نحو الأصغر والأجدى والأجمل:بقلم- محمد الخولي

(وكما كان الديناصور بالغ الضخامة.. فقد كان محدود الذكاء الى حد ان تجاوزاته نواميس التطور من حيث الاستمرار والقدرة على التكيف والارتقاء .. هكذا اختفى الديناصور فيما ظلت النملة والنحلة وغيرهما من الكائنات الصغيرة والدقيقة تواصل وجودها ــ بمقتضى تلك النواميس, فوق ظهر كوكب الارض..) انقضى نحو عشرين عاما منذ اطلق المفكر الامريكي من اصل الماني (شوماخر) دعوته التي اوردها في كتاب اصدره بعنوان (الاصغر هو الاجمل) وتمثلت في التصدي لتيار الانتاج الجمعى والتعامل على اساس الاحجام الضخمة سواء في مجالات السلع المادية او مجالات الانتاج الفكري والثقافي والاعلامي. وقد تطرقنا بالعرض والتحليل لهذه الدعوة في كتاب لنا اصدرته مؤسسة البيان في مطلع التسعينات تحت عنوان (قضايا وافكار معاصرة) , ورغم ان دعوة المفكر الامريكي الى (تصغير) حياتنا او بالادق التحذير من الاغراق والامعان في اتباع نطق الضخامة في الانتاج والخدمات, المصانع البالغة الضخامة, محطات الطاقة العملاقة, شبكات الطرق الواسعة النطاق والشديدة التعقيد الانتاج الجمعى الكثيف في مجالات الاعلام والثقافة تحت شعارات من قبيل (كتاب كل ست ساعات) او 24 ساعة تشغيل لارسال الراديو او التليفزيون, هذا الشعار الذي يتمحور حول (افعل التفضيل) حيث (اضخم) مؤسسة, و(اكبر) حجم للمنتجات واهم منطقة صناعية.. الخ, تقول رغم ان هذه الدعوة لم تكن لتلقى استجابة واسعة النطاق وسط تيار التكبير والتضخيم الذي كان مقترنا في اذهان الاختصاصيين برفع الكفاءة وتحقيق (وفورات الحجم) ــ الا ان الامور عادت فيما يبدو, لتجدد الدعوة الى المشاريع الصغيرة, لا لمجرد الشغف بالتصغير الذي استخدمه بلغاء العربية من اجل التدليل, ناهيك عن التصغير الذي عمد الى استخدامه لاغراض كيد الحاسدين او تحقيرهم, شاعرنا الاكبر المتنبي بل لان المشاريع الصغيرة بدأت تثبت جدواها الاقتصادية من حيث كونها بسيطة وتستدعى الاهتمام الشديد والعميق من جانب القائمين عليها ولاسيما من الطبقات الفقيرة او المحرومة او المحدودة الامكانات في مجتمع ما, فضلا عن انها تؤدي كما يقول المنطق المستحدث الى ما اصبح يوصف بانه (تمكين الفرد) بحق تزويد الفرد, وخاصة في المجتمعات النامية بالسبل والامكانات, وهي بسيطة, وغير معقدة اساسا, التي تتيح له المشاركة الفاعلة والكفؤة في النشاط الاقتصادي للجماعة البشرية ككل. في هذا الاطار بدأ تصاعد الدعوة التي تشهدها السنوات الاخيرة من هذا القرن الى الا تلجأ الاقطار النامية الى نموذج النمو والتقدم الذي احرزته البلدان الصناعية المتقدمة في شمال العالم فتعمد الى تقليده حرفيا او محاكاته حذو النعل بالنعل او وقع الحافر على الحافر كما كان يقول النقاد العرب الاقدمون. التقليد بداية, وبداهة, امر مرفوض او هو امر منقوص لانه, تجاهل اختلاف الظروف والاحوال كما وكيفا بين مجتمع وآخر وخاصة من حيث اختلاف الثقافة السائدة والاعراف المتبعة والتقاليد الحياتية, السلوكية السائدة بين ظهراني اي مجتمع, والتقليد ايضا عليه بغير جذور حتى ولو انت في بداياتها بقدر من النتائج او الثمرات الا انها تظل مرتهنة دائما باستمرار ظروف النجاح التي عاشت فيها ومن ثم تظل معرضة للفشل او التحجيم ومن ثم الاحباط والاندثار مع اي تغيير يطرأ على تلك الظروف (انظر مثلا الى الدروس المستفادة من تجربة محمد علي الكبير في مصر وقد دامت نحو ربع قرن بين عشرينات واربعينات القرن الماضي ثم اطاحت بها انواء السياسة ومؤامرات الدول الكبرى, انجلترا بالذات, فكان ان اغلقت المصانع والمدارس والمعامل والمؤسسات التي انشأها محمد علي في تجربة للتحديث والتصنيع جاءت يومها على غرار تجارب فرنسا واوروبا الغربية بشكل عام. لقد بدأ العالم, وخاصة منذ سبعينات القرن الحالي, يدرك معنى محدودية الموارد المتاحة لسكان كوكب الارض ومن يومها بدأت تتردد ثم تشيع تعبيرات محذرة ومنذرة من قبيل نضوب الموارد والدعوة الى استكشاف الموارد القابلة للتجدد والى اعادة تدوير الموارد, بمعنى تهيئتها وتكييفها بغرض اعادة استخدامها فضلا عن الدعوة الى الحد من الفواقد والى صون الموارد وحفظها عن بقية الاهدار والتبديد... الخ. صحيح ان هذه الدعوة يمكن ان ينظر اليها انها جاءت كلمة حق يراد بها باطل.. ذلك لانها جاءت من صفوف الدول المتقدمة في اوروبا وامريكا ومن بعدها اليابان طبعا ولكن بعد فوات الاوان او قبيل دقائق من فوات الاوان حتى لا نفقد الامل ونستسلم, ومعنا الدول النامية والفقيرة لغوائل القنوط, جاءت دعوة الصون والحفظ والاعتزاز بالموارد وتبسيط اساليب التكنولوجيا دع عنك الحفاظ على البيئة والوعي بقوانين توازنها وضرورات صونها عن اخطار التلوث في الجو او البحر او البر.. جاء هذا كله بعد نحو 150 عاما هي عمر الثورة الصناعية التي شهدت سرعة نمو المتقدمين في شمال العالم, ومن ثم شهدت رغد عيشهم ورفاهية حياتهم الى حد اوصلهم الى استخدام اساطيلهم وجيوشهم لاستغلال شعوب الجنوب في عصر الامبريالية والاستعمار.. بيد ان الصحيح ايضا ان على الدول الأخذة في النمو ان تحسن الاصغاء الى هذه الدعوة وان تأخذ منها ما يمكن ان يحقق مصالح شعوبها وخاصة الطبقات والفئات المهمشة والمحرومة في تلك الشعوب. في هذا الاطار يلفت المحللون النظر الى نموذج نراه معبرا بقدر ما انه صارخ بل ومحزن من تجارب النمو والتنمية في عصرنا, وهذا النموذج اسمه الاتحاد السوفييتي الذي كان دولة قامت في اكتوبر 1917 لتخلف امبراطورية روسيا القيصرية وترث ممتلكاتها متمثلة في اقليم شاسع الابعاد يمتد من شرق اوروبا عند جبال الاورال ويتوغل في قلب آسيا ليصل الى اقصى مشرقها على حدود البحر مع اليابان وتخوم البر مع الصين وافغانستان بما كان يعنيه ذلك من تنوع الموارد والامكانات الامر الذي اتاح للاتحاد السوفييتي ان ينشىء آلة حربية عملاقة وحديثة تصدى بها لهزيمة هتلر وتوصل من خلالها الى امتلاك القنبلة الذرية بل والى اطلاق اول قمر اصطناعي (سبوتنيك) وارسال اول مخلوق حى (الكلبة لايكا) ثم ارسال اول رائد انسان الى الفضاء الخارجي (يورى جاجارين) وكان في هذا