مخلفات القصب والنخيل ثروة زراعية

«برمودة» شركة مصرية ناشئة في مجال تقنيات الزراعة تحد من الآثار الناجمة عن مشاكل نقص المياه وتتخلص من نفايات المزارع باستخدامها كأسمدة حيوية مبتكرة ومستدامة.

تهدر السحابة السوداء التي تغطي سماء مصر 1 % من إجمالي الناتج المحلي، كما أنها من أحد أهم الأسباب المباشرة للإصابة بأمراض الجهاز التنفسي، وهي التي تحتل المرتبة الخامسة بين أسباب الوفاة الأكثر شيوعاً في مصر. وإذا ما تغاضينا عن الأسباب الحضرية والصناعية الأخرى للسحابة السوداء، فإن الدخان الضبابي الشتوي يتكون بسبب حرق النفايات الزراعية مثل قش الأرز.

وسيقان القطن، ومخلفات قصب السكر. كانت تلك النفايات الزراعية بمثابة الكنز لمصطفى فراج النابي وأصدقاؤه، كنز ألهمهم بفكرة تدوير النفايات الزراعية وإعادة استخدامها في الزراعة كأسمدة عضوية حيوية.

تأسست شركة برمودة المتخصصة في التقنيات الزراعية في 2016 على يد مصطفى النابي وزميله في الدراسة محمد أبو زيد، ويتمحور عمل الشركة على تحويل نفايات قصب السكر إلى سماد عضوي تستخدمه للمزارع، حيث يحل منتج برمودة العضوي محل الأسمدة الكيماوية المستخدمة بكثافة في مصر.

كما يعمل هذا المنتج العضوي على زيادة إنتاجية المحاصيل ويوفر حتى 30 % من استهلاك المياه، وهو ما يعتبر توفيراً مذهلاً في بلد يستهلك 85 % من موارده السنوية في الأنشطة الزراعية.

بدأت رحلة شركة برمودة في الحفاظ على البيئة عن طريق إعادة تدوير 800 طن من النفايات الزراعية في 2017، حتى وصلت إلى 15 ألف طن شهرياً في 2020. ويتوقع أن تساهم في زراعة أكثر من 12 ألف فدان زراعي بنهاية هذا العام، كما تستهدف إعادة تدوير مليون طن من النفايات الزراعية لتكفي لزراعة أكثر من 250 ألف فدان بطريقة عضوية بحلول 2025.

تنتج محافظة قنا التي تتخذها برمودة مقراً لها حوالي ثلث إنتاج قصب السكر في البلاد، وفقاً للبيانات الرسمية. وقصب السكر هو أحد أكثر المحاصيل جفافاً على مستوى العالم، ولكن الأهم أن عملية معالجته وتحويله إلى سكر تُخلِّف الكثير من المخلفات الطينية.

نظراً لارتفاع احتمالية استخدام مخلفات قصب السكر في عمليات الحرق لإنتاج الطوب، فإن لهذا الأمر آثارا بيئية وصحية سلبية. وتنتج مصر 38 مليون طن من المخلفات الزراعية كل عام، ولا تتم إعادة تدوير إلا 12 % فقط، بينما يتم حرق النسبة الأكبر، ويسهم دخان هذا الحرق في تلوث الهواء ويسبب أمراض الجهاز التنفسي بشكل مباشر.

يساعد السماد العضوي الذي تنتجه برمودة في رفع النشاط الحيوي للتربة الزراعية في مصر، والتي تمثل 4 % فقط إجمالي مساحة مصر. واستغرقت مرحلة ضبط النِسب عامين كاملين من العمل والبحث والتطوير، حتى تمكنت الشركة حالياً من تخصيص إنتاجية السماد بما يتوافق مع نتائج تحليل التربة والمياه وتنوع المحاصيل والسوق المستهدفة (المحلية أو الخارجية).

ويوضح مصطفى النابي قائلاً «يمكننا تحديد العناصر الغذائية التي تحتاجها التربة في منطقة معينة، من خلال الاختبار والتحليل، حيث يبحث فريقنا الخاص بالتطوير عن أكثر المخلفات الزراعية المناسبة لإنعاش التربة وإمدادها بجميع العناصر الغذائية اللازمة للمحاصيل المزروعة». استعمال السماد العضوي ينعش الأراضي الزراعية التي تضررت بفعل الاستخدام المفرط للأسمدة الكيماوية.

حيث يخلو السماد العضوي الذي ننتجه في برمودة من أي مسببات للأمراض أو بذور الحشائش الضارة، وهو ما يُكسبه صفة الأمان في الاستخدام على النقيض من الأسمدة الكيماوية. ففي تجربة باستخدام سماد برمودة على محصول الكوسا. أظهرت النتائج زيادة الإنتاجية بنسبة 10 %، ونجحنا في الحد من استخدام المواد الكيميائية بنسبة 50 % ومن استخدام المياه بنسبة 30 %، وهو ما ترتب عليه تخفيض كلفة الزراعة بنسبة 20 %.

بدأت برمودة رحلتها في 2017 مع 12 مزرعة مقامة على 160 فداناً في قنا، حتى تمكنت من العمل مع 109 مزارع مقامة على 2000 فدان حالياً، في خمس محافظات مختلفة. وتستهدف العمل مع 500 مزرعة في 12 محافظة بمساحة إجمالية 14 ألف فدان مزروع بنهاية 2020.

وقد تتضمن الخطوات القادمة استخدام نفايات الأرز والقطن في مصر وتوسيع نطاق العمل في جميع أنحاء الشرق الأوسط، حيث تحتوي منطقة الشرق الأوسط على ما يقارب 84 مليون نخلة، ويتركز هذا العدد في مصر والعراق والسعودية وإيران والجزائر والمغرب وتونس والإمارات، وتنتج هذه الدول كميات كبيرة من النفايات الزراعية في هيئة أوراق جافة وسيقان وبذور.

تنتج النخلة حوالي 20 كغم من المخلفات الجافة سنوياً، بينما تواجه هذه البلدان مشكلات خصوبة الأراضي الزراعية بسبب طبيعتها الصحراوية وقلة مياه الري، واستخدام نفايات التمور لإنتاج سماد عضوي قد يكون الحل الأمثل لحل هذه المشكلات وللحفاظ على البيئة.

كاتب صحفي بريطاني

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات