التوعية ضد الهجرة عبر الفن - البيان

التوعية ضد الهجرة عبر الفن

في عام 2017 فقط، لقي 400 من الأشخاص حتفهم، أو فُقدوا أثناء عبور البحر الأبيض المتوسط من أفريقيا وآسيا.

صادق رحيم، فنان جزائري معاصر، كرّس حياته لمعالجة الانقسامات المجتمعية، وحث الشباب العربي والأفريقي على عدم المخاطرة بحياتهم للهجرة غير الشرعية إلى أوروبا من خلال القوارب.

عرض رحيم أعماله في أربع قارات، كما يعمل الآن على التجهيز لمعرض جديد في سراييفو، للتنديد بحروب يوغوسلافيا في فترة التسعينيات من القرن الماضي، ومع ذلك، هناك عدد كبير من الشباب ممن على استعداد للتخلي عن كل شيء في مقابل الهجرة إلى أوروبا، الأمر الذي يشغل تفكيره طوال الوقت.

يقول رحيم، 46 عاماً، «البحر الأبيض المتوسط هو ذلك الوحش القاتل، فعلى مدار العديد من السنوات، قضيت الكثير من الأوقات في السفر متنقلاً بين ساحل الجزائر لزيارة القرى، والحديث مع الشباب، والتقاط الصور الفوتوغرافية معهم».

«أحاول إقناع أولئك الشباب للتخلي عن فكرة الهجرة غير الشرعية بالقوارب، ولكنهم فقط يرغبون في القيام بذلك، والوصول إلى أوروبا ليعيشوا حياة أفضل، فالفكرة تسيطر عليهم تماماً، فمنذ كانوا أطفالاً، اعتادوا مشاهدة التلفاز الفرنسي الذي يروج طوال الوقت لهذه الحياة الفارهة، ما يجعلهم يرغبون في الهجرة لتحقيق ذلك الحلم الفرنسي».

في عام 2017 فقط، لقى 400 من الأشخاص حتفهم، أو فُقدوا أثناء عبور البحر الأبيض المتوسط من أفريقيا وآسيا، وفقاً لتقارير الأمم المتحدة، بينما تمكن 10,109 أشخاص من الوصول إلى سواحل أوروبا عبر القوارب حتى 27 فبراير الماضي.

واحد من بين كل 20 مهاجراً ممن يحاولون الهجرة يأتي من الجزائر، الأمر الذي يجعل الجزائر تأتي في المركز الثامن بين الدول التي يخاطر سكانها بالهجرة غير الشرعية، وكذلك، تأتي كل من سوريا والمغرب في قائمة الدول العربية التي يحاول أفرادها الهجرة غير الشرعية منذ يناير 2017.

يقول رحيم، «معظم المناقشات حول الهجرة تهتم فقط بمنظور الجانب الأوروبي، فهم لا يرون غير ذلك العدد الكبير من المهاجرين، معتقدين أنهم آتون لشغل وظائفهم، بينما لا يأخذون بعين الاعتبار المنظور الأفريقي، لذلك قررت البدء من الجزائر للتصدي لهذه المشكلة من مصدرها».

تضمن معرض رحيم الذي استمر لثلاثة أشهر مجموعة من التصميمات، بما في ذلك التصميم الأكبر في تاريخ الجزائر على هيئة قارب بطول ثمانية أمتار.

يقول رحيم، الحاصل على درجة الماجستير في الفنون الجميلة من كلية سنترال سانت مارتينز للفنون، «وضعت قارباً حقيقياً رأساً على عقب، وصنعت الكثير من القوارب باستخدام الإسفنج، فكانت الفكرة الرئيسية هي غرق القوارب الإسفنجية عند وضعها في الماء، وكان الهدف من ذلك هو إظهار أنني مخالف في الرأي لأولئك الشباب الراغبين في الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا بعبور البحر الأبيض المتوسط».

كان هناك تصميم آخر على هيئة قارب في ميناء الجزائر يستخدم في نقل المهاجرين غير الشرعيين قام رحيم بطلائه حتى يمكن للزائرين التعبير عن أفكارهم باستخدام الطبشور.

يقول رحيم، «كتب المشاركون أفكاراً مثل «الحلم الأميركي»، و«الهجرة إلى أوروبا»، و«تحيا فرنسا»، بينما قام آخرون بحذف «تحيا فرنسا» وكتبوا بدلًا منها «تحيا الجزائر».

