( هل يقوض الأمن (اتفاق أوسلو)عبدالقادر ياسين

ثمة ما يؤكد ان الحكومة الاسرائيلية تصورت, محقة بان (اتفاق اوسلو) قد جنب قواتها العسكرية الى الابد, مخاطر المقاومة الوطنية المسلحة في الضفة الغربية وقطاع غزة في الوقت الذي ورطت فيه سلطة الحكم الاداري الذاتي الفلسطيني المحدود في التصادم مع تلك المقاومة, ومطاردة عناصرها, واعتقالهم وقتلهم. بمعنى ان تقوم تلك السلطة بدور ملقط جمر المقاومة المسلحة الفلسطينية بما يجنب الاسرائيليين مخاطر احراق اصابعهم في مثل تلك المهمة المحفوفة بالمخاطر. لكن الحكومة الاسرائيلية اخذت تجأر بالشكوى منذ قرابة سنة من أن سلطة الحكم الذاتي لم تعد تقوم بدور ذاك الملقط, وتذرعت تلك الحكومة بهذا التقاعس كي تتلكأ في تنفيذ المرحلتين الثانية والثالثة من اعادة انتشار قواتها في الضفة الغربية على ما تنص عليه (اتفاقية اوسلو) وتوابعها. الامريكي المراوغ تعلقت الابصار بلقائي وزيرة الخارجية الامريكية مادلين اولبرايت, ببنيامين نتانياهو وياسر عرفات في باريس ولندن على التوالي يوم 18 ديسمبر الماضي. ذلك ان الهدف المعلن من هذين اللقائين كان (دفع العملية السلمية) والتعجيل بتنفيذ اسرائيل المرحلة الثانية من اعادة الانتشار في الضفة وقد تعزز وهم البعض في عدالة (الراعي الامريكي) بعد تصريح اولبرايت عشية لقائها رئيس وزراء اسرائيل بان (رغبة نتانياهو في السلام مراوغة) (نيويورك تايمز 9/12/97). فضلا عما سبق للسياسي المخضرم, وزير خارجية الولايات المتحدة الاسبق هنري كيسنجر ان قدمه من وصفة بسيطة لنتانياهو تقضي بان يقوم الاخير بمبادرته فيبلور مشروع سلام, يعلنه على الملأ, حتى لا يترك اي مجال للشك في جديته. على ان يضمن هذا المشروع حدودا امنة لاسرائيل وراء خطوط سنة 1967 وان زار كيسنجر اسرائيل بعد محاضرته تلك بعدة ايام حيث التقى وزير البنى التحتية في اسرائيل ارييل شارون وتباحث معه لساعات طويلة حول التسوية الممكنة للمشكلة الفلسطينية واطلع على خارطة شارون الامنية. هنا عن للصحفي الاسرائيلي يوسف حريف ان يتساءل (ولا نعرف ما اذا كانت خارطة كيسنجر ام لا) ! (معاريف 17/12). انها الخريطة نفسها التي عرض شارون مضمونها, اواسط ديسمبر الماضي على ولي عهد الاردن الامير الحسن ثم عرضها في واشنطن على مستشار الامن القومي للرئيس كلينتون ساندي بيرجر مما جعل سلطة الحكم الذاتي تستنتج بان ثمة تنسيقا بين الحكم الاردني وبين شارون في هذا الصدد. الامر الذي دفع الملك حسين الى ان يعاجل نتانياهو برسالة استهلها بانتقاد عرفات لانه عقد (اتفاق اوسلو) من وراء ظهر الجميع وان عاد الملك الاردني فاتهم نتانياهو ببذل الجهود الدؤوبة لتقويض اتفاقات اوسلو وضرب (التسوية السلمية) بهدف زرع الخوف من السلام في قلب المجتمع الاسرائيلي. ونفى الملك ما تردده اوساط اسرائيلية من ان قيام الدولة الفلسطينية يمس امن الاردن. واعتبر ذلك ذريعة اسرائيلية لعدم الانسحاب من الضفة الغربية ورأت رسالة الملك حسين بان اقامة المستوطنات خرق فظ للبند السادس من المادة الثانية في اتفاقية السلام مع الاردن التي شددت على ألا يتم التسبب في هجرة غير مرغوبة للناس, بما يمس امن احد الطرفين. فيما اقامة المستوطنات التي تستحوذ على الاراضي والمياه تجبر الفلسطينيين على الهجرة. وفي رسالة ضمنية الى الحكم الذاتي قال الملك ان الاردن سيواصل المطالبة بمكانته الخاصة في الاماكن المقدسة بالقدس وفي رسالة ضمنية اخرى الى شارون رفض الملك نقل سد المخيبة الى المنطقة المجردة من السلاح مع سوريا ذلك لانه يرمي الى (المساس بحقوق الاخرين) (زئيف شيف, هآرتس 17/12/97). منفعة لاسرائيل فجع الواهمون في العدالة الامريكية حين لم يتمخض اللقاءين الا عن فائدة ملموسة للطرف الاسرائيلي على حساب الطرف الفلسطيني وهي مذكرة تفاهم امني بين حكومة اسرائيل وبين سلطة الحكم الذاتي باشراف الادارة الامريكية وكفالتها وقد ضمنت المذكرة ملاحقة فاعلة للمقاومين الوطنيين الفلسطينيين لحساب اسرائيل. ومعروف بان المخابرات المركزية الامريكية من صاغ هذه المذكرة في ثلاثة عشر بندا تضمنت تبادل المعلومات عن اولئك المقاومين وتشكيل لجنة امنية مشتركة تضم ضباطا من الحكم الذاتي واسرائيل والمخابرات المركزية الامريكية تختص بمطاردة اعضاء منظمات المقاومة الوطنية الفلسطينية. الادهى ان المذكرة سرعان ما غدت اتفاقا يبيح للاجهزة الامنية الامريكية والاسرائيلية مطاردة اولئك المقاومين داخل مناطق الحكم الذاتي ايضا, اذا ما رأت اجهزة هاتين الجهتين المعاديتين بان سلطة الحكم الذاتي مقصرة في مطاردة اولئك المقاومين واعتقالهم وقتلهم. ناهيك عما تضمنه ذلك الاتفاق الامني من الزام سلطة الحكم الذاتي بمنع أية انشطة سياسية معادية للصهيونية او كيانها. رغم هذا كله صرح امين عام رئاسة الحكم الذاتي طيب عبدالرحيم بان (الاتفاق مقبول, ويحفظ المصالح الفلسطينية) ! في اليوم التالي لتوقيع الاتفاق اسرت اولبرايت الى زعماء المنظمات اليهودية الامريكية الذين التقتهم بان (على عرفات الوفاء بالتزاماته الامنية والا فلينس المرحلة الثانية من اعادة الانتشار) ! وجاءت بادرة تدليل نتانياهو هذه بعد ان كان الرئيس الامريكي بيل كلينتون قد اوضح لرئيس المنظمات اليهودية الامريكية بان كلينتون كان التقى نتانياهو خمس مرات خلال العام 1997 بما يزيد على اي زعيم في العالم قابله كلينتون في اعتذار مبطن عن تهرب الرئيس الامريكي من لقاء رئيس الوزراء الاسرائيلي حين كان الاخير في الولايات المتحدة اواسط نوفمبر الماضي. ما ان نشرت رسالة الرئيس الامريكي تلك حتى سارع نتانياهو الى شن هجومه على كلينتون شخصيا فأعلن: (لن ننتحر لارضاء شخص ما) ! لم يكن هذا (الشخص) سوى الرئيس الامريكي الذي سبق لبعض مستشاريه ان زين له ممارسة الضغط على نتانياهو عبر تصريحات لا تحبذ اداء نتانياهو ازاء المسار الفلسطيني في المفاوضات فضلا عن اعتذار كلينتون عن عدم لقاء نتانياهو الذي تأذى من هذا كله خاصة انه جاءه في عز المشاكل التي نهشت شعبيته داخل اسرائيل. فمن الضائقة الاقتصادية المتفاقمة الى تصدعات حزبه (الليكود) ناهيك عن الاهتزازات الجدية في ائتلافه الحاكم. ثمة شخصيات امريكية مطلعة على اسرار الادارة الامريكية في واشنطن نصحت نتانياهو بعدم الاستسلام لضغوط كلينتون على غرار ما سبق ان حدث مع رئيسة وزراء اسرائيل قبل سبعة وعشرين سنة وبضعة اشهر جولدا مائير حين تقدم وزير الخارجية الامريكية وليم روجرز بمبادرته الشهيرة صيف 1970 لتسوية الصراع العربي ــ الاسرائيلي عندها جاء من همس في اذن مائير من رجال البيت الابيض عن صراعات محتدمة داخل الادارة الامريكية مع معارضة مكتومة لمبادرة روجرز مما جعل رئيسة وزراء اسرائيل تطير ــ من فورها ــ الى واشنطن وتفتح النار على روجرز ومبادرته ومائير بعد على سلم الطائرة في المطار الامريكي. مزيد من التشدد حتى لا يظن الاسرائيليون بأن حكومتهم مقبلة على تقديم تنازل في مقابل هذا الاتفاق الامني الذي يعتبر بحق تنازلا مجانيا تقدمه سلطة الحكم الذاتي فان نتانياهو سارع الى القاء خطبة اكد فيها بانه (في التسوية الدائمة سنحافظ على المستوطنات ونطورها) مشددا (لن نمس اية مستوطنة فهذه مصلحة قومية فنحن لسنا في ارض غريبة, علينا ان نتخلص منها فلسنا لصوصا حتى نغادرها خلسة) ولم ينه رئيس وزراء اسرائيل خطبته تلك قبل ان يقطع بأن (القدس موحدة عاصمة ابدية لاسرائيل) (الصحف الاسرائيلية 22/12/97). بذلك انهى نتانياهو كل لبس اعترى منتظري التسوية من حكومته كما قطع الطريق على ما اثارته تصريحات رئيس الائتلاف البرلماني الحاكم مئير شطريت والتي اشار فيها الى انه (سيتم تفكيك مستوطنات في التسوية النهائية) مما جعل حليف الليكود حزب المفدال يهدد ــ على لسان حنان بورات ــ بعدم التعاون مع الليكود اذا لم يستبدل شطريت في موقعه من رئاسة الائتلاف البرلماني للحكومة. (الصحف الاسرائيلية 22/12/97). الورطة حين طرحت المذكرة الاتفاق على الكنيست من اجل اقرارها (24/12) انطلق اطراف من الائتلاف الحكومي ينددون بها لانها تتضمن ملاحقة الاسرائيليين الذين يعتدون على فلسطينيين فيجرحونهم ويقتلونهم هنا تراجع نتانياهو محملا مسؤولية عقد الاتفاق لرئيس التخطيط في الجيش شلومو يناي فخرج احد قادة (العمل) حاييم رامون متهما نتانياهو (اطلقت النار على شلومو يناي من الخلف) . في اليوم التالي رأى الكاتب السياسي الاسرائيلي اورن شاحور بان المذكرة لا الاتفاق (تكشف عن مدى تخبط المستوى الرفيع السياسي (الاسرائيلي) في مجال التفاوض. ومن جهة اخرى تكشف عن الخلل فيما يقدمه المستوى السياسي للمستوى الامني... لقد جر (الاول) المستوى الامني الى مسائل سياسية لا شأن له بها, بينما قصد المستوى الامني دفع الشؤون الامنية الى الامام) . (معاريف 25/12/97). لقد وقع نتانياهو في ورطة ادخلته في حلقة مفرغة حيث حاول ان يلتزم بأداء رجل دولة ليبدو مرنا في تعامله مع الصراع العربي ــ الاسرائيلي عموما وفي المسار الفلسطيني على وجه الخصوص على نحو اثار قلق شركائه في الائتلاف الحكومي فهددوه بالخروج من الائتلاف وترك الحكومة تسقط وهي المستندة الى اغلبية ضئيلة هشة حيث يكفي ان يصوت ثلاثة نواب من الائتلاف الحاكم الى جانب المعارضة في الكنيست حتى تتقوض الحكومة, ومع الحاح هذا الهاجس على رئيس وزراء اسرائيل كان يعود الى تشدده طمعا في لم شمل الائتلاف الحكومي فضلا عن ارضاء الشارع الاسرائيلي الذي اشتد سخطه مع استفحال الضائقة الاقتصادية في اسرائيل. وبعد فحتى لو حدث ومرت خارطة وزير الدفاع الاسرائيلي اسحق مردخاي الاقل اساءة للطموحات الفلسطينية, فالفلسطينيون لن يقبلوا بأقل مما اقترحه عليهم (يوسي) بيلين ورفاقه في اوسلو وما يقترحه عليهم اليوم بوضوح شيمون بيريز اي الدولة الفلسطينية المستقلة, على حد مقال الكاتب السياسي الاسرائيلي يوسف حريف (معاريف 17/12/97) ما جعل كاتبا اسرائيليا اخر هو يوسي اولمرت يرجح ان يكون التبكير باجراء الانتخابات النيابية خير مخرج لنتانياهو من هذه الورطة. (يديعوت احرونوت 18/12/97). كاتب فلسطيني *

تعليقات

تعليقات