استراحة البيان: بلاد جميلة وشعب كريم، الحلقة الخامسة:بقلم- محمد المر

في المساء تعشينا عشاء خفيفا في مطعم فندق نزوى ثم تمشينا حول الفندق. الهدوء شامل ماعدا اصوات بعض السيارات المارة. شاهدت في التلفزيون مقابلة في محطة البي بي سي مع عازفة البيان و اليابانية (ميتسوكو اوشيدا) التي برعت وتميزت في عزف اعمال كبار الفنانين العالميين وعلى الاخص اعمال الفنان الخالد (موتسارت). واثناء حديث المذيعة معها قالت لها: (لابد انك برعت في العزف منذ طفولتك!). فأجابت الفنانة اليابانية بكل تواضع وعفوية بأنها كانت طالبة عادية درست الموسيقى مثل زميلاتها في اليابان ولكن يشاء الحظ ان ينقل اباها في عمله الى مدينة فيينا عاصمة النمسا موطن موتسارت وشوبرت وغيرهم من اساطين الفن الموسيقي, وهنالك وجدت تعليما موسيقيا من الطراز الرفيع فتفتحت مخيلتها وتطورت موهبتها والامر كما تقول يعود الى الحظ والصدفة فلو انتقل والدها الى مدينة اخرى لا تتوفر فيها الاجواء الموسيقية لما وصلت الى ما وصلت اليه من شهرة ومجد!! استمرت الفنانة بعد ذلك تتحدث بطلاقة وثقافة وبانجليزية واضحة عن مختلف مراحل حياتها الفنية. قبل ان انام تذكرت كلامها عن الصدفة والحظ, صحيح كم عدد المواهب والابداعات الانسانية التي قبرت ودفنت لانها لم يؤاتها الحظ الجيد لكي تتفتح وتنتج وتبدع وتحلق؟! وكم يلعب الحظ السعيد او التعيس دوره في حياتنا على الصعيد الفردي او الجماعي؟!. في صباح الرابع من ديسمبر 1997 ذهبنا مبكرين الى قلعة (جبرين) ومررنا بمدينة نزوى. تفرجنا على اشهر افلاجها الا وهو فلج (دارس), دخلنا اليه عن طريق حديقته الجميلة والانيقة, شاهدنا بعض الصبية الصغار يلهون ويسبحون ويلعبون فيه. يقول الشيخ بدر بن سالم بن هلال العبري في كتابه (البيان في بعض افلاج عمان) ان وزارة الزراعة والاسماك وجدت خلال مسحها انه يوجد في عمان عشرة آلاف فلج بين صغير وكبير وعامر وغير عامر. واللافت للنظر ان عدد الافلاج الحالي في عمان شبيه بعددها في الاخبار القديمة العمانية, حيث يذكر الدكتور جي. سي. ولكنسون في كتابه (الماء والتجمعات السكنية القبلية في جنوب شرق الجزيرة العربية ــ دراسة الافلاج في عمان) الصادر عام 1977 عن دار كلاريندون بأكسفورد. ان القصة الشعبية عن الافلاج في عمان تقول: انه بينما كان النبي سليمان بن داوود في رحلته اليومية على بساط الريح قادما من اصطخر في فارس الى بيت المقدس مر بعمان فشاهد قلعة (سلوت) واخبره رسوله الهدهد ان القلعة غير مسكونة. فدخل سليمان القلعة ولما شاهد جدب الحياة وقلة الزرع مكث هنالك عشرة ايام, وامر الجن ان تبني ألف قناة كل يوم من ايام مكوثه هنالك. وعندما غادر سليمان عمان كان بها عشرة آلاف فلج, ويقول الشيخ بدر العبري ان الاصل اللغوي لكلمة فلج هو: الشق في الارض وايجاده لتوصيل ماء السقي من موضع الى آخر, وقد وصف العرب الشق بين الاسنان بالفلج وصفا جماليا وكثيرا ما يوجد في اشعارهم فاذا وصفوا المرأة بجمال اسنانها قالوا (مفلجة الاسنان). بينما يقول ويلكنسون ان كلمة فلج مشتقة من جذور لغوية سامية قديمة وتعني (التقسيم) اي نظام تقسيم المياه بين المساهمين, ويذكر باحث ثالث هو الدكتور رضا جواد الهاشمي نقلا عن ابن منظور: (ان الفلج لغة بمعنى النهر وقيل النهر الصغير وقيل الماء الجاري من العين وهو الساقية. والفلجات سواقي الزرع والجمع افلاج). والحقيقة ان دراسة الدكتور ويلكنسون وهو باحث بارز في كلية الجغرافيا في جامعة اوكسفورد البريطانية العريقة تعد من افضل واشمل واعمق الدراسات والاجتهادات في دراسة تاريخ نظام الافلاج في عمان وعلاقته بحياة السكان حيث شكل في الكثير من مناطق عمان العمود الفقري للزراعة والحياة. وللدكتور ويلكنسون دراسة ثانية