أزمة الباحث العلمي في الوطن العربي - بقلم الدكتور محمد قيراط1

يعتبر البحث العلمي من المقاييس العلمية التي ينظر إليها لقياس مدى تقدم أمة أو تأخرها والبحث العلمي ينتج العلم والمعرفة والمعلومات أي المدخلات الرئيسية والأساسية في اتخاذ القرار السليم والرشيد, وأصبح البحث العلمي ونحن على مشارف القرن الحادي والعشرين - عصر العولمة وثورة المعلومات - هو المحدد الرئيسي للقوى الفاعلة على المستوى العالمي, فمن ينتج المعرفة والمعلومة يستطيع أن يجد لنفسه مكانا في النظام الدولي الجديد ومن لاينتج المعرفة فمحكوم عليه بالتبعية والتخلف, ما واقع البحث العلمي في العالم العربي سواء على مستوى الجامعات أو على المستوى المؤسساتي الحكومي؟ وماهي العلاقة بين البحث العلمي وعملية صنع القرار في العالم العربي؟ وماهي العلاقة بين الباحث وصانع القرار؟ وماهي العلاقة بين السلطة والمثقفين في الوطن العربي؟ وماهي العلاقة بين تردي أوضاع البحث العلمي في العالم العربي وهجرة العقول ونزيف الباحثين والأساتذة إلى الغرب؟ نحاول من خلال هذا المقال الإجابة على هذه الأسئلة وإلقاء الضوء على إشكالية مهمة جداً لم تأخذ حقها كما ينبغي من السلطة والحكومات والمسؤولين في الوطن العربي. واقع البحث العلمي في الوطن العربي يعاني البحث العلمي في الوطن العربي من مشاكل عويصة ومعقدة بعضها يرجع إلى المشاكل الموضوعية والوظيفية المنتشرة في المجتمع والبعض الآخر يتعلق بالجوانب الثقافية والحضارية وبعضها يرجع أساساً إلى انعدام المجتمع المدني وعدم اقتناع صانع القرار بضرورة الرجوع إلى المعطيات والبيانات العلمية لاتخاذ القرار السليم والرشيد. فالمقصود بالعلم هو الوصول إلى وضع قوانين ونظريات تساعدنا على فهم الواقع وبذلك التحكم فيه, فكلما توفرت لدينا معطيات علمية وبيانات حول مشكلة نعيشها كلما اقتربنا من فهمها والتحكم فيها والسيطرة عليها وكلما غابت المعطيات العلمية حول هذه المشكلة كلما تفاقمت وتضاعفت وصعب التحكم فيها. نلاحظ في الوطن العربي قلة مراكز البحث مقارنة مع الدول المتقدمة وانعدام هذه المراكز داخل الجامعات ومؤسسات التعليم العالي, تشير آخر الاحصائيات أن عدد مراكز البحث في الوطن العربي وصل الى 375 يعمل بها 31118 عالم وباحث أي بمعدل 1.7 باحث لكل عشرة آلاف عامل من اليد العاملة, وهذه نسبة ضئيلة جداً لا تكاد تذكر إذا قارناها بالدول المتقدمة مثل الولايات المتحدة الأمريكية 66 واليابان 58 وبريطانيا ,36 وهذا يعني أن البحث العلمي في الوطن العربي ما زال مهمشا ولم يأخذ نصيبه كما ينبغي, أما عن موقع البحث العلمي العربي في الخارطة العالمية فإنه لايمثل سوى 1.7% من الإنتاج العلمي العالمي, وهذا يعني أن مدخلات المعرفة العربية والمعلومة العربية على المستوى الدولي لا تساوي شيئًا يذكر. واقع البحث العلمي في الجامعات العربية وتتضح ركاكة البحث العلمي وضعفه في الجامعات العربية ومؤسسات التعليم العالي حيث يتمثل الشغل الشاغل لمعظم هذه الجامعات في التدريس وتلقين المعلومات للطالب في غالب الأحيان عن مراجع وكتب دراسية غربية, ويأتي البحث العلمي والإنتاج المعرفي آخر قائمة اهتمامات الجامعة وهنا نلاحظ سلسلة من التناقضات والنقائص نلخصها فيما يلي: 1- ضعف المكتبات ومصادر المعرفة والبحث العلمي والمرافق والتسهيلات اللازمة, حيث أن الجامعة العربية لاتستثمر في ايجاد مكتبات تضاهي المكتبات المعروفة على المستوى العالمي, وفي معظم الأحيان تفتقد هذه المكتبات لأهم الدوريات والمجلات المتخصصة التي يكون الباحث في أمس الحاجة إليها للبقاء على الاتصال بآخر التطورات العالمية التي تحدث في اختصاصه. 2- انعدام الوقت الكافي للقيام بالبحث العلمي حيث ان العبء التدريسي اضافة الى المشاكل البيروقراطية التي تتفنن فيها معظم الجامعات العربية تبعد عضو هيئة التدريس على كل ما هو بحث علمي. 3- انعدام السياسة البحثية داخل الجامعة وتركيزها على التدريس يصعب من مهمة عضو هيئة التدريس أو الباحث فالجامعة العربية يتمثل همها الرئيسي في الاستجابة للأعداد المتزايدة سنة بعد سنة للطلبة, حيث ان اهتمامها بخدمة العلم والمعرفة يأتي في آخر الأولويات, وهكذا تكون مساهمتها في خدمة التنمية الشاملة في البلاد محدودة. 4- انعدام مراكز ومكاتب الأبحاث داخل الأقسام والكليات في الجامعات العربية يجعل المسافة بعيدة بين عضو هيئة التدريس والبحث العلمي, البحث العلمي له شروطه ومستلزماته ومناخه وإذا غابت هذه الشروط انعدم معها البحث العلمي. 5- انعدام سياسة محكمة ما بين الجامعة والمجتمع بمختلف مؤسساته ومكوناته, وخاصة القطاع الخاص فيما يخص تمويل البحوث العلمية وإشراك الجامعة في دراسة مشاكل المجتمع في مختلف الميادين. هذه القطيعة تؤدي إلى ضعف التمويل على مستوى البحث العلمي وهذا ينعكس بالسلب على الإقبال من قبل المنظومة الجامعية على دراسة المشاكل المختلفة للمجتمع. والغريب في الأمر أن القطاع الخاص وحتى الحكومي يلجأ في الكثير من الأحيان إلى خبراء وباحثين أجانب لإجراء بعض الاستشارات والدراسات رغم وجود هذه الكفاءات على مستوى أبناء الوطن وفي أرض الوطن, هذا نوع من التغريب يؤدي إلى تهميش الكفاءات الوطنية وقتل مواهبهم وقدراتهم. 6- تبعية الجامعة لأنظمة وأساليب مستوردة فيما يخص البرامج والمحتوى والطرق. 7- عدم مواكبة الجامعة العربية للتطورات التي تحدث على المستوى العالمي وعدم استجابتها للزيادة المذهلة لعدد الطلبة كل سنة, فالأعداد تزيد والمرافق والتجهيزات والميزانية تستقر على حالها. 8- ضعف ميزانية البحث العلمي وفي بعض الأحيان انعدامه في الجامعات العربية, وحتى إذا توفر فإنه يكون محدودا ويجب المرور بإجراءات بيروقراطية عقيمة للحصول عليه. 9- يتركز الهدف من البحث العلمي في الجامعة العربية حول الترقية ونادرا ما نجد دافع الرغبة في زيادة المعرفة العلمية أو خدمة المجتمع والتفاعل مع مختلف مؤسساته, وهذا نظرا كما ذكرنا سالفا لانعدام آليات تنمي العلاقة ما بين الباحث والمؤسسة. 10- قلة أو انعدام المجلات المتخصصة ذات المستوى الجيد في معظم الجامعات العربية حتى يتسنى للباحث العربي أن ينشر فيها, فالباحث العربي يعاني من هذا النقص وفي الكثير من الأحيان يلجأ إلى النشر في مجلات أجنبية بلغة ليست لغته الأصلية. 11- انعدام إطار إداري وتنظيمي وتشريعي للبحث العلمي في الجامعة العربية وهذا يؤدي إلى تهميش البحث العلمي وتجريده من قيمته الحقيقية. 12- انعدام ثقافة البحث العلمي في معظم المجتمعات العربية خاصة فيما يخص العلوم الإنسانية والاجتماعية, حيث ان تجاوب المجتمع مع الباحث ومع البحث العلمي تكسبه نوعا من النفور وعدم المشاركة أو التشكيك في أهداف الدراسة وفي الكثير من الأحيان عدم الاعتراف بالبحث العلمي ونتائجه وهذا من شأنه أن يعيق الباحث ويفضي على طموحاته وإرادته فمعظم المؤسسات الخاصة أو الحكومية تنظر للبحث العلمي على أساس أنه تجسس أو استقصاء قد يؤدي إلى مشاكل, وهذه المواقف كلها ناجمة عن انعدام ثقافة البحث العلمي في وطننا العربي إضافة إلى ما سبق صاحب القرار في الوطن العربي يؤمن بتخمينه وبحدسه ويفضلهما على البحث العلمي والمعطيات العلمية الناتجة عن البحث والاستقصاء عندما يتعلق الأمر باتخاذ القرار. 13- انعدام حرية الفكر والإبداع وتوجيه البحوث في اتجاهات معينة لخدمة الخطاب السياسي السائد ولخدمة السلطة. واقع البحث العلمي على المستوى الحكومي تتميز معظم مراكز البحث العلمي الحكومية ببيروقراطيتها وخضوعها الأعمى للسلطة وهذا من شأنه أن يقضي على البحث العلمي في المهد, فهذه المراكز تتميز بإدارة ضخمة وفي الكثير من الأحيان بناس لا علاقة لهم بالبحث العلمي وإنما اختيروا نظرا لانتمائهم السياسي أو لاعتبارات أخرى, وأهداف هذه المراكز تمتزج بين الوصول إلى المعرفة العلمية بكل نزاهة وموضوعية من جهة وإرضاء السلطة بتقديم تقارير ونتائج تتفق مع اتجاهاتها وتمنياتها, كما تتحدد مهام هذه المراكز فيما تريده الجهة التابعة لها وفي أوقات الأزمات وعند الحاجة إلى بعض المعطيات مما يجعل هذه المراكز عقيمة لاتحاول أن تسبق الأحداث وتكون لمستخدميها أو لصاحبها أو للمجتمع ككل بنكاً معلوماتياً يفيد الجميع في أوقات الأزمات وفي الأوقات العادية. ونظرا لانعدام ثقافة البحث العلمي ولعدم قناعة صاحب القرار بالاعتماد على البحوث العلمية ونتائجها لاتخاذ قراراته فنجد أن هذه المراكز البحثية هي اسم على مسمى أكثر من شيء آخر, والمهم هنا يكمن في الجوهر وفي القناعة وليس في الشكل, وحتى الباحث الذي يعمل في مثل هذه المراكز يجد نفسه مغترباً ومهمشاً حيث انه يقتنع في نهاية المطاف أن وجوده شكلي وعمله لايمثل أي شيء بالنسبة للآخرين. العلاقة بين البحث العلمي واتخاذ القرار يستند القرار السليم والرشيد في المجتمعات الديمقراطية ويعتمد على الدراسات والأبحاث العلمية والمعطيات والبيانات الصادرة عنها, وهكذا نجد أن هذه المجتمعات تحاول أن تعرف كل كبيرة وصغيرة حول مجتمعاتها ومختلف الشرائح والفئات الموجودة بها, ونلاحظ هنا أن مؤسسات عريقة وشخصيات صاحبة الجاه والشأن تخصص أموالا كبيرة للقيام بهذه المهمة في المجتمع, وإذا قمنا هنا بمقارنة بسيطة بين الدول المتقدمة والدول العربية لوجدنا أن الأولى تنفق 111 دولاراً سنويا على الفرد في مجال البحث العلمي بينما تنفق الدول العربية دولارين فقط على الفرد الواحد, ونلاحظ في الأنظمة الشمولية أو السلطوية عدم الاهتمام بجانب البحث العلمي والتراث المعرفي في اتخاذ القرار لأن صاحب القرار لديه مرتكزات خاصة به يعتمد عليها في اتخاذه أي قرار ونلاحظ هنا الثقافة الشخصانية التي تنتشر في مثل هذه الأنظمة, ونلاحظ هنا وجود ثلاثة أنظمة تحدد علاقة صاحب القرار بالباحث (المستشار أو خبير السلطة) ففي النموذج البيروقراطي يعتبر الباحث مجرد موظف ومنفذ لأوامر صاحب القرار وبذلك فإنه يدمج ويصبح جزءًا من الآلة الحكومية, وتصبح مهمته هنا تبرير تصرفات السلطة من خلال البحث العلمي أكثر من الوصول إلى الحقائق والمعرفة بكل موضوعية ونزاهة, الباحث أو المستشار ينفذ ما هو مطلوب منه وبما يرضي صانع القرار, ودوره هنا يكون محدوداً بعيداً عن الإبداع وحرية الفكر والرأي. أما النموذج الشخصي فيعتمد من خلاله صاحب القرار على شخص معين كمستشار له يثق فيه ويؤمن بما يقدمه له من استشارات ودراسات وهذه الآلية شخصية بطبيعة الحال تزول بزوال أحد الطرفين وليست قائمة على أساس مؤسساتي محكم, أما النموذج العائلي فيقوم على أساس اختيار صاحب القرار السياسي مستشاريه من العائلة, في النموذج شبه الديمقراطي يستعين صانع القرار لفترة معينة ببعض الخبراء والمختصين لفترة معينة حول مواضيع محددة ويكون تأثير الخبير في هذه الحالة تأثيرا محدوداً, أما النموذج الدكتاتوري وهو أسوأ نموذج عرفته الدول العربية هو ذلك النموذج الذي يلعب فيه الخبير أو المستشار أو الباحث دور الديماجوجي الذي يزيف الحقائق ويعمل على تجنيد الجماهير وتعبئتهم سياسيا لتبني أفكار واطروحات صاحب القرار السياسي ومن خلال النماذج السالفة الذكر والموجودة في الدول العربية بدرجات متفاوتة نلاحظ أن دور الباحث أو خبير السلطة محدود وتتراوح درجة المحدودية من نموذج إلى آخر حسب المناخ السياسي العام المجود في البلد, لكن على العموم يبقى صاحب القرار هو الفاعل الرئيسي حيث الطبيعة الشخصانية التي تتميز بها عملية صنع القرار السياسي في الوطن العربي. نخلص إلى القول أن العلاقة بين الباحث وصانع القرار في الوطن العربي تكتنفها مجموعة من الصعوبات والمشاكل الناجمة عن عدم قناعة صانع القرار بالباحث وبإيمانه الراسخ أن كل شيء يجب أن يصدر من عنده وحسب قناعته وأنه هو على صواب وكل شيء يأتي من الآخرين يكون على خطأ, كذلك ترجع هذه المعوقات إلى انعدام الثقافة الديمقراطية والتشاور والتداول في اتخاذ مختلف القرارات مما يؤدي إلى عدم استغلال وتوظيف هذه العلاقة - علاقة صاحب القرار بالباحث - لخدمة الآلة السياسية في الأقطار العربية. جامعة الامارات قسم الاتصال الجماهيري *

تعليقات

تعليقات