قمة مجلس التعاون الخليجي... بين الواقع والطموح

جاءت القمة الثامنة عشرة لقادة دول مجلس التعاون الخليجي في الكويت. في ظروف تختلف عن الأجواء التي سادت القمم السابقة منذ النشأة . فقد جاء تأسيس مجلس التعاون الخليجي لدول الخليج العربية في ظروف وملابسات الحرب العراقية - الإيرانية, بكل تداعياتها وأخطارها الإقليمية والدولية. ومن هنا فإن الولادة كانت ليست بتلك السهولة والتي في ظلالها نشأت وتنشأ المنظمات الإقليمية, كما ان المؤتمرات السابقة كانت في جلها من أجل الأمن والدفاع نتيجة للمعطيات السائدة آنذاك, حيث ثماني سنوات من الحرب العراقية - الإيرانية إضافة سنين من المد والجزر في العلاقات الأمريكية مع العراق, إضافة الى تداعيات زلزال الخليج والحصار الأمريكي على العراق. يضاف الى ذلك عدم الثقة التي سادت في العلاقات البينية بين دول الإقليم. إضافة الى الحرب الباردة التي اتسمت بها العلاقات الأمريكية - الغربية من جهة, والعراقية - الإيرانية من جهة أخرى. ومن هنا فقد كان الهاجس الأمني - السياسي هو السائد على مجمل لقاءات القمم السابقة. بالرغم من طرح العديد من الجوانب الأخرى كالمجالات الاقتصادية والثقافية على أجنده تلك المؤتمرات. إلا ان القمة الثامنة كانت ذات طابع خاص, فبالرغم من إيلاء الجانب الأمني والسياسي الأهمية التي يستحقها. إلا ان الجوانب الأخرى. خاصة الجانب الاقتصادي... التجاري كان لها الحضور الأكبر في جدول أعمال مؤتمر القمة, وإذا كان موضوع الوحدة الجمركية بشكله النهائي قد أجل الى مؤتمر القمة القادم - التاسع عشر - والمنوي عقده في أبوظبي العاصمة الاماراتية, إلا ان مجرد الاتفاق على حوالي 90% من مجمل الجزئيات الأساسية للوحدة الجمركية فهذا بحد ذاته يعتبر إنجازاً كبيراً. وقد جاء تأكيد قادة أقطار الخليج بوجوب الوحدة الجمركية والتجارية بين اقطارهم, نتيجة لإداركهم بأن الطروحات الاقتصادية الدولية الراهنة والمتمثلة بالعولمة ومنظمة التجارة العالمية الجات لا يمكن الدخول إليها أو مجاراتها بشكل منفرد, وإنما الواجب الوطني والمصلحة العليا تقتضي الدخول إليها والتعاون معها بحزمة اقتصادية خليجية موحدة. حتى يستطيع الاقتصاد الخليجي ان يأخذ مكانه ودوره في هذه المنظمات العالمية والتي أصبحت على حد تعبير وزير التجارة الأمريكي الأخير لصحيفة الفانينشال تايمز, ضرورة لابد منها, بل دخولها أصبح ذا أبعاد استراتيجية بالإضافة الى أطرها الاقتصادية - بل ان مجرد المشاركة المتوسطية مع الاتحاد الأوروبي, تقتضي اقتصاداً جماعياً مجذراً ومتعدد الجوانب. لا اقتصاداً أحادي التوجه, ومن هنا جاء ادراك قادة دول مجلس التعاون بضرورة الاسراع في توحيد الفعاليات الاقتصادية, وقوانين الاستثمار ومخرجات العملية التجارية لمصلحة الجميع أمام توغل الجزئيات الاقتصادية للنظام الدولي الراهن. كذلك فإن أهمية هذا المؤتمر قد جاءت بعد النجاح المتواضع الذي حققه مؤتمر القمة الاسلامي الثامن في طهران, هذا المؤتمر الذي استطاع إخراج إيران - الى حد ما - من عزلتها المفروضة عليها من قبل السياسات الأمريكية, وذلك بتأكيد القيادة الايرانية على إمكانية التعايش السلمي بين الدول الإسلامية بشكل عام وبين إيران والأقطار العربية الخليجية بشكل خاص, خاصة ما يتعلق بالخلافات الحدودية بين هذه الدول, وما الزيارة المرتقبة لوزير الخارجية الإيراني الى الامارات العربية المتحدة من أجل التوصل الى صيغة مقبولة لحل الخلافات الحدودية. تكفل لدولة الامارات العربية المتحدة حقوقها السيادية إلا بادرة حسن نية من الطرف الإيراني وطالما كان يتمناها كل عربي ومسلم, لأن الأمن والاستقرار في المنطقة لمصلحة الجميع, والحروب والدمار وبال عليهم. كما ان المؤتمر أفرز العديد من الإشارات الايجابية الخليجية تجاه العراق, خاصة تصريحات ولي عهد المملكة العربية السعودية الأمير عبد الله بن عبد العزيز فيما يتعلق بطي صفحة الماضي وتخطي آثاره, والتعامل مع المستجدات الإقليمية والدولية بروح جديدة بعيدة عن الثارية وبالرغم من أن هذه التصريحات جاءت تأكيداً للعديد من التصريحات والدعوات المتكررة لصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان, رئيس دولة الامارات وكبار القادة الإماراتيين خاصة وزير الدفاع الاماراتي, إلا ان زمانها ومكانها أحدث صدى جيداً لدى الأوساط العربية بشكل عام والعراقية بشكل خاص, بالرغم من أن لهجة البيان الختامي للمؤتمر أكدت على تواتر الصيغة نفسها في موضوع الشأن العراقي. ويعتقد العديد من المراقبين أن نتائج القمة الخليجية الثامنة عشرة في الكويت ناجحة وهي الحدث الإقليمي الثاني بعد نتائج قمة طهران الإسلامية, وهذا يعني بأن الانفراج في العلاقات الإقليمية والبينية, لابد وان تنعكس على أداء الجميع سواء الجانب العربي أو الإيراني أو الاسلامي, وهذا يعني ان المستقبل يبشر بالخير في إصلاح المسار العلاقاتي الإقليمي, بالرغم من المحبطات التي قد تضعها هنا أو هناك السياسة الأمريكية في المنطقة, لأن الاستقرار والأمن للمنطقة والسياسة الأمريكية مترادفان على غير وئام بل ومتضادين, حيث ان السياسة الأمريكية لاتعيش إلا على التناقضات الإقليمية والدولية وحالات اللااستقرار من أجل استنزاف خيرات الشعوب وإخضاعها لسياساتها غير العادلة. باحثة من الاردن * * بقلم: د. سحر عبد المجيد المجالي

تعليقات

تعليقات