عنوانها (اصول الافلاج في عمان) وقد نشرت في مجلة الدراسات العمانية في القسم الاول من الجزء السادس (1983) وهذه المجلة تصدر باللغة الانجليزية عن وزارة التراث القومي والثقافة في عمان وهي مجلة اكاديمية راقية يرأس تحريرها عالم الاركيولوجيا (باولو ماريا كوستا) صاحب الدراسة الجيدة عن محافظة مسندم العمانية والمستشار الاركيولوجي لوزارة التراث القومي والثقافة والذي انعمت عليه الحكومة العمانية بوسام رسمي تقديرا لخدماته الثقافية للارض العمانية. ولا ادري فيما اذا كانت هذه المجلة العلمية الممتازة مازالت تصدر ام انها احتجبت لأنني لم اشاهد منذ مدة اعداداً منها في المكتبات! والدكتور جي بي ويلكنسون متخصص في الشؤون العمانية فرسالته للدكتوراه التي انهاها عام 1969 كانت عن استيطان العرب في عمان: اصول وتطور النموذج القبلي وعلاقته بالامامة وهي مازالت غير منشورة وحبذا لو نشرت وترجمت الى اللغة العربية ليستفيد منها الباحثون العرب. وملخص نظرية الدكتور ويلكنسون عن اصل الافلاج في عمان ان بدايات شبكتها الاساسية كانت اثناء السيطرة الفارسية على عمان في العهد الاخميني (من القرن السادس الى القرن الرابع قبل الميلاد), وله تخريج لطيف للقصة العمانية القديمة عن سليمان والافلاج فيقول: ان سليمان مرتبط عند الفرس بشخصية الملك الاسطوري جمشيد, وبرسيبوليس عاصمة الاخمينيين يسمونها (تخت جمشيد وتخت سليمان) واصطخر التي تقول القصة ان سليمان طار منها الى بيت المقدس مرورا بعمان هي برسيبوليس عاصمة الاخمينيين. كما ان (سلوت) التي وصل اليها سليمان في عمان هي المكان الذي ستدور فيه رحي الحرب بين قبائل الازد العربية المهاجرة بقيادة (مالك بن فهم) وبين القوات الفارسية في العهد الفرثي (170 قبل الميلاد الى 212 ميلادي). ويضيف ويلكنسون ان المؤرخين العمانيين يذكرون انه اثناء سنة الهدنة بين (مالك بن فهم) والفرس قام الفرس بتخريب الافلاج حيث يقول السالمي في التحفة: (ان الفرس في مهادنتهم تلك طمسوا انهارا كثيرة واعموها). وهذا يدل على وجود الافلاج في عمان قبل وصول الهجرات العربية اليها. ويقول ان العرب استغلوا وصانوا الافلاج, وكذلك كان الامر ايام الصراع مع الساسانيين وفي العهد الاسلامي يقول ويلكنسون ان صيانة وبناء الافلاج وتنظيم الري وامور الزراعة كانت مزدهرة مع عهد القوة والوحدة اثناء حكم الامامة الاولى والعهد الاول من الامامة اليعربية وتدهور اثناء حكم النباهنة واثناء فترات الحروب والمنازعات الاهلية. والحقيقة ان دراسة ويلكنسون وفرضياته حول افلاج عمان تحفل بالعديد من اللحمات الذكية والنظرات الثاقبة التي حاول ان يدعمها بالأدلة والبراهين من الكتابات التاريخية والفقهية والاركيولوجية, ولكنها تبقى في التحليل الاخير اجتهاد مجتهد تحتمل بعض فرضياته النقض والتصحيح من قبل باحثين آخرين لديهم ادلة مختلفة وبراهين مغايرة. ويذكر الدكتور ويلكنسون والشيخ بدر العبري تفاصيل تقسيم مياه الافلاج عن طريق البوابات التي تتحكم في فتح واغلاق القنوات الثانوية, والتقسيم الزمني القائم على اساس تحركات الشمس والنجوم وتوزيع الحصص وامور الصيانة وغيرها وهي كلها امور تدل على الابداع الجماعي للشعب العماني وقدرته الحكيمة على استغلال موارده المائية عبر القرون الطويلة الماضية بحكمة وعدالة قل ان يضارعهما مثيل في تجارب الامم القريبة. واذا تأملت خارطة المدن والمناطق العمانية العريقة تجد انها كلها تتفاخر بأفلاجها الشهيرة مثل فلج الكامل وفلج المضيرب وفلج المنجرد وفلج أفي وفلج الميسر وفلج بركة الموز وفلج دراس المشهور في نزوى الذي استمتعنا بمشاهدة جريان مياهه الحاملة للخصب والحياة والنماء في ذلك الصباح الديسمبري الجميل. وللرحلة بقية

تعليقات

تعليقات