كله مؤشرات ورسائل بليغه استوعبها الطرف الآخر (امريكا بالذات) ومؤداها ان الخصم السوفييتي طرف لابد وان يحسب له كل حساب بحكم ما ابداه من كفاية ومقدرة ومهارة في مضمار الصناعة والعلم والتقدم. لكن ها هو القرن العشرون وقد شهد مع مطلع التسعينات تصدع وانهيار ومن ثم زوال الكيان البالغ الضخامة الذي حمل بالامس القريب اسم الاتحاد السوفييتي, ذلك لانه, كما قالت التحليلات المحدثة, كان كيانا ديناصوريا من حيث الضخامة نعم, ولكن ايضا من حيث هذه الضخامة ذاتها افضت بالديناصور السوفييتي الى الجمود في الحركة والى تصلب الشرايين البيروقراطية والى المركزية المعيقة عن مرونة التصرف وسرعة المبادرة... هكذا كان كل شيء يدار من العاصمة موسكو وكانت تبعد مئات الاميال عن مناطق الدولة السوفييتية الشاسعة في شرقها او شمالها او جنوبها وكانت مراكز صنع القرار تتجمع في مكاتب هيئة الرئاسة (البريزديوم) في قصر الكرملين الشهير, وما كان ابعد البون الاكثر من شاسع بين مراكز صنع القرار ومواقع تنفيذ القرار وربما زاد الامر تفاقما ان جاء عقد السبعينات من هذا القرن ليشهد تحولات اساسية في دورة النشاط الاقتصادي في العالم كله اذ اضيف الى هذا النشاط, ومن ثم الى سجلات الحسابات القومية في هذه الدولة او تلك, قطاع الخدمات الشديد الدينامية من جهة وقطاع تكنولوجيا المعلومات باستخدام الحواسيب الالكترونية من جهة اخرى وكان هذا يعني بالدرجة الاولى ضرورة استكشاف واستنباط نماذج او وصفات جديدة لتحقيق التنمية وتلبية مطالب الطبقات المحرومة والفئات المستضعفة وخاصة في بلدان العالم النامي. وهذا التحول الاساسي توجزه دراسة قام بها مؤخرا اثنان من كبار الباحثين اولهما البروفيسور (راشمى مايور) وهو خبير هندي مرموق والثاني هو الكاتب الامريكي بنيت دافيز) والدراسة تدعو الى التحول عن نموذج تراه وقد تجاوزته تطورات الزمن مع غروب القرن الحالي, الى نموذج احدث ترى انه يصلح للدول النامية مع بزوغ القرن الحادي والعشرين. .. النموذج القديم تجسده, كما المحنا من قبل, مقومات التصنيع الجماعي الضخمة ذات الادارة المتشعبة حيث القرارات تتحد مركزيا وتنفذ من خلال اوامر تترك بالطبع من اعلى الى ادنى في اطار منظومة بيروقراطية محكمة من تسلسل الهرم القيادي وفي هذا الاطار يظل العمل سلعة او عنصرا من عناصر عملية الانتاج ويظل الافراد مجرد ارقام في جداول تلك العملية ومجرد توقيعات بغير ملامح في دفاتر نوبات الحضور والانصراف. .. اما النموذج الجديد, المنشود فتلخصه دراسة الباحثين الهندي والامريكي في عبارات تقول: ــ ان القوى الجديدة التي باتت تشكل الاقتصاد العالمي الجديد تتمثل في : اللامركزية وتمكين الافراد واتباع ناموس اخلاقي قوى في مجالات البيئة وهذه الاتجاهات المحدثة من شأنها ان تصوغ نموذجا اقتصاديا ينحو نحو المشاريع الصغيرة التي تنسخ الفكرة القديمة التي تقرن التقدم بالمشاريع العملاقة التي تأخذ بالمركزية الشديدة وبالتكنولوجيات البالغة التعقيد. ولقد بات الامر بحاجة الى تكنولوجيات ابسط واقرب الى قدرات الافراد العاديين والى اساليب ادارة اكثر مرونة تأخذ باللامركزية سواء مع صعيد المنشأة الانتاجية او المؤسسة الخدمية او المنطقة المحلية, ان هذه اللامركزية في الادارة والسلوك والاجراءات هي الكفيلة باشراك الناس... افراد المجتمعات المحلية في ادارة شؤونهم.. وهذه المشاركة المجتمعية هي جوهر عملية التحول الديمقراطية حيث لايقتصر الامر على مفكرين يكتبون وكاتبين يدبجون المقالات ورسامي كاركايتر يسخرون من سوء الاوضاع.. زكله هذا بحد ذاته مطلوب ومفيد في تأكيد مسيرة الديمقراطية, لكن الاجدى والاكثر خطرا هو تحقيق ديمقراطية المشاركة وتعويد الناس, الافراد العاديين على حرية التعبير عن آرائهم والبوح يمكنون صدورهم وطرح ما قد يتراءى لهم من افكار, وبصرف النظر عن اناقة الالفاظ او رشاقة التعبيرات.. ولن تتأتى هذه المشاركة الا بتنفيذ المفهوم الجديد الذي يتيح سبل الاستجابة ازاء التغيرات التي طرأت على اسواق واوضاع العالم في العقد الاخير من القرن العشرين واهمها ربط الديمقراطية باللامركزية, واقتران حقوق الانسان بضرورات مشاركة الفرد في رسم مخططات التنمية التي تستهدف تحسين معيشته ورفع مستواها ومن ثم تقدم الوطن الذي يعيش فيه, هذا فضلا عن بروز اهمية قطاع الخدمات سواء لتلبية احتياجات هذا الفرد ــ المواطن ــ الانسان, او لاتاحة السبل امامه للتعبير عن نفسه هموما او مطالبات او نقدا او ابداعا لقد كان الديناصور ــ السوفييتي ضخما في كل مشاريعه ــ لكنه اهمل جانب مشاركة هذا الفرد في رسم مقدرات حياته واحل محلها احتكار المشاركة المقصورة على بيروقراطية الحزب, ثم اهمل جانب اللامركزية التي تستهدف محلية او موضعية التخطيط لهذه المنطقة او ذلك الاقليم من اجزاء الدولة السوفييتية التي كانت شاسعة الارجاء وكانت النتيجة هو نوع من التخطيط المحصن في المركزية وكان اقرب الى تخطيط اصم او تخطيط اعمى يرصد الموارد ويحشد الامكانات لكن دون ان يستشعر اساسا نبض الواقع المحلي الذي تستهدفه الخطط والمشاريع.. ثم ان هذا الديناصور السوفييتي اهمل جانب المشاريع الصغيرة القائمة على تشجيع مبادرات وجهود الافراد والمستخدمة بالتالي تكنولوجيات بسيطة يكون بمقدور هؤلاء الافراد ادارتها وتدبير شؤونها وادى هذا الوضع غير المتوازن الى ان استطاع الماموث السوفييتي غزو الفضاء وعجز عن تلبية الاحتياجات اليومية لبسطاء المواطنين, وامتلأت مصانعه العملاقة في كبرى المدن باحدث واضخم الاسلحة.. فيما ظلت ارفف الدكاكين خالية من السلع التي يحتاج الى استخدامها هؤلاء الافراد ولا بأس ان يكون بعضها سلعا تتيح للانسان شيئا من الاحساس بالترف او المتعة او بهجة الحياة. وكما كان الديناصور بالغ الضخامة من حيث الحجم والقدرة, فقد كان محدود الذكاء الى حد ان تجاوزته نواميس التطور من حيث الاستمرار والقدرة على التكيف والارتقاء.. واختفى الديناصور فيما ظلت النملة والنحلة وغيرهما من الكائنات الصغيرة والدقيقة تواصل وجودها بمقتضى تلك النواميس فوق ظهر كوكب الارض.. ولله في خلقه شؤون.

تعليقات

تعليقات