القضية العراقية بين الانقسام العربي وأزمة النوايا: بقلم- د. شفيق ناظم الغبرا

تتميز الحالة العراقية بالسخونة الدائمة والهدوء المؤقت, وهي حالة تزداد صعوبة وتعقيداً مع مرور الوقت وذلك لتضارب السياسات الدولية والاقليمية حولها ولتضارب سياسيات العراق حول نفسه في الوقت نفسه. فمنذ ان غزا صدام حسين بجيوشه دولة الكويت, ومنذ ان اصطدم مع دول شتى للاحتفاظ بالكويت تحول العراق من قوة اقليمية الى دولة محاصرة تعاني وشعبها من ظروف اقتصادية وسياسية صعبة. ولكن الأكيد بنفس الوقت انه منذ ان غزا العراق الكويت حتى الآن لم يقم العراق بجهد حقيقي لخلق الطمأنينة بين الشعوب والدول المحيطة بالعراق. لهذا بينما يزداد التعاطف مع الشعب العراقي في محنته الصعبة نجد بنفس الوقت ان لا احد يمتلك حلا معقولا لتلك المحنة لأن الجميع في الأقليم وعلى الأخص الدول المجاورة للعراق مازالت تخشى الرئيس العراقي وامكانية ان يعود الى نفس السياسات التي ساهمت بدمار المنطقة وعدم استقرارها. بمعنى آخر هناك عقل عربي وقلب عربي ورئه عربية تتعاطف مع الشعب العراقي وترى ان محنته هي ايضا محنتها, وهناك بنفس الوقت جانب آخر من نفس العقل العربي والقلب العربي والرئه العربية ترى في أي رفع للحظر النفطي عن العراق فرصة لصدام ليؤكد انتصاره وفرصة ليعيد تهديد الدول المحيطة وليعيد احتلال الكويت أو اجزاء منها أو ليصفى الحسابات مع من وقفوا ضده وهكذا. ان الانسان العربي اليوم مقسوم الى قسمين متعارضين أولهما متعاطف مع العراق والثاني خائف منه بنفس الوقت, وهذا يفسر حركة الشارع العربي ويفسر ذهاب وفد شعبي مصري للعراق وافاق ان تتصاعد هذه التحركات. ان هذه الحالة الثنائية التعبير تتميز بارتجاجها, فبالرغم من التعاطف مع الشعب العراقي وعدم الثقة بالسياسات الدولية حول العراق نجد انه لا احد يود ان يتحمل مسؤولية ما قد يحصل من جراء التطبيع مع العراق أو رفع العقوبات الفورية عنه. فكل دولة من دول المنطقة تتذكر الرئيس العراقي وعندما كان زعيما عربياً وقوة كبيرة وتتذكر كيف وظف هذه القوة بالمغامرة والمغالاة. بل تتذكر كل الدول ان صدام وظف ما لا يقل عن مائة مليار في مشاريع لبناء برنامج اسلحة الدمار الشامل الذي يقوم اليوم بتدميره, وانه بنى كل استراتيجيته في احتلال الكويت والبقاء فيها على امكانية استخدامه للاسلحة التي هدد باستخدامها. بنفس الوقت يتذكر كل مسؤول عربي بمن فيهم المسؤولون في الكويت ذلك الوعد العراقي بعدم غزو الكويت والذي تحول الى سراب. وهذا يعني ان الثقة بالنظام غير قائمة وان الثقة لن تبنى بسهولة لأن العراق لم يضع هذا الأمر في سلم أولوياته. وتؤكد تصرفات العراق منذ عام 1991 أنه لم يبذل جهداً يذكر لاستعادة الثقة التي دمرتها الأحداث, فلم يقدم العراق على تنازل تجاه اللجنة الدولية أو الأمم المتحدة بما فيه اعترافه بالكويت وحدودها الا بعد معركة وبعد شد ورخي وبعد مصاعب جمة وبعد حشد وتهديد بالضرب وتهديد باستخدام القوة. لم يقدم العراق على سياسة انطلاقا من ان ذلك مفيد للعراق وللاقليم وللتنمية ولتخفيف محنة العراق. بل ان كل ما قام العراق به منذ عام 1991 حتى اليوم يثير الرعب بنفوس كثيرة: حرك جيشه أكثر من مرة شمالا وجنوبا, جفف مناطق كاملة في الأهوار وغير طريقة حياة سائدة هناك منذ مئات السنوات, قام بتحدي لجان التفتيش عشرات المرات, مارس سياسة اعدامات مرعبة, وفي كل هذا استمر في اتباع خطاب سياسي لايختلف في لهجته التهديدية والمقاتلة عن الخطاب السياسي الذي اتبعه ابان عام 1990- 1991. بل مازال العراق يعتبر غزوه للكويت ــ دخوله واحتلاله لا راضيها ــ دفاع عن النفس وان سبب الأزمة التي دمرت اقتصاد العراق واقتصاد دول عربية كثيرة هو اقتصادي مالي لا اكثر ولا أقل. ان الشعب العراقي بريء من كل الأعمال التي ارتكبت باسمه تماماً كما ان الشعب العربي بريء من كل الأعمال التي ارتكبها صدام حسين باسم العرب أو باسم الاسلام أو باسم القضية الفلسطينة, فكل مواطن عراقي يعاني اليوم من الدمار الذي تلحقه العقوبات وكل مواطن يعاني بنفس الوقت من الرعب الناتج عن القمع العراقي. ولكن الحقيقة المرة: لا أحد يمتلك حلا. بل لو وقف مليون عربي اليوم ونادوا بأعلى أصواتهم مطالبين بحل المشكلة لما تم حلها, وبنفس اللغة لو وقف 200 مليون عربي ونادوا بتحرير فلسطين لما تحررت بل لربما خسر العرب المزيد من الأرض ولربما وجد العراق نفسه يعاني من جراء عقوبات اضافية. المشكلة حتى الآن هي في النوايا العراقية. فحتى الآن النوايا العراقية تمنع بل تؤخر اى تقدم في أمور العقوبات, بل حتى عندما قرر العراق قبول النفط مقابل الغذاء متأخرا لعدة سنوات وكان الأمل ان يشكل هذا الأمر مدخلا لتوسيع الانتاج النفطي العراقي ومدخلا لرفع العقوبات, إلا ان العراق رفض هذا القرار من عام 1991 حتى عام ,1995 بل وعندما قبل العراق بالقرار الدولي نجده يمارسه بتردد وبسياسة ترى ان رفع العقوبات الشامل بامكانه ان يتم فجأة وبلا مقدمات. وفي هذا يخطأ العراق لان رفع العقوبات لم يتم بلا تعاون عراقي جاد مع مجلس الأمن وفي تطبيق النفط مقابل الغذاء وفي توسيعه في المرحلة المقبلة. ولو عدنا لموضوع النوايا العراقية مستندين للتاريخ الحديث للعراق لوجدنا انه يوضح الكثير انطلاقا من المواقف الراهنة والسياسات الحالية العراقية والاعلانات والطريقة التي يعالج بها العراق اليوم اعدام أربعة اردنيين أو طريقة مقتله لحسين كامل أو إعادة تأكيده على خطه العسكري, بل نلاحظ النوايا في تعينات العراق الداخلية وفي تعيناته الادارية, وفي سياساته الخارجية وسلم أولوياته, وفي طريقة معاملة الشعب العراقي واعدام الأفراد لمجرد احتمال الشك بهم في المستقبل. وبينما تتضح النوايا المصرية من خلال السياسة المصرية ومن خلال الانفتاح والاصلاح الاقتصادي, نجد انه لا يوجد شيء في المقابل يؤكد وجود نوايا سلمية في السياسة العراقية. ومن هنا سوف يبقى الملف العراقي مفتوحاً على مصراعيه طوال هذا العام, وسوف يبقى العالم العربي ينظر للعراق بعقلين وبقلبين وبرئتين واحدة متعاطفة وأخرى خائفة. والنتيجة غياب القرار الى ان يقع تغيير حاسم في الوضع العراقي: تغير جاد في السياسات الداخلية والخارجية: النوايا. قسم العلوم السياسية جامعة الكويت *

تعليقات

تعليقات