كان من المثير للاهتمام معرفة ما يمكن أن يقوم به المشاركون، فعلى سبيل المثال، جاءت إحدى الأمهات برفقة ابنها الذي يبلغ من العمر ربما 21 أو 22 عاماً، فكتب ابنها الشاب حول رغبته في الهجرة من الجزائر، فنظرت إليه وابتسمت، ثم قامت بحذف تلك الجملة، وكانت هذه هي طريقتها في التعبير عن رفضها لتلك الفكرة».

نأمل أن يكون الابن استمع إلى نصيحة والدته. لحسن الحظ، انخفض عدد المهاجرين غير الشرعيين من 1.02 مليون شخصاً في عام 2015 إلى 362,753 شخصاً في عام 2016، وإلى 172,301 شخص في العام الماضي، ولكن أصبحت المحاولات أكثر فتكاً، ففي العام المنصرم، واحد من بين كل 50 مهاجراً ممن حاولوا الهجرة إلى أوروبا عبر القوارب قُتِّل أو فُقِّد، بالمقارنة مع واحد من بين 250 مهاجراً حسب تقارير الأمم المتحدة، إلى أن وصل عدد الوفيات نتيجة الهجرة غير الشرعية منذ عام 2014 إلى 15,942 شخصاً.

يقول رحيم، «أعمالي جميعها تهتم بالوعي الاجتماعي وتسليط الضوء على القضايا الاجتماعية مثل الهجرة غير الشرعية، والنزوح، والهوية، كما تُلقي أعمالي، التي هي مزيج من التصوير والفن التركيبي، إلى جانب الاستفادة من التكنولوجيا، والتصميمات نظرة قريبة على أحوال البشر التي عادة تتأثر بالعاطفة، وتطمس الخطوط الفاصلة بين الذات والجمهور».

حصل رحيم على درجة البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة بيروت، قبل السفر للدراسة في لندن، وطوال تلك الفترة، لم ينس قط حبه لوطنه، لذلك عاد مرة ثانية إلى مسقط رأسه في مدينة وهران على ساحل البحر الأبيض المتوسط بالجزائر في عام 2003، ليعمل في متجر نِجادة السيارات المملوك لعائلته لمدة 4 سنوات قبل استئناف مسيرته الفنية في عام 2007.

بمجرد عودته إلى وهران، انضم إلى إحدى الجمعيات المحلية لمساعدة شباب الفنانين في عرض أعمالهم هناك، ثم أصبح رحيم بعدها أميناً لأحد المعارض الدولية التي أقيمت في هوران لعدة سنوات، ذلك المعرض الذي كان يضم بعضاً من أفضل الفنانين الناشئين من أوروبا وآسيا وأفريقيا.

أصبح رحيم أحد مؤسسي معرض الفن المعاصر لدول البحر الأبيض المتوسط الذي يُقام كل عامين، فالمعرض، في عامه الأول 2011، شارك به فنانون من 13 دولة، وكان ذلك هو المعرض الجزائري الأول من نوعه الذي يشمل عروض الفيديو والفن التركيبي، إلى جانب التصوير الفوتوغرافي، والتصوير بالزيت، والرسومات، والعروض المعاصرة.

يقول رحيم، «عملت لعام كامل مع أولئك الفنانين الجزائريين لحثَّهم على تقديم عروض معاصرة، وكان الأمر صعباً للغاية في البداية، لأنه لم تكن فنون التصوير بالزيت، والرسومات.

والنحت رائجة، لذا قمنا بدعوة الفنانين والمبدعين من الولايات المتحدة، والمغرب، وسوريا، وإنجلترا للحديث حول تجاربهم في أوطانهم. كان من الصعب للغاية تحقيق ذلك الإنجاز في الفن المعاصر بالجزائر، لذلك كان علينا أن نجعل أولئك الفنانين الشباب يؤمنون بقدراتهم».

في عام 2017، أقيم المعرض للمرة الرابعة في متحف الفن المعاصر في مدينة وهران، وكان من بين المشاركين بالمعرض الفنانون الفرنسيون من أصل جزائري؛ زينب سديرة، وباتريك أطليس، ومايا إيناس توام، والفنان الجزائري سفيان زوقار، والفنانة والكاتبة الأميركية من أصل إيرلندي آن موراي.

 

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات