فسحة عمل لأصحاب الهمم في لبنان

يجب توفير قوانين صارمة تُطبّق وتُجبر الشركات التي لا يتمتع أصحابها بوعي تجاه هذه المسألة، بتوظيف أصحاب الهمم، لنكتشف قدراتهم.

التقت الكاتبة خلال زيارتها إلى لبنان، بمؤسس مقهى «أغونيست كافيه»، د. وسيم الحج، للحديث مطولاً عن فكرة المشروع، وكيفية دمج أصحاب الهمم في سوق العمل اللبنانية.

حالما تدخل «أغونيست كافيه»، ينتابك شعور غريب بالفرح. المكان يعجّ بالزبائن من كل الأعمار. ضحكات ترتفع من هذه الطاولة، وأطراف حديث صاخب على طاولة أخرى، وكأنك دخلت فقاعة من المرح والضحك والسعادة.

أهلاً بك في «أغونيست كافيه»، حيث يختلط العاملون فيه بالزبائن، فتعجز عن تفرقتهم، لولا بذاتهم الخاصة بالمقهى، وأنهم من أصحاب الهمم.

حالما أجلس على طاولة مع وسيم الحج، ينضمّ إلينا إيلي البالغ من العمر 32 سنة، والمصاب بمتلازمة داون. لا يتوقف عن الكلام عن وظيفته ومهامه في المقهى، وأيام عمله وعطلته. ويخبرنا أنها المرة الأولى التي يحظى فيها بوظيفة، وأنه سعيد جداً بهذه التجربة، قائلاً «وسيم منيح، منيح معنا».

إيلي واحد من 12 موظفاً من أصحاب الهمم، الذين تتراوح أعمارهم بين 24 و44 سنة، حيث يتناوبون على فترات العمل. وهنا يخبرنا الحج «في كل مناوبة، لدينا 3 إلى 4 موظفين مع مشرف، لا سيما أن بعض المناكفات تحدث أحياناً بينهم». ويتابع «معظمهم مصابون بمتلازمة داون، وفرح مثلاً التي تعمل على الصندوق، لديها متلازمة انجلمان، فيما فؤاد، الذي بدأ العمل معنا حديثاً، لديه توحّد، والباقون لديهم صرع، مثل جيسي».

ولكن، كيف ولدت فكرة أغونيست كافيه؟ يخبرنا الحج «أنا معالج فيزيائي، وأعمل مع أشخاص مثلهم، وأعلم أن لديهم القدرة، إذا مُنحوا الفرصة، لتحصيل حقهم في المجتمع بطريقة يكونون فيها بتواصل مباشر مع الناس». ويتابع «هناك العديد من المؤسسات، حيث يوجدون فيها ويؤدون بعض الأعمال، إلا أنهم لا يتعاملون مع الناس والزبائن مباشرة».

الفكرة التي ولِدت قبل ثلاث سنوات، استغرقت وقتاً، بدءاً من أن يقتنع الحج بإمكانية تنفيذها، إلى الحصول على القرض المالي، ثم إيجاد الأشخاص المناسبين للعمل معه.

ويكشف لنا الحج أنه بعد تأمين التمويل وإيجاد المقهى والعمل على تجديده، تعاون مع «الجمعية اللبنانية لتثلّث الصبغية 21»، لاختيار الموظفين. ويتابع «هي مؤلفة من الأهالي الذين أحبوا الفكرة، التي طُرحت بعدها على الشباب والصبايا، الذين تحمّسوا كثيراً للعمل». وهكذا بدأت الفترة التدريبية، ليَفتح المقهى أبوابه للزوار منتصف كانون الأول الماضي.

فترة تدريب لم تخلُ من الصعوبات، وأبرزها أنهم لم يعملوا مسبقاً. يشرح لنا الحج أنهم عملوا على تحسين توازنهم، ليستطيعوا حمل الصواني من دون أن يكسروا الأكواب أو الصحون. ويواصل «الصعوبة الثانية، كانت في التواصل الخاص بهم. كما لاحظت مثلاً مع إيلي، من الصعب أن تفهمي عليه. أنا لم أكن أفهم عليهم، ولكن مع التدريب، صرت أفهم كل ما يقولونه.

فالآن، إذا كان هناك ما يريدون قوله للناس، أو العكس، أكون صلة الوصل بينهم».

تدريب مكثّف، وإنما أيضاً تسهيل لمهمات تلبية الزبائن، بفضل قائمة الطعام المبتكرة، التي يكتب الزبون طلبيته عليها. ويطلعنا الحج أن بعد اختبار عدد من الطرق، توصلوا إلى الصيغة الأنسب للجميع، قائلاً «تبنّينا صيغة الألوان. تلاحظين أن كل طاولة تحمل لوناً مختلفاً». فهكذا تحولت الألوان إلى لغة تواصل بين الزبون والنادل، لحسن سير العمل في المقهى.

وهنا، يتوقف عند ردة فعل الناس الإيجابية منذ البداية، قائلاً «الجميع هنا ودودون مع بعضهم البعض، ويغلب على المكان جو العائلة. نجلس كلنا سوياً، نتسلى ونتحدث مع بعضنا البعض، لا يوجد ضغط العمل».

لكن الحج لا ينكر أن العمل مع أصحاب الهممن يحتمّ بعض المتطلبات، مشيراً «يتطلب الصبر والبال الطويل جداً. كما يجب أن تعلم أنه، في أي لحظة، قد تحدث معهم مشكلة معينة غير متوقعة، مثل أن يحزن أحدهم فجأة، أو يغضب، أو يقول كلمة غير صحيحة، أو أن يتغير مزاجهم. من الصعب أن يتحكموا بمشاعرهم، فلا يستطيعون ضبطها بسهولة».

وعن هذه التجارب، يخبرنا «أصعب حادثة هي عندما يوقع أحدهم صحناً وينكسر، لأنه ينزعج، ويشعر بالحاجة إلى البكاء، وبأنه ارتكب خطأ ما. في هذه اللحظة، نعلم كيف نحضنه ونخفف عنه، ليهدأ ولا يخاف من تقديم طلبيات أخرى، فنحثّه على حمل الصينية مجدداً، لئلا تتطور هذه الحالة معه».

مراعاة مشاعرهم وكيفية تعاملهم مع الأمور، والكثير من التصرفات الأخرى.. هكذا نجح «أغونيست كافيه» بتوفير فسحة آمنة وسعيدة لأصحاب الهمم.

فيخبرنا الحج أنه لاحظ تغييراً جذرياً، قائلاً «هم طبعاً فرحون كثيراً، وزادت ثقتهم بأنفسهم، وتحسّنت طريقة كلامهم. حتى أهلهم فرحون، لأنهم يشعرون بالفرق في المنزل، حيث باتوا مستقلين أكثر. فالبعض منهم، لا سيما الكبار في السن، في الفترة الأخيرة، كانوا لا يأكلون إذا لم يتم إطعامهم، ولا يرتدون ملابسهم وحدهم. هم شعروا بالاستقلالية».

استقلالية مادية أيضاً، حيث يتقاضون راتباً، وفقاً لعدد الساعات العمل في الأسبوع، على غرار أي موظف آخر. وأضف إلى ذلك، أن المقهى يتميز بجودة ما يقدّمه، وبديكور شاب شبيه بأي مقهى معاصر. فهنا يقول الحج «هدفي أن يكون هذا الدمج حقيقياً للغاية».

دمج ما زال في بداياته، بسبب نقص الوعي في المجتمع، على حد قول الحج، الذي يضيف «يجب زيادة الوعي، ليعيشوا وينخرطوا معنا في المجتمع بشكل أكبر. كما يجب توفير قوانين صارمة، تُطبّق وتُجبر الشركات التي لا يتمتع أصحابها بوعي تجاه هذه المسألة، توظيف هؤلاء الأشخاص، ليكتشف قدراتهم».

وسيم الحج، قرر أن يؤمن بقدراتهم، وأن يفتح أول مقهى لهم يعملون ويُعاملون كالجميع. ويأمل أن يتمكن من توسيع هذا المشروع إلى مناطق لبنانية أخرى، قائلاً «هؤلاء الشباب والصبايا موجودون في كل المنازل، والقرى، والأبنية، وهم بحاجة لأن يتم إعطاؤهم فرصة».

 باحثة اجتماعية

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات