واشنطن تذكر باستراتيجيتها.. وذنوبها:رياض أبو ملحم

مثلت القمة الخليجية الاخيرة فرصة مناسبة لتعيد فيها الولايات المتحدة تأكيد الأسس التي تقوم عليها استراتيجيتها في منطق الشرق الاوسط . لقد جاء التأكيد الامريكي في أوضح صورة ممكنة, بل في أسوأ صيغة, الأمر الذي يعكس, في نظر المحللين, القلق الذي يستبد بالادارة الامريكية من احتمالات انهيار استراتيجيتها في المنطقة بعد تعرضها لسلسلة من التصدعات خلال الآونة الأخيرة. فالاستراتيجية الامريكية التي جرى تطبيقها في المنطقة منذ مطلع التسعينات تستند الى ركيزتين اساسيتين: الاولى, وجود امريكي مباشر ودائم في منطقة الخليج العربي ينشأ عنه ما اصطلح على تسميته بسياسة (الاحتواء المزدوج) بالنسبة للقوتين الكبيرتين في المنطقة وهما العراق وايران, كما يصبح امن المنطقة مرتبطا ارتباطا كاملا بهذا الوجود العسكري, والركيزة الثانية, تحقيق تسوية للقضية الفلسطينية يذوب فيها الصراع العربي ــ الاسرائيلي وتصبح اسرائيل نتيجتها القوة المهيمنة في هذا الجزء من المنطقة. بيد أن هذه الاستراتيجية كانت تعاني من خلل اساسي فيها يتمثل في افتقارها الى مبدأ التوازن الذي من دونه لا يتحقق الاستقرار المطلوب, واذا كان تنفيذ هذه الاستراتيجية قد اتسم بزخم واضح في اعقاب حرب الخليج الثانية, فليس ذلك فقط بسبب تكريس الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة في العالم من جراء سقوط نظام القطبية الثنائية, وانما ايضا تحت تأثير الاعتقاد, او الهم, بأن واشنطن قد تصبح اكثر استعدادا لاتخاذ مواقف من بعض القضايا العالمية تنطوي على قدر كاف من الحياد والموضوعية والتوازن نظرا لاختفاء الجهة المنافسة لها على المستوى الدولي. صحيح أن مثل هذه المراهنة تقيم وزنا اكبر للعامل الاخلاقي, وهو أمر لا مكان له في الحسابات السياسية, لكن الشعارات الكبيرة المرفوعة من نوع: (النظام العالمي الجديد) و(حقوق الانسان) , و(الانفتاح الديمقراطي) , و(العدالة) .. الخ.. بدت وكأنها يمكن ان تكون بمثابة فرحة, حتى لاصحابها, للافادة منها عبر توظيفها من اجل وضع حلول جيدة لبعض المشاكل العالمية العالقة. غير أن هذه المراهنات لم تتجاوز لدى اصحابها حدود الوهم, كما لم تتجاوز المبادىء الاخلاقية المعلنة, كعناوين للحقبة العالمية الجديدة, حدود الشعارات المرفوعة. واذ بالسياسات الامريكية تتحول الى نوع جديد من التسلط وتغليب عامل المصلحة الذاتية على جميع العوامل الاخرى, وقد تجلى ذلك على نحو صارخ عبر الوسائل الامريكية المباشرة, او من خلال استخدام الآليات التي توفرها المؤسسات الدولية. كان من نتيجة هذا الخلل ــ على صعيد منطقة الشرق الاوسط ــ تعرض القاعدة الاولى للاستراتيجية الامريكية لسلسلة من الاهتزازات المتواصلة ما تزال مستمرة حتى الآن. فقد وصلت التسوية السلمية الى طريق مسدود, وانهارت احلام تحويل منطقة الشرق الاوسط الى بحيرة سلام, واختفت كل المشاريع المرتبطة بها وفي مقدمتها مشروع السوق الشرق اوسطية. وظل الاحتلال الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية والعربية هو الحقيقة الوحيدة القائمة. وعلى الرغم مما يذهب اليه الكثيرون من ان مسؤولية هذا الانهيار تقع على عاتق الحكومة الاسرائيلية وحدها, الا ان الوقائع المادية تثبت ان الادارة الامريكية تتحمل مسؤولية اكبر في ما آلت اليه الامور نتيجة لتأييدها الاعمى لكل ما تفعله اسرائيل, في حين كان عليها ان تتخذ موقفا حياديا يفرضه دورها كراع وحيد للتسوية السلمية وكضامن لكل الاتفاقات المعقودة ولمختلف الالتزامات الناشئة عن مؤتمر مدريد. وإزاء ذلك كان من الطبيعي ان تنحسر محاولات التطبيع العربي ــ الاسرائيلي التي قادتها واشنطن باصرار بلغ حد ممارسة الضغط المباشر على الاطراف المعنية. وبرغم كل هذا فقد عجزت الادارة الامريكية عن حمل الدول العربية على حضور مؤتمر الدوحة الاقتصادي, وكان ذلك بمثابة اعلان واضح عن سقوط آخر وسائط التطبيع المستخدمة منذ مطلع التسعينات. وبدلا من ان تعمد الادارة الامريكية الى اصلاح ما افسدته, هي واسرائيل بالقدر نفسه, لجأت الى تشجيع التحالف الاستراتيجي التركي ــ الاسرائيلي ودعمه بجميع الوسائل الممكنة من اجل ممارسة مزيد من الضغط على الاطراف العربية التي مازالت ترفض الخضوع للشروط الاسرائيلية. ولعل من شأن هذا التوجه إعادة المنطقة الى أجواء الحرب الباردة وفتح الباب امام سباق التسلح. فالدول العربية تشعر بأنها تواجه مزيدا من التهديد والاخطار التي يشكلها التوسع الاستيطاني الاسرائيلي اولا ثم العامل الجديد المضاف اليه وهو التحالف الاسرائيلي ــ التركي. ومن الواضح ان الاسلوب التركي في معالجة المشاكل المتصلة بحقوق الانسان ووضع بعض الكتل السكانية الرئيسية لا يختلف عن الاسلوب الاسرائيلي, وربما يكون احد دوافع التحالف تبادل الخبرات بين طرفي التحالف في هذا المجال وغيره. كذلك فقد واجهت القاعدة الثانية للاستراتيجية الامريكية, وهي (الاحتواء المزدوج) لكل من العراق وايران, وضعا مماثلا بعد ما تبين ان الهدف الحقيقي من وراء هذه السياسة هو اطالة امد الازمة لمنع قيام اي تعاون بين دول المنطقة قد يؤدي الى الاستغناء عن خدمات الولايات المتحدة الامنية, ففيما يتعلق بايران واجه الاحتواء الامريكي لها فشلا مزدوجا على الصعيدين الدولي والاقليمي, اذ استطاعت طهران خلال هذه المرحلة توسيع نطاق علاقاتها الدولية, ولم ينفع قانون (داماتو) الشهير في منع الشركات العالمية من التعامل مع ايران برغم العقوبات التي ينص عليها, وعلى المستوى الاقليمي نجحت طهران في فتح الباب امام علاقات انفتاحية جديدة لا سيما بعد انتخاب محمد خاتمي رئيسا للجمهورية الاسلامية, وقد تجلى ذلك بوضوح خلال القمة الاسلامية الثامنة التي انعقدت مؤخرا في العاصمة الايرانية, واذا نجحت المساعي المبذولة حاليا لتسوية النزاع القائم بين دولة الامارات العربية المتحدة وايران بسبب احتلال الجزر الاماراتية الثلاث, (طنب الصغرى وطنب الكبرى وابوموسى) فان العلاقات الايرانية ــ العربية مرشحة لان تشهد مزيدا من التعاون والانفتاح على اساس انتفاء عامل التهديد الذي كان الوضع الايراني يشكله في اوقات سابقة, وانطلاقا من حقيقة ان امن الخليج ينبغي ان يكون من مسؤولية دوله نفسها وليس عبر اي طرف خارجي. اما بالنسبة للعراق فان ثمة عاملين لا يزالان يتجاذبان الموقف الاقليمي والدولي ازاءه, العامل الاولى يتمثل في معاناة الشعب العراقي وظروفه الراهنة غير الانسانية, وهو ما يفرض وضع حد له من خلال اجراءات ملموسة لا يتوقف تقديرها عند حدود الحسابات السياسية ومقتضياتها, والعامل الثاني يتمثل في مسألة القرارات الدولية المتعلقة بالحكومة العراقية وضرورة تنفيذها سواء ما يتعلق منها بموضوع برامج التسلح او بالقضايا الناشئة عن اجتياح الكويت وحرب الخليج الثانية بصورة عامة, على ان الامر الذي يقوم شبه اجماع حوله هو معارضة توجيه ضربة عسكرية جديدة الى العراق لن يكون من شأنها سوى اطالة امد معاناة الشعب العراقي, وتعميق الجرح المفتوح داخل الجسم العربي, ثم تقديم تبريرات لاستمرار الوجود العسكري الامريكي في الخليج دون ان تكون ثمة حاجة فعلية لذلك. ان السياسات التي تعتمدها الولايات المتحدة تجاه الصراع العربي ــ الاسرائيلي كذلك تجاه الوضع الخليجي, تقدم ادلة جديدة على نهج الكيل بمكيالين, فهي تشجع اسرائيل على التمادي في سياستها التوسعية تجاه الاراضي العربية, وتفعل شيئا مماثلا ازاء الغزو التركي المتمادي للشمال العراقي, متجاهلة بذلك الشرعية الدولية وقراراتها ومبادئها بينما تحاول ان تظهر في مظهر مختلف في منطقة اقليمية مجاورة وازاء ازدواجية المعايير هذه كان من الطبيعي ان تفقد الولايات المتحدة مصداقيتها وهو الواقع الذي تواجهه فعليا منذ سنوات. ان لجوء الادارة الامريكية الى التذكير بأسس سياستها في المنطقة هو تذكير في الوقت نفسه بالذنوب الامريكية الكثيرة والتي ما يزال ارتكابها يشكل نهجا ثابتا للولايات المتحدة, لا سيما ازاء الدول العربية فكيف تطلب واشنطن من الدول العربية, خليجية كانت او غير خليجية ان تكون ضد نفسها وضد مصالحها وضد استقرارها؟!

تعليقات

تعليقات