الذكاء الاصطناعي العربي

صورة

تتفوق أجهزة الحاسوب على الإنسان في العديد من المجالات، ولا سيما في المسابقات والألعاب، ولكن امتد الأمر الآن ليشمل اختبارات القراءة، وهذا المقال يكشف عن التحديات أمام تطوير الذكاء الاصطناعي للعالم العربي.

صاحب نشوء التقنيات التي نطلق عليها الذكاء الاصطناعي فرص وتحديات جديدة بدأنا لتونا فحسب في استيعاب حجمها. وعلى الرغم من أن «التعلم الآلي» ومعالجة اللغة الطبيعية وغيرهما من التقنيات أتاحت لأنظمة الذكاء الاصطناعي إمكانية مضاهاة مستوى البشر في الاختبارات بل والتفوق عليه، إلا أنها لا تزال مجرد أنظمة.

ولا تمتلك هذه الأنظمة روحًا أو جوانب إنسانية، ومع ذلك فهي قادرة على محاكاة العمليات البشرية إلى حد سمح لنا بتفويضها بالكثير والكثير من المهام المعقدة والمستنزفة لنا.

أدى نشوء الذكاء الاصطناعي إلى تغيير الطريقة التي نتفاعل بها مع أجهزة الحاسوب ومع الهواتف الذكية ومع بعضنا - ولكن هل هناك حاجة إلى أن يتطور الذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط بصورة معنية تتناسب مع الثقافة العربية وأنماط العيش في الوطن العربي؟

نستخدم حاليًا الذكاء الاصطناعي من أجل «برمجة أنماط الحياة» داخل أدمغة الآلات بحيث تساعدنا في القيام بأعمالنا اليومية. وستتمكن أجهزة الحاسوب لدينا عبر هذه الأنماط من تسجيل وقائع حياتنا، وبالتالي مساعدتنا على اتخاذ قرارات تتعلق بالإجراءات التي سنتصرف وفقها في حالات معينة بما يضمن تحقيق أفضل النتائج.

علاوة على ذلك، يمكننا ضبط أجهزة الذكاء الاصطناعي حسب الإقليم الجغرافي باستخدام نماذج سطحية أو «تحديث مُخصص» يوفر معلومات خاصة بالموقع. فالاختلافات الثقافية وحدها هائلة حول العالم، فحتى مجرد الطريقة التي تنظر بها مختلف المجتمعات إلى اللون تتفاوت تفاوتًا شديدًا.

ومن الأمثلة البسيطة على ذلك، يرمز اللون الأحمر في الصين إلى الحظ السعيد بينما يرتبط لدى الغرب والعالم العربي بالحب أو الخطر أو الحذر. واللونان البرتقالي والأصفر يرتبطان بالحداد في كل من اليابان والشرق الأوسط، بينما يرمزان إلى الصحة والسعادة وأوقات المرح في الغرب. ولن يصعب برمجة هذه المعرفة في أدمغة أجهزة الذكاء الاصطناعي بطريقة مباشرة جدًا.

من خلال تعليم أجهزة الذكاء الاصطناعي بحسب الإقليم الجغرافي، يمكننا مبدئيًا الشروع في «تعريب» أدمغة الذكاء الاصطناعي لخدمة جمهور الشرق الأوسط. ولكن هذه مجرد البداية! فمسألة الحساسية الثقافية لها تداعيات أعمق من ذلك بكثير، فكيف يمكننا أن نتوقع على سبيل المثال من جهاز ذكاء اصطناعي مبرمج للتعامل مع العادات والتقاليد الثقافية الأميركية أو الصينية أن يستوعب احتياجات العالم العربي؟

على الرغم من أن أجهزة الذكاء الاصطناعي قادرة على معالجة كم ضخم من المفردات، على سبيل المثال، فهل هي قادرة على التعامل بصورة فاعلة مع اللهجات العربية الثرية المتعددة وحفظ اللهجات الإقليمية ضمن قواعد بيانات تعتمد اللغة العربية الفصحى؟ هل هي قادرة على مراعاة اختلافات مثل أدوار أفراد العائلة في المواقف الأخلاقية اليومية (في العالم الغربي على سبيل المثال، يخضع الاطلاع على السجلات الطبية للأفراد لضوابط عديدة، ولا يمكن لأي فرد من أفراد العائلة الوصول إلى مثل هذه المعلومات) أو وجهات النظر المختلفة عن الحوكمة أو القيادة أو حتى الجريمة؟ إضافة إلى ذلك، تُعد الشيكات من دون رصيد في الإمارات العربية المتحدة جريمة جنائية بينما هي شأن مدني في الولايات المتحدة.

أما بالنسبة إلى الاختلافات في الرأي حول مدى قبول المحتوى، فهي تتفاوت تفاوتًا واسعًا في العالم العربي وحده، ناهيك عن فوضى الأفكار والمثل الغربية. إذا كان من الصعب على الإنسان التعامل مع كافة التعقيدات الثقافية في العالم، فما بالك بالأمر مع الآلة، بغض النظر عن مدى «ذكائها».

قال البروفيسور سيلفي بومي، مدير أبحاث الدكتوراه في جامعة باريس-ساكليه، إن تسارع المعرفة ونشوء التقنيات الحديثة، كالذكاء الاصطناعي مثلًا، دفع الجامعات إلى التعامل مع أخلاقيات البحث العلمي بصورة مختلفة، وأضاف موضحًا: «يقع على الجامعات العالمية المرموقة مسؤولية تدريب وتقديم الاستشارات للباحثين بشأن المشاريع التي لها أثر مباشر على الأفراد.

وفي بعض المجالات، ولا سيما التقنية، ظهرت تطورات تؤثر بصور مختلفة على المجتمع، الأمر الذي يتطلب منا تكييف الاستشارات التي نقدمها لحماية النزاهة العلمية».

لا شك في أن جهود بومي جديرة بالثناء، إلا أنها ليست كافية لتوضيح هذا التحليل. بالتأكيد نحن بحاجة إلى حماية النزاهة العلمية، ولكن - على مستوى أعلى - نريد أن نحمي ونبجّل التقاليد الثقافية والالتزام الديني وكل القيم الراسخة التي تحظى بتقدير واسع في إطار طرائق وسبل معيشة الشعوب العربية.

من دون امتلاك روح، قد يتمكن حاسوب الذكاء الاصطناعي من إظهار النزاهة، إلا أنه بلا شك سيفتقر إلى التعاطف. هل من الممكن أن يكون الذكاء الواعي أخلاقيًا التطور الثوري التالي في التقنية والذكاء الاصطناعي - وإن كان ذلك ممكنًا، من سيكون مسؤولًا عن تطويره؟

أعرب راي تشوهان، نائب الرئيس الأول للاستراتيجية المؤسسية في شركة «بات سناب PatSnap» المختصة بأبحاث وتحليلات براءات الاختراع، عن أسفه لغياب التطور الفعلي في هذا المجال، وأشار إلى أنه عند النظر إلى مشهد براءات الاختراع خلال السنوات القليلة الماضية، نلاحظ أن عدد الاختراعات الجديدة التي تعالج الحاجة إلى ذكاء اصطناعي واع أخلاقيًا هو قليل جدًا.

وأضاف: «اقترحت إحدى براءات الاختراع المقدمة في شهر مايو من عام 2017 نظام «عصبي-ضبابي» باستطاعته تمثيل السياسات الأخلاقية أو القانونية أو الثقافية أو الإقليمية أو حتى الإدارية المتصلة بسياق الآلة، مع القدرة على ضبط دقائق النظام حسب التفضيلات الفردية أو المؤسسية أو المجتمعية أو الثقافية. ومن الواضح أن هذا النظام قادر على دمج واستيعاب منظومة الأخلاقيات العربية إلى حد ما».

ربما من سوء الحظ أن تفضيلات الشركات قد تكون العامل المؤثر هنا، أي في حال كان هناك حاجة إلى تخصيص مفصَّل للذكاء الاصطناعي في عالم الأعمال، قد تصبح آليات التخصيص هذه في أيدي مهندسي البرمجيات الذين يطورون الذكاء الاصطناعي العربي.

وتجدر الإشارة إلى أن الشركات الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي، بما فيها «آي بي إم IBM» و«مايكروسوفت Microsoft» و«فوجيتسو Fujitsu» و«هيتاشي Hitachi»، لا تزال الآن تركز على كيفية ضبط الذكاء الاصطناعي بما ينسجم مع أسباب تفرضها التشريعات الإقليمية لامتثال الشركات. وإلى جانب القضايا المتعلقة بالحوكمة، برزت مخاوف تتعلق بسلوكيات الذكاء الاجتماعي المرتبطة بخصوصية البيانات الشخصية والاعتبارات الأخلاقية حين مشاركة بيانات المريض.

بناءً على ذلك، ينبغي لنا الارتقاء بالجهود الهندسية في هذا المجال إلى المستوى التالي ليصبح الذكاء الاصطناعي أكثر وعيًا بالناحية الأخلاقية وأكثر إدراكًا بالصعيد الإقليمي مما يمكنه من تحقيق كامل إمكانياته في الشرق الأوسط. وهذا يعني تفعيل المشاركة في تطوير هذه التقنيات ليصبح الذكاء الاصطناعي العربي جزءًا لا يتجزأ من الابتكارات الجارية حاليًا، وليس مجرد مرحلة متأخرة مرتبطة بفرص السوق.

يشتهر معهد مهندسي الكهرباء والإلكترونيات (IEEE) في نيوجيرسي بصفته صوت المنطق في الأوساط التقنية. وفيما بدا خطوة ذات مغزى واضح، قام محللو المعهد أخيرًا بمراجعة التقرير الرئيسي حول الأخلاقيات والأنظمة المستقلة لتصبح «أقل تركيزًا على الغرب» ما يبعث الأمل في التوجه نحو التغيير.

عندما سألنا أعلاه عمن سيكون مسؤولًا عن تطوير الجيل التالي من أنظمة الذكاء الاصطناعي الواعية أخلاقيًا، كان ينبغي أن يكون الجواب واضحًا: لن تكون الشركات الغربية العملاقة ولا الروبوتات نفسها، بل المبرمجين العرب؛ فالمسؤولية تقع على عاتقنا وعلينا اغتنام الفرص الآن.

أدريان بريدغوتر  - باحث اجتماعي

 

تعليقات

تعليقات