«كورونا» وتحدي استمرارية التعليم

صورة

ذات مرة، كتب عازف الجيتار العظيم بي. بي. كينج: «الجميل في التعلم هو أن لا أحد يستطيع أن يسلبك إياه». وُلِـد كينج ونشأ فقيراً، وقد أدرك قيمة التعليم كقوة للتغيير. أتمنى لو كان القادة السياسيون، في استجابتهم لجائحة فيروس كورونا (كوفيد 19)، يملكون ولو أقل مقدار من هذه البصيرة.

الآن تتحول أزمة «كوفيد 19» إلى حالة طوارئ تعليمية عالمية. فمن المتوقع أن يفقد ملايين الأطفال، وخاصة أكثرهم فقراً والفتيات الصغيرات، فرص التعلم التي كانت لتحول حياتهم. ولأن التعليم يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالازدهار وخلق فرص العمل وتحسين الصحة في المستقبل، فإن انتكاسة على هذا النطاق من شأنها أن تقوض تقدم البلدان، مما يعزز أوجه التفاوت الشديد القائمة بالفعل. ومع ذلك، لم تُـسَـجَّـل هذه الحالة الطارئة بعد على أجندة الاستجابة للجائحة.

تسببت عمليات الإغلاق في حرمان أكثر من مليار طفل من الذهاب إلى المدرسة. وهذا يعني بالنسبة لنحو 500 مليون طفل منهم عدم الحصول على أي تعليم على الإطلاق.

تُـعَـد حالة الطوارئ الحالية امتداداً لأزمة قائمة بالفعل. فحتى قبل اندلاع الجائحة، كان 258 مليون طفل خارج المدرسة، وكان التقدم نحو التعليم الشامل متوقفاً. والآن، قد يؤدي تزايد فقر الأطفال وحده إلى عدم عودة عشرة ملايين طفل إلى المدرسة. ويتعرض العديد من هؤلاء الأطفال لخطر الإكراه على عمل الأطفال أو الزواج المبكر (في حالة الفتيات المراهقات).

من ناحية أخرى، من المنتظر أن يتفاقم سوء مستويات التعلم التي كانت سيئة بالفعل قبل الجائحة، التي تركت نصف جميع الأطفال في البلدان النامية غير قادرين على قراءة جملة بسيطة بنهاية الدراسة الابتدائية.

إن التعليم يمكّن الناس، ويحد من الفقر، ويحسن الصحة، ويشكل رأس المال البشري الذي يولده التعليم مصير البلدان. وسوف يُـفضي التعليم المفقود إلى تآكل رأس المال هذا، مما يجعل أهداف التنمية المستدامة لعام 2030 بعيدة المنال.

الآن، ينبغي للحكومات أن تستثمر في منع هذه النتيجة. ولكن من المؤسف أن ميزانيات التعليم أصبحت جوفاء بفعل الركود وتحول اتجاه الإنفاق العام ــ والمعونة الدولية ــ نحو الرعاية الصحية والتعافي الاقتصادي. ونتيجة لهذا، قد تنتهي الحال بالحكومات في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل إلى إنفاق 77 مليار دولار أقل من المخطط على التعليم على مدار الأشهر الثمانية عشرة المقبلة.

ما العمل إذاً لتجنب الكارثة؟ في حملتها العالمية الجديدة بعنوان أنقذوا تعليمنا، وضعت منظمة إنقاذ الطفولة أجندة من ثلاثة أجزاء لتحقيق التعافي.

تتمثل الأولوية الأولى في الحفاظ على التعليم مستمراً أثناء عمليات الإغلاق. وينبغي للحكومات أن تبذل قصارى جهدها للوصول إلى الأطفال من خلال الإذاعة، والتلفزيون، ومبادرات التعلم عن بُـعد.

ثانياً، تخلق الجائحة الفرصة لمعالجة أزمة التعلم الأوسع نطاقاً. إن عدداً كبيراً للغاية من الأطفال يتعلمون في المستوى الخطأ، بسبب تطبيق المدارس لمناهج سيئة التصميم بشكل صارم. ويجب أن يخضع كل طفل يعود إلى المدرسة لتقييم تعليمي يهدف إلى تحديد أولئك الذين يحتاجون إلى الدعم. ومن الممكن بعد ذلك أن تعمل برامج التعليم العلاجية على منع هؤلاء الأطفال من التخلف عن الركب.

ثالثاً، تشكل زيادة التمويل الدولي أهمية بالغة. فقد دخلت معظم البلدان الأكثر فقراً، وخاصة في أفريقيا، دورة انكماش اقتصادي بحيز مالي محدود. والآن يزداد تقلص حيز المناورة هذا مع اشتداد الركود ومشكلات الديون الخارجية.

استجابت حكومات الدول الغنية لأزمة «كوفيد 19» بتمزيق كتيبات القواعد المالية والنقدية والتعهد بخطط وطنية طموحة لتحقيق التعافي. ويجب أن تكون جريئة بالقدر ذاته في دعم التعليم في البلدان النامية.

تشكل زيادة فاعلية بنوك التنمية المتعددة الأطراف نقطة انطلاق واضحة. دعت مفوضية التعليم إلى إنشاء مرفق دولي لتمويل التعليم لتوفير ضمانات القروض، وبالتالي تمكين البنك الدولي وغيره من المؤسسات من الاقتراض بتكاليف بخسة في الأسواق الدولية وإقراض الأموال للدول النامية.

بموجب هذا المخطط، من الممكن أن يحرر كل دولار من الضمانات 4 دولارات لتمويل التعليم. الواقع أن هذا النهج، الذي سيشمل تقييمات صارمة لاستدامة الديون التي ستحصل عليها البلدان المستفيدة، من الممكن أن يحشد الموارد على نطاق يتناسب مع الأزمة. وينبغي للجهات المانحة للمساعدات والبنك الدولي دعم هذا النهج.

يقوم البنك الدولي مسبقاً بتعبئة الموارد المخصصة بالفعل لمؤسسة التنمية الدولية (ذراعه للإقراض الميسر). ولكن من المؤكد أن أزمة غير مسبوقة تتطلب ما هو أكثر من ذلك. ينبغي للبنك أن ينشئ ميزانية تكميلية لمؤسسة التنمية الدولية لا تقل عن 35 مليار دولار وأن يزيد من دعمه للتعليم.

ويُـعَـد تخفيف الديون مصدراً آخر محتملاً للتمويل. وتشكل مبادرة تعليق خدمة الديون التي تقدمها مجموعة العشرين لأعضاء مؤسسة التنمية الدولية خطوة صغيرة في الاتجاه الصحيح.

في واقع الأمر، تلبي البلدان مدفوعات الدين القصيرة الأجل باستهلاك رأس المال البشري الطويل الأجل. والسماح لمطالبات الدائنين من القطاع الخاص بحرمان الأطفال من حقهم في التعليم أمر لا يمكن التسامح معه أخلاقياً وهو مدمر اقتصادياً. لهذا السبب، اقترحت منظمة إنقاذ الطفولة آلية يمكن من خلالها تحويل التزامات الدين إلى استثمارات في الأطفال.

يمكننا قياس التأثير الصحي الذي تخلّفه الجائحة على البالغين من خلال تتبع معدلات الإصابة بالعدوى والوفيات، كما يمكننا قياس تأثيراته الاقتصادية من حيث الناتج المحلي الإجمالي المفقود، وارتفاع معدل البطالة، وتضخم الدين العام. أما حالة الطوارئ التعليمية فهي أقل وضوحاً في نظر صناع السياسات. لكنها ستترك الملايين من الأطفال الأكثر فقراً في العالم يحملون ندوب الفرص المتضائلة لبقية حياتهم.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات