واشنطن تتحدث عن لغة أكثر حزماً بعد «نفاد الصبر» تجاه باريس، بوادر صدام دبلوماسي أميركي فرنسي حول العراق، البيت الأبيض مستعد لتخفيف تشدده إثر الرفض الدولي الكاسح للضربة

الجمعة 12 شعبان 1423 هـ الموافق 18 أكتوبر 2002 واصلت دول العالم الواحدة تلو الأخرى تحذير الولايات المتحدة من شن هجوم ضد العراق فيما تستعد ادارة الرئيس جورج بوش لتقديم مشروع قرار جديد للأمم المتحدة بشأن العراق يحمل بوادر تراجع في موقف واشنطن التي أكدت مصادر أنها وعلى الرغم من هذا التراجع بصدد البرهنة على أكبر حزم ممكن تجاه باريس بسبب معارضتها للقرار الاميركي، وتبدى الخلاف بين الجانبين أمس في الغاء المؤتمر الصحفي بين وزيرة الدفاع الفرنسية ونظيرها الاميركي دونالد رامسفيلد. وفيما قالت موسكو انها تعمل مع واشنطن لتجنب الخلاف في مجلس الأمن، بدت فرنسا منتشية بتأييد غالبية الدول لرؤيتها لحل الأزمة. واستؤنفت أمس المناقشات المفتوحة في مجلس الأمن بعد ان كانت علقت الليلة قبل الماضية. وكان 29 مندوباً قد تعاقبوا على الكلام خلال الساعات الست الأولى من المناقشة التي تعقد بطلب من منظمة دول عدم الانحياز حتى تتمكن الدول غير الأعضاء في مجلس الأمن من اسماع صوتها. ولم يؤيد أي متحدث موقف أميركا باصدار قرار يخولها الاستخدام التلقائي للقوة لكن معظمهم شددوا على ضرورة تشديد نظام التفتيش الهادف الى التحقق من ان العراق لم يعد يملك اسلحة دمار شامل. وتمنى غالبية المتكلمين اعطاء الحكومة العراقية فرصة لتثبت انها جدية عندما تعلن استعدادها لاستقبال المفتشين الدوليين من دون شروط. وفيما بدا استجابة لذلك قال دبلوماسيون ان الولايات المتحدة تعتزم ان تتقدم قريبا بمشروع قرار جديد بشأن العراق في الامم المتحدة. وقال ايغور ايفانوف وزير الخارجية الروسي أمس ان الولايات المتحدة وبريطانيا ستطرحان خلال الايام القليلة المقبلة على مجلس الامن مقترحات جديدة تتعلق بقرار بشأن العراق. وقال وزير الخارجية الروسي ان المقترحات الجديدة ستأخذ في الحسبان وجهة النظر الروسية. وتعارض روسيا التفويض باستخدام القوة ضد العراق. وكان ايفانوف يتحدث عقب محادثات مع نظيره اليوناني جورج باباندريو. ونقلت وكالة انترفاكس للانباء عن ايفانوف قوله للصحفيين «سيأخذ مشروع جديد للقرار الاميركي البريطاني في حسبانه وجهة النظر الروسية». وقال ايفانوف ان كولن باول وزير الخارجية الاميركي ابلغه بالقرار خلال محادثة هاتفية. وذكرت الخارجية الروسية ان الوزيرين اكدا على ضرورة وحدة مجلس الأمن بشأن العراق وعبرا عن «رأي مشترك» رغم الخلافات في وجهات النظر. واضاف الدبلوماسيون انه في مواجهة معارضة من معظم دول العالم بما في ذلك اعضاء رئيسيون في مجلس الامن الدولي فان ادارة الرئيس الاميركي جورج بوش خففت بعض العبارات في مشروعها الاصلي لكنها ما زالت تسعى الى تفويض لاستخدام القوة. ويعتزم مسئولون اميركيون عرض مقترحاتهم المعدلة على الاعضاء الدائمين الاربعة الاخرين في مجلس الامن وهم بريطانيا وفرنسا وروسيا والصين قبل توزيعها على الاعضاء الاخرين في المجلس المؤلف من 15 دولة. وقال مسئول أميركي «هناك اعتقاد بأنه يجب ان يكون هناك قرار حازم بعبارات قوية واضحة. الصبر على هذا لن يستمر الى الابد». وفي واشنطن، أكدت وزيرة الدفاع الفرنسية ميشال إليوت ماري بعد لقائها وزير الخارجية الأميركي الليلة الماضية أن كولن باول «مقتنع بالصعوبات» التي ستترتب على حرب ما في العراق. وقالت إن معظم الذين التقتهم في واشنطن يدركون صعوبات عملية عسكرية، وإن الكثير منهم «يقاسمنا بعض المسائل»، وأضافت أن باول «يعرف جيدا الشرق الأوسط وهو مقتنع بالصعوبات التي يمكن أن تنجم» عن هجوم عسكري على العراق. من جهته قال وزير الخارجية الأميركي للصحفيين بعد اللقاء الذي استمر حوالي 45 دقيقة إنهما أجريا محادثات جيدة. وردا على سؤال لمعرفة ما إذا كان «قاسيا» مع الوزيرة الفرنسية حيال العراق، اكتفى الوزير الأميركي بالابتسام. وقد تردد قبل اللقاء أن باول ينوي التعبير عن نفاد صبر واشنطن تجاه الرفض الفرنسي المشاركة في مشروع قرار أميركي في الأمم المتحدة ضد العراق، وأن يبرهن عن «أكبر قدر من الحزم» حيال هذه المسألة تجاه باريس، وعلى الصعيد ذاته، أعلنت سفارة فرنسا بواشنطن في بيان إلغاء لقاء صحفي مشترك كان مقررا أمس لوزير الدفاع الأميركي ونظيرته الفرنسية. وجاء في بيان السفارة أن الوزيرة الفرنسية قررت الإبقاء على اللقاء الصحفي بدون رامسفيلد. ولم يوضح البيان أسباب مثل هذا التغيير في البرنامج، لكن مصدرا فرنسيا قال إن الأميركيين «تذرعوا بضيق الوقت». وبجانب اللقاء مع رامسفيلد يشتمل برنامج الوزيرة الفرنسية على اجتماع مع كوندوليزا رايس ونائب الرئيس الأميركي ديك تشيني. وتتزعم فرنسا المعارضة لمشروع القرار الذي قدمته الولايات المتحدة في وقت سابق والذي يعطي واشنطن الحق في مهاجمة العراق عند ادنى فشل في الوفاء بشروط الامم المتحدة. وتحث فرنسا على ان يصدر مجلس الامن قرارين ولا تريد ان يعطي المجلس تفويضا لشن هجوم ما لم يقدم مفتشو الاسلحة تقريرا بأن العراق لا يتقيد بمطالب الامم المتحدة. وعلى النقيض فان واشنطن تريد لنفسها ان تكون صاحبة القرار بشأن انتهاكات العراق. وقال الدبلوماسيون انه في تنازل مقدم الى فرنسا فان المشروع الاميركي الجديد سيعطي تزكية اكبر لتقارير مفتشي الامم المتحدة للاسلحة الذين يبحثون عن اسلحة الدمار الشامل. لكن الولايات المتحدة ما زالت تصر على قرار واحد وتأمل ان تكون عباراته الجديدة غامضة بدرجة كافية للحصول على تأييد معظم الدول. وأبدت ادارة بوش ايضا استعدادا للتخلي على بنود في مشروعها تسمح للاعضاء الرئيسيين في المجلس بالمشاركة في عمليات الامم المتحدة للتفتيش وان ترسل جنودا لفتح اي طرق قد تغلق امام خبراء الاسلحة. وفيما اعتبره مراقبون تخبطاً ايطالياً فقد ميز رئيس الوزراء الايطالي سيلفيو برلوسكوني موقفه عن موقف واشنطن حيال الازمة العراقية، اذ ايد امس الاول في موسكو اصدار قرار مزدوج في الامم المتحدة، مشككا في الوقت نفسه في وجود اسلحة دمار شامل في العراق. لكنه اكد عندما عاد الى روما «لم ابدل موقفي واقف الى جانب (رئيس الوزراء البريطاني توني) بلير الحليف الاوروبي الاقرب الى الولايات المتحدة». وأثار الموقف الذي عبر عنه برلوسكوني في تصريحات للصحافة الايطالية حصرا اثر لقائه امس الاول في موسكو مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، استغرابا في ايطاليا تلته تساؤلات وانتقادات. غير ان برلوسكوني تراجع لدى عودته الى روما عن التصريح الذي اثار استغرابا حيث عبر عن شكوك في وجود اسلحة دمار شامل في العراق. وقال برلوسكوني «يجب القول بواقعية انه لم يعد هناك خيار آخر غير سلوك طريق القرار المزدوج في الامم المتحدة لمواجهة الازمة العراقية». وتابع «على الصعيد العملي سيكون من الافضل اصدار قرار واحد، الا انه يجب الاخذ بالاعتبار مواقف فرنسا وروسيا والصين في مجلس الامن». واعرب رئيس الوزراء الايطالي اخيرا عن معارضته السعي لقلب النظام العراقي، «لان القانون الدولي لا يجيز ذلك». وأثارت «تقلبات» برلوسكوني مثلما وصفتها امس صحيفة «لا ريبوبليكا» الكثير من التساؤلات والانتقادات في ايطاليا. وعلق لابو بيستيلي المسئول عن العلاقات الدولية في حزب «مارغيريتا» برئاسة زعيم المعارضة فرانشيسكو روتيلي «لا يزال هناك موضع شك: فكم من الوقت سيتمسك برلوسكوني بالموقف الذي عبر عنه فلاديمير بوتين؟». وأضاف «لا نود ان يبطل في روما او في نيويورك ما هو صالح في موسكو». الوكالات

طباعة Email
تعليقات

تعليقات