجبروت ومخاتلة إقطاعي محلي. والتاريخ يدلنا على انه عندما تصل الأنظمة الجائرة الى هذه الدرجة من الفجاجة فإنها تكون مرتعدة من الانهيار. رئيس تحرير مجلة (العربي) الكويتية*

طباعة Email
تعليقات

تعليقات