«طبشورة في علبة» يتيح التعليم للأطفال

صورة

«هدفنا الأساسي هو تقديم تعليم عالي الجودة. لا نريد تسهيل النفاذ إلى التعليم فحسب، لا، بل نريد ترسيخ حق كل طفل في الحصول على أفضل نوعية من التعليم»، هكذا استهلّت الدكتورة نايلة رزق فهد، المؤسسة الشريكة والرئيسة التنفيذية لجمعية التعلم البديل اللبنانية (لال)، مقابلتنا في مقرّ الجمعية في بيروت، للحديث عن أحد برامجها ومشاريعها «طبشورة في علبة».

لقاء انضّم إليه أيضاً ناجي غرّة، المؤسس الشريك ونائب الرئيسة التنفيذية، لنغوص في حديث شيّق عن التعليم وتحدياته، واستخدام التكنولوجيا البسيطة ذات التكلفة المنخفضة لنشر العلم، حتى في أكثر المناطق النائية، أو لكل طالب عجز عن التنقّل إلى صفوف الدراسة لأي سبب كان.

بدأت الفكرة في المستشفى، مع أطفال مصابين بالسرطان، من أجل مساعدتهم في مواصلة تعليمهم، والسماح لهم بتقديم الامتحانات الرسمية، إلا أن سرعان ما تطوّرت هذه الفكرة، وتحوّلت إلى منصة إلكترونية مكمّلة للمنهج الدراسي اللبناني، منصة طورتها الجمعية اللبنانية غير الحكومية، التي أنشئت بداية 2014، لسد فجوات التعليم، والحد من أعداد الطلاب المتسربين من المدارس. وهنا، تقول فهد «الفصل الذي عجز الطالب عن استلحاقه في الصف، بإمكانه أن يدرسه في المنزل. نحن لسنا بديلاً عن المدرسة، إنما ندعمها، لا سيما في ما يتعلق بفجوات التعلم. وبالتالي، يستطيع أي تلميذ متأخر أو مقصّر، يعجز أهله عن دفع مستحقات أستاذ خاص، أو أي أستاذ يحتاج مصادر لتحسين أدائه التعليمي، الاستفادة من منصتنا باللغات الثلاثة، العربية، الفرنسية أو الإنجليزية».

التفكير التربوي للحصول على مواد عالية الجودة، واستخدام أفضل التكنولوجيا المتطورة، هي التركيبة الثنائية التي تميّز مشروع «طبشورة»، الذي كان تتويجاً لعامَين من العمل والأبحاث والتطبيق، لتوفير مصادر رقمية تتناسب مع المنهج التعليمي اللبناني، مثل الفيديوهات والصور والنشاطات والاختبارات والمعضلات.

ولكن، كيف تتوفر هذه المصادر الرقمية للطالب أو الأستاذ؟، هنا ميزة «طبشورة»، التي لا توفّر محتواها الرقمي على الموقع الإلكتروني فحسب، بل تخبرنا فهد «ناجي الذي من مهمته البحث والتطوير، وجد وسائل جميلة وصديقة لاستخدام المنصة، وتحديداً في النرويج، نظام بات يحتوي كل المضمون الذي ننتجه».

وهنا، يشرح لنا غرّة: «معروف في لبنان، أن الإنترنت غير متوفرة، وحتى الكهرباء ما زالت تنقطع لساعات طويلة من النهار. الجميع يعرف "رسبري بي"، هذا الحاسوب الصغير، الذي يعلّم الأطفال التشفير وتشغيل الحاسوب. فخطرت لي فكرة أن نستخدمه كـ "خادم" web server. ثم نحمّل على شريحة ذاكرة صغيرة، كل مضمون الموقع الإلكتروني. وكلما أجرينا تحديثاً على المواد، ليس علينا إلا تغيير شريحة الذاكرة». ويتابع أن هذا الجهاز لا يحتاج إلى كهرباء ولا إلى إنترنت، بل يمكن وصله بهاتف محمول أو حاسوب أو أجهزة لوحية، ويستطيع ما بين 30 أو 40 طالباً استخدام العلبة ذاتها.

هذه "الطبشورة في علبة"، توزّع مجاناً على شركاء "الجمعية اللبنانية للتعلم البديل"، إذ إن الجمعية لا توجد على الأرض، بل تهتم بإنتاج المضمون التعليمي الرقمي، وقد تتوجه إلى المراكز أحياناً، لمراقبة حسن سير العمل، أو لتدريب المعلمين والمشرفين. ويشير غرة: "نحن نصنع المضمون، ولدينا وسائل عدة، مثل «طبشورة في علبة»، والتطبيق والموقع الإلكتروني. كل مواردنا مفتوحة المصدر. نحن لا نستخدم برامج مكلفة، بل نفضل البرامج المجانية، وكل ما نوزعه يكون مجانياً".

وتخبرنا فهد أن الجمعية لديها العديد من الشركاء من المنظمات غير الحكومية والمدارس، لتوفير محتوى لصفوف الروضة والمتوسط، وقريباً الابتدائي. وتضيف: "الطفل الذي يملك الإنترنت في المنزل، بإمكانه أن يواصل استخدام محتوانا. ولكن، نحن، بشكل أساسي، نمنح المضمون لمراكز اجتماعية وتربوية ومدارس يحتاجون إليها في مناطق بعيدة أو في مناطق تفتقر لمدارس جيدة".

حتى الآن، يستفيد من "طبشورة في علبة"، طلاب من مختلف المناطق اللبنانية من الشمال إلى الجنوب، مروراً بكسروان والبقاع. وتفصح فهد: "بحسب إحصاءاتي، هناك 1220 (760 في الروضة و460 مدرسة متوسطة)، هؤلاء هم مستفيدون مباشرون نتعامل معهم. هدفنا هو الوصول إلى أكثر بكثير، وحتى التوسع إلى تركيا والأردن، الذين يستقبلون لاجئين ويعانون المشكلة ذاتها في التعليم".

"طبشورة في علبة"، تريد إيصال التعليم النوعي لجميع الطلاب، سواء كانوا يعيشون في مناطق نائية، أو عجزوا عن الوصول إلى المدرسة، لأنهم يحتاجون إلى مساعدة أهلهم في موسم قطاف التفاح أو الزيتون، أو كانوا من اللاجئين. وتقول فهد: «هدفنا عدم التمييز، لا على صعيد المناطق، ولا على صعيد الشعوب. حالياً، يستخدم طلاب لبنانيون وسوريون وعراقيون، مواردنا التعليمية».

الوصول إلى التعليم النوعي حق أساسي، ضمن شرعة حقوق الإنسان الدولية. ولا شك أن «لال»، تعمل جاهدة لضمان هذا الحق لأكبر عدد من الطلاب، إلا أن المسيرة طويلة وصعبة، ومليئة بالمطبات، مثل مشكلة الإنترنت التي كان حلها «طبشورة في علبة»، أو حاجز اللغة، أي أن تكون الدروس والمواد التفاعلية سهلة الفهم لكل الطلاب، أياً يكن مستواهم اللغوي. إلا أن التحدي الأكبر، بالنسبة لفهد، يبقى الاستدامة، قائلة «كيف تستطيع تشجيع الناس الذين بدؤوا استعمال المنصة على ديمومة استخدامها؟، فعليك تحسينها، وإضافة بعض الأمور، وتشجيعهم ليواصلوا استعمالها»، من دون أن ننسى طبعاً ديمومة الجمعية المالية الضرورية لإكمال المشوار.

فتبقى الجمعية غير حكومية، لا تبغي الربح، أي أنها لا تستطيع بيع منتجاتها، فتعتمد على الهبات والمساعدات، وتطمح إلى أن تتحوّل إلى مؤسسة ربحية، كي «نبيع بعض ما ننتجه، ونؤمن خدمات لنحصل على المال، ونستثمره مجدداً في تطوير مشروعنا».

قد يعتبر البعض، أن هكذا مشروع، نال تصفيق الجميع منذ البداية، ولكن دعونا لا ننسى التحفظ الكبير حيال استخدام التكنولوجيا في تعليم الأطفال. وهنا، يفصح لنا غرة «في البداية، كان لدينا مشروع في زحلة. وعند زيارة المنطقة، واجهنا غضب إحدى المدرسات حيال تعليم الأطفال الصغار على الحاسوب. ولكن، بعد أسابيع، توجهنا إلى المنطقة ذاتها، واكتشفنا أن الوضع اختلف، وبات المدرسون يطالبون بالموارد الإلكترونية».

لا يستغرب غرة، ردود الأفعال هذه، مشيراً إلى أن كل القطاعات دمجت التكنولوجيا في عملها، باستثناء التعليم، في كل أنحاء العالم، وليس في العالم العربي فحسب. لا شك أن هناك العديد من الدراسات التي تشدد على مضار الشاشات والحواسيب على الأطفال. ولكن الأكيد، هو أنه متى عرفنا كيف نستغلها، تحدث التكنولوجيا ثورة مهمة لتسليح أجيال مستقبلية بالعلم، وتوفير كل فرص التعليم المتساوية للجميع.

ولا شك أننا نحتاج لجمعيات، مثل «الجمعية اللبنانية للتعلم البديل»، ولدعم مشاريع مثل «طبشورة في علبة»، ما زالت في بداية مشوارها (حيث يعمل الفريق على تطوير المزيد من المضمون التعليمي، سواء كان مكملاً للمنهج الدراسيّ، أو موفراً مواد خارج المنهج)، لأن أطفالنا يستحقون الأفضل.

*باحثة اجتماعية

Ⅶباميلا كسرواني *

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon