الحقائق الخفية في المواجهة بين واشنطن وبغداد: بقلم- ميشال جوبير

إننا أمام مواجهة بين واشنطن وبغداد, اي في الحقيقة أمام كومة من العجز, ومن باب السذاجة ان نقوم في هذا الوقت وفي هذا المكان بالتنديد والشجب لممارسات فجة تحققها أعرق الانظمة الديمقراطية لتفتح امام مصالحها آفاقا رحبة جديدة . فمنذ غزو الغرب الامريكي الى فرض الهيمنة على امريكا الجنوبية ومن جزر الكاريبي الى الفلبين لا نجد الا تراكم الممارسات العنيفة والسياسات الوقحة, وأقرب الينا تاريخيا حرب فيتنام التي شكلت على مدى عشر سنوات تلاحقا لفصول العنف والموت مما كان له اثر الضربة الصاعقة على الضمير الوطني الامريكي. وهكذا بعد نصف قرن من استقرار امريكا على نفط الشرق الاوسط وبعد سبع سنوات من حرب الخليج الثانية الشهيرة سبقتها عملية التخلي المخزي عن شاه ايران, فان امريكا عاجزة عن ندب شركاء لها من بين اصدقائها وحلفائها التقليديين اقليميا وعالميا (حتى منظمة الامم المتحدة رفضت الانقياد) لان امريكا تطالب هؤلاء الشركاء بأن يتبعوا ممارساتها وهم معصوبو العيون وان يرتموا في حرب جديدة عقابية ضد العراق. وحين اقول العراق فاني أعي ما اقول لأني اقصد الشعب العراقي الذي ذهب ضحية الحليفين الموضوعيين: صدام حسين وجورج بوش, فقد كان الاول بالنسبة للثاني (الشيطان) الضروري لتبرير استقرار امريكا في المنطقة, وبالطبع فان ضرب الحصار وفرض العقوبات لم تزد صدام حسين الا قوة وسيطرة قبضته على شعبه المسكين الاعزل والحاقد على الغرب, ان واشنطن في الواقع تحتاج الى صدام حسين لمراقبة المنطقة والحفاظ على الدولة العراقية, ولو قلنا هذا الكلام منذ سبع سنوات لاتهمونا بالهوس اما اليوم فقد اصبح الحقيقة الساطعة. ان السيدة مادلين اولبرايت تعد امريكا بضربات مكثفة او جراحية قبل شهر مارس وهي سيدة (عاطفية) تريد ان تبرر تجمع قوات ضخمة امريكية في المنطقة حيث هبطت معنويات (البويز) BOYS امام الخوف من (الارهاب) وامام الحنين للوطن, والحمد لله ان امريكا لم تضرب في يناير لأنه تصادف هذا العام مع شهر رمضان وكانت الشوارع العربية تعج بالعواطف المناهضة لامريكا. ولعل الادارة الامريكية فهمت الدرس في شهر نوفمبر الماضي حيث انعقد المؤتمر الاقتصادي للشرق الاوسط وشمال افريقيا وفهم كلينتون ان القادة العرب رغم ما يبدو عليهم من لطف ازاء واشنطن لم يمنحوا الضوء الاخضر امام الارادة الامريكية ولم يخضعوا للحماية الامريكية ولم يجرؤوا على مصادمة شعوبهم التي تشعر بالممارسات الامريكية كأنها مس بكرامتهم وزيادة لفقرهم. بالنسبة لهذه الشعوب فان الحضور الامريكي يمس عاطفة استقلالها ولا يمثل حتى تحكيما منصفا من الخارج لفائدة حقوق الانسان وكرامة الشعوب والتنمية الاقتصادية والتضامن الاجتماعي, وذلك لسبب وجيه وبسيط وهو ان هذا التحكيم الامريكي يناصر دولة اسرائيل ويهزأ من قرارات منظمة الامم المتحدة عندما تريد هذه المنظمة اجبار اسرائيل على السلام بينما يسعى التحكيم الامريكي الى ضرب العراق, فقد وعى الرأي العام العربي والاسلامي بهذا التناقض بعد ان غرقت مفاوضات (اوسلو) و(مدريد) بين الفلسطينيين والاسرائيليين. ولا أدري ما الذي سيفعله الامريكان حكومة وبرلمانا وشعبا لاقناع الجماهير العربية بصدق نواياهم, فالقوة لا تكتسب الشرعية الا متى كانت منصفة, وما ابعد امريكا عن الشرعية وعن الانصاف! ونفس الحكم نصدره على ممارسة المقاطعة والحصار الاقتصادي والضغط المالي الذي تقوم به هذه القوة العظمى فهي اصبحت مكروهة في المبادىء والاعمال, وقد عالج البابا يوحنا بولس الثاني هذين الوجهين في زيارته الى كوبا الشهر الماضي: لا يمكن ان نرفع شعار النظام العالمي حين نمارس الحصار المطول, فماذا ربحت امريكا من حرمان كوبا من حريتها اكثر من انها دعمت ورسخت كاسترو؟ بل وقدمته كنموذج للصمود في كل امريكا اللاتينية, بل وعبأت ضدها كل المنظمات والمصالح الاقتصادية المنزعجة من الصلف الامريكي, وكذلك فعلت مع صدام حسين ومع معمر القذافي وتدعمت انظمة السودان وايران, وكان على امريكا لو ارادت ابعاد صدام, بحق الا تجوع الشعب العراقي, فالانتقام من شعب لمعاقبة قادته لم يعد ينفع, النتيجة هي تقوية انظمتهم. ولذلك نقول ان صدام وكلينتون اليوم حليفان واذا لم يقتنع اعضاء الحكومة والكونجرس في امريكا بهذه الحقيقة فعلينا ان نفتح لهم دروسا مسائية في السياسة! وزير خارجية فرنسا الأسبق *

تعليقات

تعليقات