نيوزيلندا وهولندا وبلجيكا تنضم عمليا الى الحشد الأمريكي وعنان الى بغداد غدا بـ (فرص معقولة) للتسوية

تعادلت كفتا الدبلوماسية والحرب أمس, مع قيام الامين العام للأمم المتحدة بحزم أمره اخيرا لزيارة بغداد غدا, في خطوة استبقتها أمريكا بتقديم تنازل شكلي مصحوب بتشديد على انها وحدها التي ستقرر نجاح مهمة عنان في بغداد من عدمها . وحظيت أمريكا التي سعت الى تقليص المهمة الى مجرد حمل رسالة انذار الى العراق بدعم عسكري من ثلاث دول هي بلجيكا وهولندا ونيوزيلندا . وفيما بدا ان مصير تغليب الكفة الدبلوماسية بات معلقا على مهمة عنان, التي تسابقت دول العالم بما فيها الكويت على الترحيب بها, فان بغداد طالبت عنان بالتجرد من (النوايا الامريكية) . ووسط هذه الاجواء, شهدت الاتصالات العربية ــ العربية والعربية ــ الدولية تسارعا ملحوظا, تزامن مع توجيه روسيا انذارا جديدا بأن ضرب العراق يهددها على الرغم من قولها ان الحل الدبلوماسي باتت له الاولوية. فرنسا تحدثت من جهتها عن (خلافات كبيرة) مع العراق بعيد مغادرة وزير خارجيته محمد سعيد الصحاف الذي وصل ايران سعيا للحصول على مساندتها في وجه الضربة. فقد اعلن الامين العام للامم المتحدة كوفي عنان امس أنه سيتوجه الى بغداد مع دعم كامل من جانب الدول الـ 15 الاعضاء في مجلس الامن الدولي. وحول الطريقة التي يتصور بها مهمته نقل عضو في مجلس الامن الدولي ان عنان اعلن (يجب ان نكون حازمين بالنسبة الى الجوهر وان نظهر مرونة بالنسبة الى الشكل) . واعرب عنان ايضا عن سعادته (لعودة مجلس الامن الى الاجماع في هذه الفترة العصيبة) . وقال انه اجرى محادثة هاتفية طويلة امس الاول مع الرئيس الامريكي بيل كلينتون حول (جميع جوانب الازمة العراقية) . وقال عنان ان كلينتون (كرر ان الولايات المتحدة تفضل حلا دبلوماسيا) . ولكن السفير الامريكي في الامم المتحدة بيل ريتشاردسون اعلن (ان الدبلوماسية استنفدت عمليا) . وقال للصحافيين (اعتقد ان جهود الامين العام هي (بين الجهود) الاخيرة اذا لم تكن الاخيرة) . وحذر من ان العراق يعرض نفسه (لعواقب وخيمة جدا جدا) اذا لم يتراجع بالنسبة الى تفتيش مواقعه مشيرا بوضوح الى الضربات التي تهدد واشنطن بتوجيهها الى العراق. واكد ريتشاردسون مجددا ان واشنطن لن تقبل (لا مساومات ولا تسوية) مع الرئيس العراقي صدام حسين حول حرية الدخول غير المشروطة الى جميع المواقع من قبل مفتشي الامم المتحدة. وذكر دبلوماسيون ان عنان وصف الوضع في العراق اثناء مداخلته في مجلس الامن بانه (خطير) وقال انه عمليا متاكد من حصول عمل عسكري امريكي اذا فشل الحل الدبلوماسي. واشار ايضا الى انه سيقترح نظاما خاصا لتفتيش القصور الرئاسية لصدام حسين يحفظ وضع ودور اللجنة الخاصة للامم المتحدة. وقال ريتشاردسون ان بامكان واشنطن قبول تسوية مع العراق يرافق بمقتضاها دبلوماسيون من الدول دائمة العضوية بمجلس الامن مفتشي الاسلحة التابعين للامم المتحدة. وقال (فيما يتعلق بالدبلوماسيين, المراقبين الذين يراقبون فريق التفتيش نفسه, اعتقد ان بامكاننا ان نتعامل مع هذا) . والاقتراح الرئيسي المطروح على الدول الخمس الدائمة العضوية هو ان يرافق سفراء عن اعضاء المجلس الدائمين مفتشي المنظمة الدولية الى مواقع حساسة قال العراق انه يحظر على المفتشين دخولها. الا ان ذلك يتطلب تنازل العراق عن مطالبه بتحديد فترة 60 يوما لعمليات التفتيش. ولم يتضح على الفور رسميا مجال التفاوض الذي سيكون متاحا لعنان في زيارته بغداد وهل سيساعد ما يفعله في تجنب هجوم عسكري, وكانت روسيا والصين اشارتا الى أن امامه الاختيار بين بدائل. لكن الناطق باسم الرئاسة الامريكية اعلن من جهته أن البيت الابيض سيحكم وحده على نجاح أو فشل مهمة عنان في بغداد, وقال إنه ليس متفائلا باحتمال ان يحرز عنان (اختراقا) . وقال مايكل ماكاري (لن نصادق عفويا على أي نتيجة تنجم عن هذه المهمة. نريد أن نكون قادرين على دراستها والتحقق مما اذا كانت تستجيب للمبادىء الواجب تطبيقها) . وأضاف الناطق أن الولايات المتحدة تثق كل الثقة بعنان لينقل الى المسؤولين العراقيين (رسالة حازمة جدا) تطلب من العراق احترام قرارات الامم المتحدة. غير أنه أكد (أننا نحتفظ بحق الحكم على النتائج المحتملة) لهذه المهمة. وفي المقابل حث العراق عنان الا يتبنى الخط الامريكي عندما يأتي الى بغداد. ورحب نائب رئيس الوزراء العراقي طارق عزيز بالمهمة السلمية التي يقوم بها عنان وقال ان العراق مستعد لبحث قضية دخول المفتشين المواقع المتنازع عليها معه بصورة متعقلة ومتحضرة. غير ان الصحف الحكومية اعلنت تحديها, وقالت صحيفة الجمهورية ان على عنان ان يتذكر ان الامم المتحدة منظمة دولية وهي مستقلة تماما عن الادارة الامريكية على الرغم من ان مقرها نيويورك. واضافت ان عليه ان يؤكد استقلالية الامم المتحدة والا يجعلها قسما من اقسام وزارة الخارجية الامريكية كما فعل خافيير بيريز دي كويار الذي قام بزيارة غير ناجحة لبغداد في اخر محاولة لنزع فتيل الازمة التي ادت الى حرب الخليج عام 1991. وسارعت اغلب دول العالم بالترحيب بزيارة عنان الى بغداد وان تفاوتت درجة تفاؤلها بالنتائج, وفيما اعطت بريطانيا اشارة متشائمة اعتبر الرئيس الروسي بوريس يلتسين ان الزيارة (فائقة الاهمية) لان (في امكانها المساهمة في تسوية الازمة مع العراق عن طريق السياسة والدبلوماسية) . وزير الخارجية الروسي يفجيني بريماكوف الذي يزور المجر اعرب عن تفاؤل كبير قائلا ان الجهود الدبلوماسية لحل الازمة العراقية ستنجح فيما يبدو. وقال بريماكوف خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره المجري لاسزلو كوفاكس (الظروف مواتية فيما يبدو للتسوية) . وقال بريماكوف انه والقيادة الروسية ينظرون بعين الرضا للخطاب الذي القاه الرئيس الامريكي بيل كلينتون الليلة قبل الماضية والذي صرح فيه بان فرصة التوصل الى حل سلمي للازمة لا تزال قائمة. وردا على سؤال قال الوزير الروسي انه لا يريد ان يسهب في الحديث عن الفكرة القائلة بان التدخل العسكري قد يؤدي الى حرب عالمية والتي ألمح اليها الرئيس الروسي بوريس يلتسن في وقت سابق من الشهر الحالي. بيد ان وزير الدفاع الروسي ايجور سيرجييف مضى الى ابعد من ذلك, اذ قال أن قصف مخزونات محتملة من الاسلحة الكيميائية او البيولوجية في العراق قد يتسبب بتلوث في آسيا الوسطى وحتى في روسيا نفسها. وقال الماريشال سيرجييف للصحافيين (اذا كان العراق لا يمتلك أسلحة الدمار الشامل فلماذا ضربه؟) . وفي حال كان العراق يمتلك مثل هذه الاسلحة فان (قصفه قد تكون له نتائج وخيمة جدا. ففي ثلاثة أو أربعة أيام, يمكن أن يصيب ذلك نصف العراق اضافة الى طاجيكستان وتركمانستان وفي حال كان العراق يمتلك كميات كبيرة من هذه الاسلحة فان روسيا (ستتأثر) أيضا) . أضاف (لا أعتقد بأن عملية عسكرية ستشن) مؤكدا أن الازمة العراقية (لا تمس فقط بالمصالح الوطنية للولايات المتحدة) . وكان الوزير الروسي أكد الاسبوع الماضي أن (المصالح الحيوية) لروسيا مهددة في هذا النزاع من دون أن يشرح بوضوح طبيعة هذه المصالح. ومن جهته اكد رئيس الوزراء الصيني لي بينج مجددا امس في موسكو دعم بلاده جهود روسيا لايجاد حل سلمي للازمة العراقية لكنه حمل على رغبة الولايات المتحدة في فرض (هيمنتها) في هذا المجال. ونقلت وكالة انترفاكس الروسية عن لي الذي يزور موسكو منذ امس الاول قوله (لا يفترض ان يطالب اي بلد بالهيمنة المطلقة. هناك دول او مجموعات دول عديدة اخرى لها الحق في المشاركة في حل الازمات الدولية) . وذكرّ لي بان روسيا والصين وقعتا في العام الماضي اتفاقا يدعو الى عالم (متعدد الاقطاب) وينص على تعاون متزايد بين موسكو وبكين في محاولة موازنة ثقل الولايات المتحدة. على الصعيد العربي, اعرب الرئيس المصـري حسني مبارك عن تفاؤله بحل الأزمة سلما عقب تلقيه ما قاله انه رسالة ايجابية من العراق. وتلقى مبارك اتصالا من الرئيس السوري حافظ الاسد, بعد قليل من لقائه بالقاهـرة مع نائب الرئيس السوري عبدالحليم خدام ووزير الخارجية فاروق الشرع. الاسد اتصل في وقت لاحق بولي العهد السعودي الامير عبدالله بن عبدالعزيز الذي تلقى بالمقابل رسالة من السلطان قابوس بن سعيد سلطان عمان. عسكريا, انضمت بلجيكا وهولندا ونيوزيلندا عمليا امس الى الحشد الامريكي البريطاني المتنامي بالخليج لتوجيه ضربة عسكرية للعراق في حال فشل الجهود الدبلوماسية لحل ازمة المفتشين فيما اطلق البرلمان البريطاني ــ مجلس العموم ــ يد الحكومة رسميا الليلة قبل الماضية في المشاركة بالضربة. وذكر متحدث باسم الخارجية البلجيكية ان البرلمان وافق على قرار الحكومة المساهمة في التجييش الغربي خلال اجتماع امس. وعلى الاثر قررت الحكومة ارسال فرقاطة لاستخدامها حال استنفاد الحلول السلمية. وقال المصدر نفسه ان هذا القرار يندرج في اطار سياسة بروكسل في دعم جهود الامين العام للامم المتحدة كوفي عنان لحل الازمة العراقية. جدير بالذكر ان الرئيس الامريكي بيل كلينتون اتصل هاتفيا يوم الاحد الماضي برئيس الوزراء البلجيكي جان لوك ديهين عارضا وجهة نظر واشنطن من الازمة. في غضون ذلك عبرت فرقاطة هولندية قناة السويس امس في طريقها الى الخليج على اثر قرار حكومة امستردام يوم الجمعة الماضي المساهمة في عملية عسكرية ضد العراق بعد التثبت من فشل جميع الحلول الدبلوماسية. ومن جانبها اعلنت نيوزيلندا ان القوات التي تساهم بها لاجبار العراق على السماح للمفتشين الدوليين بحرية الدخول الى قصور الرئاسة ستغادر البلاد متجهة الى الخليج صباح اليوم الخميس. وقال ماكس برادفورد وزير الدفاع في بيان ان طائرتي مراقبة من طراز اوريون ووحدة تضم 20 فردا من قوات الكوماندوس الخاصة ونحو 50 فردا من القوات الجوية ستنضم الى تحالف تقوده الولايات المتحدة يهدد بتوجيه ضربة الى العراق. واعلنت جيني شيبلي رئيسة وزراء نيوزيلندا الاثنين الماضي بعد اجتماع لمجلس الوزراء ان بلادها ستشارك في اي عمل عسكري يرمي الى اجبار العراق على الامتثال لطلبات الامم المتحدة بالتخلي عن انتاج اسلحة الدمار الشامل المحظورة. واعرب برادفورد عن امل بلاده في التوصل الى حل دبلوماسي للازمة من خلال الامم المتحدة. وقال (ما من احد فينا يرغب في الحل العسكري لكن القضية الرئيسية هي عدم امتثال الحكومة العراقية لقرارات ملزمة) . في السياق نفسه فوض مجلس العموم (البرلمان) البريطاني حكومة رئيس الوزراء توني بلير المشاركة في اي ضربة عسكرية قد يتم توجيهها الى العراق. وعقد المجلس جلسة خاصة الليلة قبل الماضية استغرقت ست ساعات لبحث هذا التفويض الذي حصلت عليه الحكومة بأغلبية ساحقة بلغت 493 صوتا مقابل اعتراض 25 عضوا فقط معظمهم من حزب العمال الحاكم. على صعيد اخر اعلن التلفزيون الحكومي الاسرائيلي ان الولايات المتحدة سلمت تل ابيب امس بطاريات صواريخ باتريوت خشية لاحتمال تعرضها لهجوم عراقي. واضاف التلفزيون ان طائرة شحن امريكية من طراز (جالاكسي-سي-17) تحمل صواريخ وكاشفات للاسلحة الجرثومية ومستلزمات لحماية الجنود الاسرائيليين هبطت في مطار بن غوريون قرب تل ابيب. وبحسب الصحافة الاسرائيلية فان هذه الطائرة ليست سوى بداية جسر جوي اقامته الولايات المتحدة لتزويد اسرائيل بالتجهيزات اللازمة في حال اطلق العراق صواريخ تحمل رؤوسا جرثومية او كيميائية على الدولة العبرية. ـ الوكالات

تعليقات

تعليقات