المسار الفلسطيني هو العقدة... وهو الحل:بقلم: محمد مشموشي - البيان

المسار الفلسطيني هو العقدة... وهو الحل:بقلم: محمد مشموشي

على أهمية اتفاقي (كامب ديفيد) بين اسرائيل ومصر و(وادي عربة) بينها وبين الاردن, وخطورة الوضع الحالي الذي وصلت الىه مسيرة التسوية عموماً لجهة الجمود الكامل على المسارين اللبناني والسوري والمراوحة في مكان واحد بالنسبة لمراحل الانسحاب المقررة في (اتفاق أوسلو) من الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية وقطاع غزة. تبقي النقطة - المفتاح في القضية التي يطلق عليها عالميا اسم (قضية الشرق الأوسط) هي النقطة الخاصة بـ (الشرعية) الدولية التي اعطتها منظمة التحرير الفلسطينية لوجود دولة اسرائيل نيابة عن الشعب الفلسطيني وباسمه. هذه (الشرعية) التي اعطيت لدولة اسرائيل من خلال الأعتراف الفلسطيني بوجودها على أرض فلسطين, حتى قبل انعقاد مؤتمر مدريد للتسوية الشاملة في المنطقة وتوقيع (اتفاق أوسلو) بين الطرفين اللذين كانا قد اعترفا احدهما بالآخر, مثلت على الدوام نقطة الضعف الاسرائيلية الكبرى في العالم كله, وحتى في داخل اسرائيل نفسها, برغم القوة العسكرية التي تمتعت بها على امتداد الأعوام الخمسين الماضية وامكن لها من خلالها الحاق الهزائم المتكررة بالجيوش العربية مجتمعة ومنفردة فضلا عن الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج. وعمليا فقد حاولت اسرائيل على الدوام الحصول على هذه (الشرعية) على خلفية حروبها المتعددة على العرب وعلى الشعب الفلسطيني, الا انها فشلت المرة تلو المرة عربياً وفلسطينيا وحتى دوليا الى ان اصدر المجلس الوطني الفلسطيني قراره المعروف بالاستعداد للاعتراف بوجود اسرائيل. ولم يكن (اتفاق أوسلو) الا ليتوج هذا القرار دوليا ويقدم لتل ابيب ما يمكن اعتباره (هدية العمر) , ولكن في مقابل مجرد وعد من اسرائيل بالموافقة على أقامة سلطة حكم ذاتي فلسطينية في بعض مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة التي ستنسحب منها قواتها وفقا لنصوص الاتفاق المشار إليه. لكن ماذا حدث منذ ذلك الوقت؟!. لقد ابتلع رئيس حكومة اسرائيل الأسبق اسحق رابين (هدية العمر) هذه, وكذلك فعل خلفه شمعون بيريز, بصورة منتظمة في الداخل الاسرائيلي ولكن اساسا على المستوى الدولي وفي علاقات اسرائيل بمختلف دول العالم وخاصة بمنظمة الأمم المتحدة التي كانت جمعيتها العامة تجدد قرارها الخاص بانشاء هذه الدولة سنويا في إثناء دورتها العامة, في الوقت الذي كانا فيه يهربان وكل على طريقته من الاستحقاق الآخر الخاص بالجانب الثاني من الاتفاق: تكريس وجود السلطة الوطنية الفلسطينية والحكم الذاتي لهذه السلطة في الأراضي التي يتم الانسحاب الاسرائيلي أو (اعادة الانتشار) فيها. وبنظرة سريعة الى الفترة الماضية كلها, منذ توقيع الاتفاق في سبتمبر من العام ,1993 يتبين ان ما فعله اسحق رابين وبعده شمعون بيريز لم يكن سوى التغطية على الوعد ولكن من دون التنكر له أو أعلان التراجع عنه. أما خلفهما رئيس الحكومة الاسرائيلية الحالي بنيامين نتانياهو فقد كان أكثر وضوحا وصراحة من سلفية سواء فيما يتصل بالمواقف المعلنة أو فيما يتعلق بالممارسات العملية على أرض الواقع. وإذا كان رابين وبيريز قد عملا بانتظام على الاخلال بالجدول الزمني المنصوص عليه في اتفاق أوسلو وبالمواعيد الخاصة بالانسحابات, حتى ان الحديث الآن يدور حول تطبيق ما كان مقرراً تطبيقه في الشهور الأولى من العام ,1996 فممارسات نتانياهو في مجال الاستيطان في الأراضي المحتلة بناء وتوسيعا وفي مجال التغيير المتواصل للطبيعة التاريخية والواقع الديموجرافي لمدينة القدس, وحتى في الاتفاق الذي امكن الوصول اليه بعد جهد جهيد حول مدينة الخليل, انما تقول علنا وصراحة ما عمد رابين وبيريز جاهدين الى عدم قوله طيلة السنوات الماضية. ففي مجال السلطة الفلسطينية, لا تدع حكومة نتانياهو فرصة الا وتعلن فيها ان السلطة العسكرية الاسرائيلية في الضفة والقطاع ما تزال قائمة من دون اي تغيير بل ان بعض الوزراء فيها قالوا بوضوح (ان السلطة الفلسطينية في الأماكن التي تتواجد فيها ليست سوى احد النتاجات المنبثقة عن السلطة العسكرية الاسرائيلية. وفي مجال الاستيطان تتواصل عمليات بناء المستوطنات الجديدة وتوسيع المستوطنات القائمة وتعزيزها بكل الوسائل, مرة علنا وعلى مسمع العالم كله بما في ذلك مسمع السلطة الفلسطينية ومرات بصورة سرية من أجل تغيير الوقائع على الأرض قبل الوصول الى البحث في كيف تكون المرحلة النهائية للحكم الذاتي. وعندما يثار اي سؤال يتعلق بهذه المسألة أو بغيرها يكون الرد الاسرائيلي جاهزا كالعادة, وهو ضرورة اجتثات اي نوع من انواع المقاومة الفلسطينية للسياسة الاسرائيلية أو اي نوع من انواع الاخلال بـ (الأمن) كما تحدده اسرائيل نفسها... وفي مقدمته (أمن) المستوطنين في الأراضي الفلسطينية المحتلة. أما فيما يتصل بمدينة القدس, فلا تدع حكومة نتانياهو مناسبة إلا وتعمل على التأكيد فيها اصرارها على مواصلة احتلال المدينة المقدسة, عاصمة موحدة وابدية لاسرائيل, فيها تمارس على الأرض خطة تهويد شاملة للقسم الشرقي من المدينة - وللقسم الشرقي بالذات - يطال السكان والمؤسسات والطبيعة التاريخية المقدسة للمدينة. وإذا كان شق نفق تحت اساسات المسجد الأقصى يشكل بداية معلنة للتهويد, فإن المباشرة ببناء مستوطنة يهودية في منطقة رأس العمود في المدينة ومصادرة هويات المقدسيين واستبدالها بالقوة بهويات اسرائيلية والحيلولة في الفترة الأخيرة دون أحصاء سكانها في سياق الاحصاء الذي بدأته سلطة الحكم الذاتي للسكان الفلسطينيين في الأراضي المحتلة, مثلت ذروة خطة التهويد. هذا كله لا يعني فقط ان ما تفكر به اسرائيل فيما يتصل بمستقبل الأراضي المحتلة يتناقض تماماً مع ما تفكر به السلطة الفلسطينية (أو أىة سلطة أخرى في العالم العربي أو في العالم الخارجي), بل هو يتناقض أيضا وجذريا مع أي مستقبل مضمون أو حتى معروف للسلطة الفلسطينية نفسها. في مقال للمؤرخ الاسرائيلي عاموس أوز نشر اخيراً في أحدى الدوريات الاسرائيلية ما يفيد بأن (الحلم) الذي عاشه الاسرائيليون طيلة الأعوام الخمسين الماضية (1948 - 1998) والذي تركز على الحصول على الاعتراف بـ (شرعية) وجود دولتهم في المنطقة لم يكن سوى من صنف اضغاث الأحلام... لأن الحلم من وجهة نظر نتانياهو وحكومته (يبقي حلما براقا بقي عمليا من دون ان يتحقق شيء منه) . وفي مقال آخر في صحيفة (الهيرولد تريبيون) الامريكية يوم الحادي والثلاثين من ديسمبر الماضي, قال رئيس تحريرة جريدة (النوفيل اوبزرفاتير) جان دانييل ان نتانياهو ليس سوى تلميذ نجيب للمفكر الصهيوني فلاديمير جابوتنسكي الذي اعتقد دائما ان اسرائيل ستكون محكومة لتعيش في امان ومن دون خوف) بالبقاء على عداء مع الجوار المحيط بها) . يبقى من ذلك كله ان حكومات اسرائيل المتعاقبة, والحكومة الحالية بينها بشكل خاص, تصرفت على أساس انها قد اخذت من منظمة التحرير الفلسطينية باسم الشعب الفلسطيني ونيابة عنه ما كانت تريده دائما, وانها ستعمل بكل قوة وبمختلف الأساليب للحيلولة دون نشوء سلطة فلسطينية حقيقية في المناطق التي قد تكون مضطرة للانسحاب منها, أو (اعادة الانتشار) فيها... حتى لا نتحدث عن الشعار الذي يرفعه رئيس السلطة الفلسطينية والذي يفترض أقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع. وفي التحليل الأخير, من المؤكد أنه إذا لم يمكن تحقيق انجاز ما على صعيد الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني وحقه الأول والأساسي في أقامة دولته المستقلة (وهو ما ترتفع علامات استفهام كبيرة حوله) لن يكون ممكنا تصور اية تسوية في المنطقة... فضلا عن ان تكون تسوية شاملة وعادلة. ولا فرق كبيراً بين الحكومات الاسرائيلية فيما يتصل بهذه المسألة, وان تكن الحكومة الحالية أكثرها وضوحا وصراحة في الأعلان عن نفسها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات