نافذة:الوساطة المصرية لحل الأزمة السودانية

الحديث عن تحقيق (مصالحة بين المعارضة والنظام الحاكم في السودان تبذل فيها مصر جهودا كبيرة) يختلف هذه المرة عما سبقه من محاولات انتهت إلى الفشل أو وئدت في مهدها, لأن مركز القوة والثقل في نظام الخرطوم لم يكن مستعدا ولا متقبلا فكرة المصالحة مع خصومه السياسيين . إذن ما هو الجديد الذي أتى به نظام الخرطوم الآن, وجعل مصر تعلق وعلى لسان الرئيس حسني مبارك انه وبرغم عدم ثقته بالنظام الحاكم في السودان إلا ان مصر تبذل جهودا كبيرة لتحقيق المصالحة؟ يبدو ان هذا الإعلان وبالصورة التي جاء بها أريد به وضع نظام الخرطوم أمام امتحان الثقة وقُصد منه إعلان موقف مصري قاطع تجاه الأزمة السودانية التي قطعت شوطا بعيدا على طريق التدويل, فمصر أرادت ان تضع جميع الأطراف أمام مسؤوليتها تجاه القضيتين المحوريتين المحركتين للجهود الدولية على اختلاف نواياها ومبرراتها, قضية الحرب والسلام وقضية الوحدة السودانية التي تستعمل الانفصال عنوانا رئيسيا لها. فبرغم ان مسؤولين في التجمع الوطني الديمقراطي قد قللوا من أهمية الطلب الذي تقدمت به أربع من منظمات الاغاثة الدولية إلى مجلس الأمن ليفرض وقفا ثابتا ومستقرا لاطلاق النار في الجنوب برغم ان مثل هذا الطلب ليس من اختصاصات هذه المنظمات وان مجلس الأمن عندما يتدخل فانه يتدخل سياسيا, وبقرار وطلب سياسي إلا ان الشيء المؤكد ان المصريين الذين شاركوا لأول مرة في اجتماعات أصدقاء الايجاد والذين تابعوا باهتمام ملف الأيجاد وتقرير اللجنة الفنية للايجاد في منتصف هذا العام, قد عادوا إلى القاهرة ولديهم احساس عميق بأن الحديث عن التدويل وعن التقسيم لم يعد أمرا يمكن تجاهله, وان المذكرة التي صدرت عن منظمات الاغاثة الأربع عقب اجتماع عقد في المفوضية السويدية لدى الأمم المتحدة وبرغم ما قدم لها من مبررات هي مسألة لا يمكن التقليل من شأنها أو تجاهلها. والنظام في الخرطوم الذي يسعى جاهدا الآن لاعادة ترتيب أوضاعه المتدهورة توصل إلى نقطة اعتقد انه من الممكن ان يتعامل بها مع مصر تعاملا يختلف عن طريقة المناورات ومحاولات كسب الزمن الضائع السابق.. لذلك فقد تقدم هذه المرة إلى مصر بشكل أراد ان يؤكد به أنه جاد في رغبته ان تتدخل مصر بينه وبين معارضيه للوصول إلى تسوية سلمية, يرى النظام من جانبه أنها ستحفظ له (المكاسب) التي حققها عبر السنوات منذ استيلائه على السلطة بالانقلاب العسكري, وهو ـ أي النظام ــ يرى ان مصر مهما كان رأيها فيه فهي لن تقبل تقسيم السودان بديلا عنه!! ولم يعرض النظام أن تتوسط القاهرة بينه وبين المعارضة فحسب بل طلب من مصر ان (تكون راعيا وضامنا لاتفاق بينه وبين المعارضة مبديا استعداده للاعتراف بصورة جدية وملزمة بالمعارضة ككيان قائم والتفاوض معها على أساس عودة الديمقراطية الحزبية في ظل حكم قومي انتقالي اقترح له خمس سنوات تنتهى باجراء استفتاء شعبي يحسم كل القضايا المعلقة تاريخيا في السودان, وعرض النظام تفصيلات كثيرة في شكل مشروع مكتوب. وأكد مسؤول حكومي بارز أدار المحادثات مع القاهرة ان هذا القرار هو قرار الدولة والمؤتمر الوطني (الحزب الحاكم) وأمام أزمة الثقة المفقودة والتصريحات المتناقضة أكد أيضا ان الجهات التي اتخذت هذا القرار وقدم باسمها هذا الطلب قادرة على تنفيذه لأنه صدر بقناعة تامة. من جانب مصر ــ وكذلك من جانب وسطاء آخرين سبق للنظام ان طلب وساطتهم, كان دائما يأتي الرد بأنه ليس مهما المبررات والتحليلات التي يسوق بها النظام الحاكم الطلب إلى الأشقاء ان يتدخلوا لحل الأزمة, لكن المهم ان يكون النظام قد تأكد ان أزمة السودان لا يمكن ان يحلها إلا اتفاق السودانيين الاجماعي على حل يوفر ما تبقى من دمائهم, ويحفظ ما بقي من السودان, وان يؤكد ــ النظام ــ هذه القناعة بالأفعال وليس بالكلمات, حينئذ يصبح دور الأشقاء الحادبين على الشعب والوطن السوداني ان (يساعدوا) السودانيين للوصول إلى حل يرضي جميع الأطراف لأن أي تصور للحل المرجو سيكون لحساب طرف على طرف آخر فإن ذلك لن يكون مقبولا أبدا. وعلى الجانب الآخر فإن المعارضة ممثلة بقيادتها في التجمع الوطني الديمقراطي تدرك وإلى درجة كبيرة ان ثمة أمورا ومستجدات حدثت وستحدث وان عليها مواجهتها أولا بأن تتوحد رؤيتها وبشكل واقعي وحقيقي حول القضايا المطروحة في أجندتها المعلقة وانه لم يعد يكفي ان تتخدق حول (وحدة) متوهمة وليست حقيقية, ويرى المراقبون أيضا ان المعارضة (التجمع الوطني الديمقراطي) يدرك انه لن يواجه موقفا كهذا بالرفض القاطع أو القبول المتهالك, لأن الواضح حتى اذا خلصت نوايا النظام الحاكم في السودان هذه المرة, فإن واحدة من مراهنات بأنه بهذا العرض ــ المشروع ــ الذي تقدم به يأمل في أن يحدث انقساما في صفوف المعارضة, وهو أمر سعت إليه الجبهة دائما وراهنت عليه, لذلك فإن أمام المعارضة الآن ثلاث خطوات هامة يجب ان تبذل كل جهدها لتحقيقها في الوقت المتاح, وبكل الجدية المطلوبة. أولا: ان تمتد وبشكل فعال وجدي من جهة العمل المسلح ليعطي العمل المسلح دفعة قوية تضعه في الحسابات السياسية في المرتبة المطلوب ان يكون فيها سواء تحققت تسوية سلمية أو تصاعد النزاع. ثانيا: عليها ان تعمل على تقوية الجبهة السياسية الداخلية وان يتصاعد العمل الشعبي المعارض بصورة مفتقدة الآن, وان كانت بعض بوادرها تلوح في الأفق. ثالثا: يتعين على المعارضة ان تنشط في جبهة العمل الدبلوماسي بصورة أكثر جدية وان تقابل الهجمة الدبلوماسية التي قام ويقوم بها النظام بخطاب عقلاني وحركة جدية ومنظمة واسعة الأفق تكون وسيلتها ــ مع الوسائل الأخرى ــ للمحافظة على المكاسب الدبلوماسية والتأييد الاقليمي والدولي الذي تكون عبر السنوات الماضية. وفوق ذلك كله فإن المعارضة السودانية, وقد تميزت طوال السنوات الماضية بمواقف حسبت لها خاصة أمام القوى الاقليمية والدولية المتعاطفة مع قضية الشعب السوداني ــ عليها ان تدرك ان المتغيرات والتطورات المتلاحقة في المنطقة والاقليم تُسرع حركتها في مسار جديد, وان هذه التطورات لن تنتظر ولن تبطئ من حركتها لأنها مرتبطة بقضايا لم يعد في الامكان تخزينها وترك حلها للزمن وحده, لذلك فإن كل بطء في الحركة سيحسب على المعارضة, وكل تأجيل واخلاف للمواعيد سيحسب أيضا عليها مهما كانت المبررات التي تقال في هذا الشأن خاصة وان الأوضاع المعيشية والصحية والأمنية تتدهور بسرعة لا تعادلها سرعة حركة المعارضة, وان النظام الذي كان هو صانع هذا التدهور ومهندسه يظهر نفسه الآن أمام العالم المهتم بشأن السودان, انه (قلق) من هذا التدهور, متخوف من ان يؤدي إلى نتائج تزيد من حدة المواجهات الدموية في السودان, وتضيف إلى مشاكل المجتمع الدولي المثقل بمشاكل الحروب القبلية والنزاعات الدموية في افريقيا مشكلة جديدة, ومع ان كثيرين يدركون ان النظام الحاكم هو المسؤول الأول عن هذا التدهور وعن التدهور القادم أيضا, ولكنه على أية حال (منطق) يقال وقد يجد من بين الحادبين على السودان من يصدقه ويحسن الظن ـ ولو إلى حين ـ ـ بالنظام. كيف ستسير وتتطور الأمور إن كانت نحو المصالحة أو الوفاق, أو التسوية لحل الأزمة السودانية التي طال عليها الزمن؟ الاجابة قد تكشفها ان لم تكن الأيام المقبلة, فربما الأسابيع المقبلة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات