مكتبة فلسطينية تحافظ على الإرث الزراعي

صورة

فيفيان صنصور تُحدثنا عن إنشاء مكتبة البذور المحلية الفلسطينية رغبة منها في إعادة إحياء والحفاظ على ما تبقى من الإرث الزراعي وتقنيات الزراعة المحلية والتنوع البيولوجي بعد سنوات من الاحتلال.

الحياة الزراعية ليست غريبة عن فيفيان صنصور، مؤسسة مكتبة البذور المحلية الفلسطينية لا بل رافقتها طيلة حياتها وعلّمتها الكثير. فتخبرنا «أتعلم يومياً أمراً جديداً عن نفسي لأنني أدركت أنني لست فريدة لا بل أن من يقف أمامي يساهم في بناء شخصيتي؛ هذه أمور تعلمتها بفضل حياة النباتات وبفضل المزارعين الذين عملت معهم أيضاً في مختلف الدول».

قد تكون الثقافات المتعددة التي تعايشت معها فيفيان بَنت شخصيتها إلا أن كونها ولدت في فلسطين كان له أثر كبير عليها حتى لو أنها عاشت لسنوات بعيدة عن الوطن. ولعلّ هذه الغربة جعلتها، على حد قولها، «تحلم بشذا وطعم ونكهات هذه الأرض». ولكن حالما عادت، وجدت أن العديد منها اختفى أو في طريقه إلى الزوال وشعرت بالحاجة إلى إطلاق مبادرة للحفاظ عليها.

وهكذا، برزت مكتبة البذور المحلية الفلسطينية من «رغبتي بإعادة التواصل والحفاظ على ما تبقى من تراثنا الثقافي والحيوي»، كما تخبرنا فيفيان. وكانت الرؤية بسيطة. عند إنشاء المكتبة عام 2015، أرادت الحفاظ على أصناف البذور التراثية والممارسات الزراعية التقليدية للمزارعين الفلسطينيين. وتخبرنا فيفيان «المكتبة» و«معرض البير للفنون والبذور» يجسدان هذه الرؤية ألا وهي أن الزراعة تحتوي على عنصرين وهما الممارسات الزراعية التقليدية والتقاليد ونمط الحياة المرتبطة بالزراعة، والتي تشكل هوية المجتمع.

وتتابع صنصور«تركز «المكتبة» على البحث عن الأصناف الزراعية التراثية ونشرها. ولذلك، نعمل على إشراك المزارعين في أنشطة للحفاظ عليها وإعادة إدخال البذور المهددة في أسواق المزارعين المحليين، كي تعود هذه الفواكه والخضار على طاولات المطابخ الفلسطينية».

قبل الغوص بعمل «مكتبة البذور المحلية الفلسطينية» على الأرض، لا بد أن نتوقف عند تعريف التراث الزراعي. وهنا تقول صنصور «هو تراكم المعرفة والممارسات والمواد البيولوجية والثقافية التي تم تطويرها على مدى آلاف السنين لخلق ثقافتنا ومساعدتنا على التأقلم مع المناخ المحلي المتنوع. هو جوهر هويتنا كثقافة والمفتاح لنعرف أنفسنا في عالم يحاول القضاء على وجودنا».

الأمر أصبح ممكناً بفضل العديد من المشاريع التي تنفذها المكتبة مثل «المطبخ المتنقل»، حيث يشارك الشباب والمزارعون ويتم تشجيعهم على أن يكونوا فاعلين في الحفاظ على الإرث الزراعي الحيوي كجزء من الثقافة الفلسطينية. وتخبرنا صنصور أن العمل يعتمد بشكل كبير على العمل الميداني والمعرفة المتواجدة عند المزارعين.

وتتابع «في كثير من الأحيان، سيما في البداية، كنت أذهب إلى القرى وأتحدث مع المزارعين والرعاة وبالتالي ألتقي بالكثيرين، لاسيّما كبار السن الذين يذكرون أصناف من البذور التي لم تعد مستخدمة؛ وهذا ما دفعني للبحث عن هذه البذور وإعادة نشرها واستخدامها». وتضيف «في السنوات الأخيرة، ركّزنا على بذرة بطيخ الجدّوعي التي يطلق عليها المزارعون لقب «الديناصور» لأنها مختفية. قمنا بإيجاد تلك البذرة ونحن في صدد إعادتها على موائد البيوت الفلسطينية».

على مدار السنوات الثلاث الماضية، جمعت المكتبة العديد من أصناف البذور مع التركيز على تلك المهددة. وتخبرنا صنصور أنهم يركزون هذا العام، بالعمل مع 20 مزارعين، على أربعة أصناف هي الخيار الأبيض، والحبة السوداء، والبطيخ الجدوعي، والطماطم التراثية.

إعادة إحياء التراث الزراعي الفلسطيني لاقى حماساً وترحيباً من المزارعين لاسيما أنهم يعرفون ويفهمون بشكل أفضل من أي شخص أهمية إبقاء هذه البذور حية وقيمة التنوع البيولوجي.

قيمة التنوع البيولوجي وإنما أيضاً الحفاظ على إرث فلسطيني بوجه الاحتلال. وهنا تقول صنصور«إنقاذ بذورنا التراثية يساعدنا على الحفاظ على استقلالنا من خلال نشر البذور التي يمكن أن تتكاثر. فهي تمنح المزارعين إمكانية الحفاظ على استقلاليتهم وعدم شراء المنتجات الكيماوية الزراعية. إنها طريقة يمكننا من خلالها رعاية تربتنا وصحتنا وجيلنا المستقبلي من خلال ممارسة صحية وعملية».

ومن أجل إتمام المهمة لا بد من المثابرة وتخطي العديد من التحديات وبالأخص خلق وعٍ واسع الانتشار بين الجمهور حتى يبدأ المستهلكون، كما تقول صنصور، «بتفضيل هذه الأصناف على غيرها التي يبدو شكلها جيداً ولكنها من دون أي طعم».

بفضل مساعدات من جمعيات مثل «مؤسسة نيو فيلد» في كاليفورنيا والتبرعات الفردية من حول العالم، تشدد صنصور «نحن أوفياء لمهمة ورؤية المكتبة لإدخال فلسطين في الحوار الأوسع حول العالم الذي يعالج تحديات الحفاظ على التنوع البيولوجي وتغير المناخ».

وفي الميدان،«نعمل على توسيع نطاق العمل بفضل المطبخ المتنقل الذي صممناه من أجل الذهاب إلى قرى مختلفة والمشاركة في محادثة عامة حول أهمية أصناف التراث الزراعي، وجمع قصص البذور ومعرفة المزيد عن الأصناف الأخرى التي ربما لم نسمع عنها من قبل».

كل هذه الجهود أدت إلى تطور المشروع بسرعة كبيرة ورسّخت الرؤية في إطلاق هذه المكتبة لتكون مبادرة ديناميكية وحية وإنما أيضاً سهلة لأنها لا تحتاج إلا لعملية بسيطة على غرار ما تقوم به كل جدة فلسطينية لديها مكتبة بذور تخزنها في علبة شوكولاتة.

 

 

 

تعليقات

تعليقات