الجزائر بين منطق السيادة وهيمنة العنف:الدكتور الحسان بوقنطار

بعد مرور ست سنوات على اجهاض المسلسل الديمقراطي في الجزائر (يناير 1992), نتيجة حصول جبهة الانقاد الاسلامي على الأغلبية في الانتخابات التشريعية التي جرت, لم تستطع الجزائر الخروج من حالة العنف والعنف المضاد, بل أكثر من ذلك, فقد باتت هذه الدولة تقدم نفسها يومياً في وسائل الاعلام عبر مسلسلات التقتيل التي فاقت فظاعتها ووحشيتها كل التصورات. ويزداد الأمر سواء في شهر رمضان المبارك. فإذا كان هذا الشهر بالنسبة للمسلمين هو شهر التسامح والمغفرة, فإنه يشكل بالنسبة لهذا العربي الاسلامي لحظة لممارسة افظع الجرائم ضد المدنيين العزل, الذين يذهبون ضحية الصراعات السياسية المستمرة في البلاد. ولا ريب في ان هذه المجازر, والشروط التي تتم فيها, والعجز الذي تعبر عنه قوات الأمن المتواجدة في بعض الأحيان غير بعيد عن مسرح العمليات, كلها جعلت المتتبعين لهذه المأساة يطرحون تساؤلا اساسيا, وهو هل هذه الجرائم الفظيعة هي فقط من ارتكاب الجماعات المسلحة, أم ان هناك تواطئا من طرف اجهزة الأمن نفسها. اذا كان الخطاب الرسمي قد دأب منذ اندلاع الأزمة على التبشير بنهاية هذه الأعمال مذكراً على ان التوجهات التي رسمها لا يمكن لها الا ان تعزل هذه الجماعات, فإن الواقع اليومي لا يسير في نفس الاتجاه. فاذا كان البعض لايتردد في تحميل عناصر من قوات نفسها ارتكاب بعض المجازر حتى يتم النيل من مصداقية هذه الجماعات, وابراز جانبها اللاانساني, وبالتالي خلق التناقض بينها, وبين السكان, فإن تنامي مثل هذه المجازر كما وقع مؤخرا في غيلزان, والتي خلفت حسب المعطيات غير الرسمية اكثر من اربعمائة شهيد, في غياب اي تدخل لقوات الأمن, جعل البعض يربط بين هذه العمليات, ووجود خلافات داخل القيادة, وخاصة بين الرئيس ليامين زروال, الذي يريد وضع حد للأزمة من خلال محورين يرتبط الأول بإعادة بناء المؤسسات وفقا للدستور, وهو الأمر الذي يمكن من إجراء سلسلة من الانتخابات على المستوى المحلي والتشريعي, وان كانت قد وجهت بانتقادات كبيرة من طرف احزاب المعارضة بفعل الخروقات التي شابتها, والتي كرست الحزب الموالي للرئيس كأول قوة سياسية في البلاد. أما المحور الثاني فيسعى الى خلق تحالفات جديدة توسع من القاعدة السياسية للرئيس, وخاصة داخل أوساط قدماء المجاهدين, كما تجلى ذلك من لائحة الشخصيات التي تم اقتراحها داخل المجلس البرلماني الثاني, والتي كرست البشير بومعزة, احد قدماء المجاهدين كرئيس له, وأخيراً يتمثل المحور الثالث في محاولة تحقيق نوع من الأمن الذاتي, وذلك من خلال تسليح المواطنين حتى يساهموا في الدفاع عن انفسهم. ويبدو ان هذه الاستراتيجية لاتجد ارتياحا عند بعض الضباط الكبار, الذين يعتبرون ان ذلك من شأنه ان يقلص من نفوذ المؤسسة العسكرية التي تريد ان تبقى القابضة على ناصية الأمور في البلاد. ومن ثم, فإنها ربما تعتبر ان هذه العمليات بفظاعتها لا يمكن الا ان تضعف المؤسسات المدنية, وتبرزها غير قادرة على حماية المواطنين. وبالمقابل تعزز من مكانة انصار الحل الاستئصالي الأمني, الذين يعتبرون ان حل الأزمة الجزائرية لا يمكن إلا ان يتم من خلال اجراءات امنية مشددة, ومن خلال الزيادة في درجة العنف, ولو اقتضى ذلك, خرق كل مقتضيات حقوق الانسان. ومهما تكن صحة هذه الفرضية, فإن الواقع المر الذي تعيشه الجزائر يبين ان الثمن الذي تؤديه البلاد مرتفع جداً. فحسب بعض الاحصائيات التي نشرتها بعض المنظمات الحقوقية, فإن عدد القتلى يكون قد قارب الثمانين الف مند اندلاع الأزمة. كا ان عدد الاشخاص الذين تمكنوا من ترك البلاد قد يصل الى ثلاثين الف شخص. علاوة على سيطرة حالة من الرعب, والفظائع اليومية. وهو الأمر الذي طرح البعد الثاني في هذه الأزمة, وهو احتمالات تدويلها. اذا كان العصر الذي نعيشه يتميز من بين خصائصه بما يسمى بالاعتماد المتبادل بين الأمم والشعوب, والذي تعمق بفعل ما يعرف بظاهرة العولمة, وكذلك بالانجازات الهائلة التي حققها مجال حقوق الانسان, حيث ان المعاهدات الدولية, والاتفاقيات التي صادقت عليها كافة الدول تجعل من حماية الفرد, اي تكريس حق البقاء, والحق في الحياة الذي هو منطلق كافة الحقوق مسألة لا يمكن الاختلاف حولها. وفي الوقت الذي تتعدد وتتكرر فيه مثل هذه الجرائم التي تحصد مئات الأرواح يومياً, فإن الضمير العالمي لايمكن الا ان يتحرك, متسائلا عن امكانيات مساهمته في وقف هذا البحر الدموي. لكن في الوقت الذي يهتز فيه الضمير العالمي, تنتصب أمامه صعوبة أساسية مرتبطة بالهامش الممكن لتحركه. ولا يتعلق الأمر لحد الساعة بمعيقات مادية أو لوجيستيكية, ولكنه يرتبط باشكالية وجودية تتعلق بالصراع الابدي بين السيادة, والتدخل الخارجي. لقد بدأ الحديث عن واجب التدخل لاسباب انسانية في خضم انهيار نظام تشاوشسكو في رمانيا, والذي ترافق بموجة من العنف كانت تؤشر لحرب أهلية. وقد كان وزير الخارجية الفرنسي آنذاك رولان دوما Rdumas أول من طرح هذا المفهوم من خلال الدعوة الى تدخل دولي لحماية الشعب الروماني من مخاطر انتقام الأمن الروماني الموالي للرئيس تشاوشسكو. وإذا كانت البعض قد اعتبر ان هذه الدعوة مجرد تبرير لتدخل غربي لانهاء مسلسل انهيار المعسكر الشرقي, فإن الفكرة ظلت محل جدل, ومبرر للتدخل في الازمات المستعصية, ولا سيما تلك التي تميزت بشيوع العنف, وغياب الدولة, مما خلق وضعية تنذر بابادة للجنس البشري. وهو الأمر الذي يشكل جريمة يعاقب عليها القانون الدولي من خلال المعاهدات المصادق عليها, وخاصة معاهدة منع ابادة الجنس البشري, الذي وافقت عليها الجمعية العامة للامم المتحدة في سنة 1950. وهذه الوضعية هي التي تلمسناها في حالات الصومال ورواندا وليبيريا. ففي كل تلك الحالات تم استنطاق الآليات الدولية لاتخاذ الإجراءات اللازمة من أجل منع ارتكاب أعمال الإبادة. ورغم التدخل الذي تم, فإنه لم يكتس فعالية كبرى, وكشف بالملموس عن محدودية مثل هذه التدخلات لعوامل مرتبطة سواء برفض الأطراف المتناحرة, أو بغياب موقف واضح وسريع يمكن من تحرك فعال. وفي الواقع, إذا كان التدخل الأجنبي في قضية داخلية يبقى مرفوضا من جميع النواحي, ولا يمكن تبريره مطلقا, فإنه مع ذلك لا يمكن لدولة ما توجد في وضعية صعبة ان ترفض كل اقتراحات التعاون معها بدعوى التشبث بالسيادة. فهذا الموقف المنغلق من شأنه ان يكرس الاتهامات الموجهة الى بعض اطراف الجيش بدعوى التواطؤ, أو على الأقل التقاعس عن القيام بكل ما من شأنه ان يوقف هذه المذابح. يتشبث المسؤولون باعتبار ما يقع في الجزائر شأنا داخليا. وبالتالي فهو من اختصاص السلطات الجزائرية. ويستندون في ذلك الى اعتبار ان ما يقع داخل الجزائر لايشكل حربا أهلية. فأعمال العنف هي من قيام عناصر ارهابية ضالة لايمكن التحاور معها, وسيتم القضاء عليها بفضل الاجراءات التي تقوم بها السلسلة. في نفس الوقت, وعلى خلاف مايردد البعض, فإن الأمر لايقتصر على منظور أمني, بل هناك مخطط يهدف الى اعادة بناء المؤسسات الديمقراطية في البلاد من خلال الدستور الذي اعاد بناء الاحزاب من خلال منع كل حزب يتأسس على اعتبارات دينية أو قبلية, وكذلك من خلال المسلسل الانتخابي الذي افرز اجهزة محلية وتشريعية نابعة عن الإرادة الشعبية. ومن هذا المنطلق ترفض السلطة والاحزاب المساندة لها, وأساسا حزب الرئيس, التجمع الوطني الديمقراطي, وجبهة التحرير الجزائرية هذه الدعوات الاجنبية, معتبرة اياها بمثابة تدخل اجنبي في الشأن الجزائري. لكن في مقابل هذا الاتجاه الذي يدين كل تصريح أجنبي حول الجزائر بدعوى التدخل, فإن هناك أصواتا داخلية أخرى لم تتردد في اعلان تأييدها لكل مبادرة دولية من شأنها ان تساعد على ايجاد حل سياسي للأزمة, وبالتالي ضمان السلم والاستقرار في البلاد. ويمكن ان نشير في هذا الاطار الى جبهة القوى الاشتراكية, التي يتزعمها السيد حسين ايت احمد, أو جبهة الانقاد المحظورة. لكن مهما كانت الاختلافات الداخلية في إدراك الاهتمام الدولي بالشأن الجزائري. فإن هناك شبه اتفاق على انتقاد قصور السلطات عن حماية المدنيين العزل, أو على الأقل عدم فعالية الترتيبات التي جربتها لحد الساعة في محاولة لتطويق ظاهرة العنف في البلاد. ويبدو واضحا ان العنف المضاد لم يزد البلاد إلا مزيداً من العنف وأدخلها في دوامة لاقرار لها. ان مختلف التصريحات الدولية, سواء منها الصادرة عن المسؤولين الفرنسين, أو الالمان أو الامريكيين, أو الأمين العام للامم المتحدة, لا يمكن اعتبارها ببساطة تدخلا في الشأن الجزائري, أو مناهضة للسلطة الحالية. فهي ناتجة عن استهجان تقزز من هذه الفظائع الموجهة ضد الأبرياء, والتي لا يمكن تبريرها بأي شكل من الاشكال. وفي الوقت الذي نتحدث فيه عن ضرورة التضامن الدولي, فلا يمكن لنا ان نرفض هذا التضامن بدعوى أنه لايشاطر الطرح السائد لدى السلطة, والذي يعتبر ان حل هذه الأزمة لن يتسنى الا بمزيد من العنف, ودائما العنف, ربما الى ما لانهاية. فالانسان أينما كان لايمكن له ان يقف موقف المتفرج إزاء الأعمال البربرية اليومية, التي تضرب في العمق اسس حقوق الانسان المتمثلة في الحق في الحياة والأمن والحرية. ان هذا الادراك لا يمكن ان يخدم مصالح الجزائر. فمن الضروري ان يتم الانفتاح على موقف المجتمع الدولي, سواء من خلال ما تردده وسائل الاعلام, أو المنظمات الحقوقية, والمدافعة عن حقوق الانسان, أو من خلال التصريحات الرسمية. فهناك اسئلة مقلقة يتم طرحها حول ما يجري في الجزائر, سواء تعلق الأمر بالهوية الحقيقية لمرتكبي هذه الجرائم ضد الانسانية, أو غياب اي محاكمات, أو معطيات واضحة حول الجناة, أو وضعية حقوق الانسان في جميع ابعادها. فهذه القضايا لم تعد, مهما ادعت السلطات مسائل داخلية, بل ان ايجاد حل لها يتطلب اسهام المجتمع الدولي, وسيكون في مصلحة المسؤولين ان تتعاون معهم كافة الارادات الدولية للمساعدة على تجاوز هذه المحنة. وفي الواقع, فإن دور المجتمع الدولي لا يمكن ان يحل محل الدور الأساسي للسلطات التي ينبغي ان تفتح قنوات التواصل والحوار مع كافة الفعاليات والقوى المناهضة للعنف مهما كانت مشاربها, ولا يمكن ان يفسر على اساس انه موال لجناح ما, بل ان مهمته الاساسية ينبغي ان تقتصر على معرفة, وتقييم الشروط التي من خلالها يمكن تقديم المشورة والمساعدات المتنوعة للجزائر. وإذا كان من غير المتصور ان يتم بسهولة وضع حد للاقاويل والاتهامات المختلفة التي تحيط بهذه العمليات, ويساعد على تحديد المسؤوليات. وهو أمر في غاية الأهمية لمواجهة هذه المجازر المنافية لابسط حقوق الانسان.

تعليقات

تعليقات