الأمن القومي وتكاليفه الاقتصادية الأمن القومي وتكاليفه الاقتصادية

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة

بتعطيل المجالات الاقتصادية والاجتماعية والجيوسياسية العالمية المترابطة، كشفت أزمة مرض فيروس كورونا 2019 «كوفيد 19» عن مدى هشاشة وإجحاف المؤسسات التي تحكم هذه المجالات. كما سلطت الأزمة الضوء على مدى صعوبة معالجة الهشاشة الجهازية والظلم وسط تهديدات الأمن القومي المتصاعدة.

في عام 2007، اقترح داني رودريك من جامعة هارفارد «نظرية الاستحالة» في الاقتصاد العالمي، والتي بموجبها يصبح التوافق بين الديمقراطية، والسيادة الوطنية، والتكامل الاقتصادي العالمي، في حكم المستحيل جوهرياً. «يمكننا أن نجمع بين أي اثنين من الثلاثة، لكننا لن نحظى بالثلاثة في وقت واحد وبالكامل أبداً».

لكي نفهم كيف تتشابك السياسات الاجتماعية والاقتصادية وسياسات الأمن القومي في هذه المعضلة الثلاثية، علينا أن نتأمل تجربة هونغ كونغ. منذ الحكم البريطاني، عملت سياسة «عدم التدخل الإيجابي» على تمكين النمو الاقتصادي في المدينة.

أدرك المسؤولون الإداريون البريطانيون في هونغ كونغ أن صِغَـر سوقها، وقطاعها التصنيعي، وحجم تجارتها نسبياً، يعني أن الالتزام بالانفتاح، وليس استراتيجية التنمية الموجهة، هو أضمن سبيل إلى الازدهار والرخاء.

كانوا محقين. فاليوم، تمتلك هونغ كونغ أحد أكثر موانئ العالم ازدحاماً، وقد سمحت لفترة طويلة بالتنقل الحر للرأسمال والمعلومات والبشر.

وبفضل التعريفات التي تقترب من الصفر والضرائب الشديدة الانخفاض، تمكنت المدينة من التحول إلى مركز مالي عالمي، وواحدة من أكبر أسواق الأسهم وتمويل الديون في العالم. ومنذ البداية، اشتملت عملية «الإصلاح والانفتاح» في الصين على ارتباط اقتصادي أعمق مع هونغ كونغ، الأمر الذي أدى إلى تعزيز دينامية المدينة.

مع ذلك، وكما هي الحال في الاقتصادات المتقدمة، ساعدت الطفرة الاقتصادية التي تغذيها العولمة على حجب المشاكل الاجتماعية المتزايدة العمق. فمع تحول التصنيع إلى البر الرئيسي الصيني، فُـقِـدَت العديد من الوظائف، ليس في المصانع وحسب، بل وأيضاً في مجال الخدمات اللوجستية وخدمات المكاتب الخلفية. وكانت النتيجة تفريغ الطبقة المتوسطة.

واليوم يبلغ معامل جيني للإقليم -حيث يمثل الصفر أقصى قدر من المساواة ويمثل الواحد أقصى قدر من التفاوت وعدم المساواة- 0.539، مقارنة بنحو 0.411 في الولايات المتحدة (وهو أعلى مستوى بين الدول المتقدمة الرئيسية).

ذات يوم، كان النهج الاقتصادي القائم على عدم التدخل الذي تبنته هونغ كونغ مصحوباً بسياسة اجتماعية تتسم بعدم التدخل بذات القدر. لكن أعمال الشغب في عام 1967 -النزاع العمالي الذي تطور إلى مظاهرات واسعة النطاق ضد الحكم البريطاني- أجبرت الحكومة على بناء مساكن عامة منخفضة التكلفة للتخفيف من سخط العمال.

لكن هذا النهج كان معيباً. فاليوم، يعيش ما يقرب من %45 من سكان هونغ كونغ في مساكن عامة بالإيجار أو مدعومة. وفي الصين، على النقيض من هذا، نجد أن %90 من الأسر تمتلك منزلاً واحداً على الأقل.

لن تكون معالجة هذه المشاكل الاجتماعية بالمهمة السهلة، وخاصة بسبب المخاطر المتزايدة التي تهدد الأمن القومي. تتسم المخاطر التي يفرضها الانتشار الأحدث عهداً للتكنولوجيات الرقمية بنوع مشابه من عدم التماثل. ذلك أن شن الهجمات السيبرانية رخيص التكلفة، لكنها من الممكن أن تسقط أنظمة مالية أو معلوماتية أو دفاعية كاملة.

عندما تفشل السياسة الاقتصادية في توفير قدر معقول من العدالة الاجتماعية -والذي ينعكس، على سبيل المثال، في ملكية المساكن على نطاق واسع والوظائف العالية الجودة- ترتفع مخاطر الأمن الداخلي. وكما هي الحال في الكثير من الديمقراطيات، رفض العديد من العمال والشباب المؤسسة السياسية، واحتضنوا أيديولوجيات محلية وشعبوية، ونظموا الاحتجاجات ضد مؤسسات الدولة. تفضي مثل هذه الاتجاهات غالباً إلى الفوضى والعنف، ما يدعو إلى اتخاذ تدابير صارمة لاستعادة النظام.

يزداد هذا التحدي تعقيداً في هونغ كونغ، بسبب موقعها كبوابة مالية بين الصين والولايات المتحدة المتزايدة العداء. مع فرض الولايات المتحدة عقوبات مالية على عدد متزايد من الشركات الصينية والأفراد، أصبحت الصين قلقة من أن تتحول هونغ كونغ إلى حصان طروادة، الذي يمكن أن تستخدمه الولايات المتحدة لزعزعة استقرار نظام الحكم في الصين، بما في ذلك مبادراتها في مجال الأمن القومي.

في نهاية المطاف، لا تكتفي استراتيجية الأمن القومي الأمريكية باستهداف حماية الأمريكيين وأسلوب حياتهم بشكل صريح، بل تسعى أيضاً إلى تعزيز «النفوذ الأمريكي في العالم». ربما تكون مخاوف الصين حقيقية بالفعل.

إن التأكيد المتنامي على الأمن القومي من شأنه أن يزيد من تقويض التجارة العالمية والاستثمار، ما يترك قدراً أقل من الموارد لتمويل السياسات الاجتماعية، ومعالجة فجوات التفاوت، والتصدي لتغير المناخ. إنها مأساة مشاع عالمية، ولا يوجد ما يضمن أن يؤدي إدراك هذه المأساة والاعتراف بها إلى تغيير النتيجة.

* زميل متميز في معهد آسيا العالمي بجامعة هونغ كونغ، وعضو المجلس الاستشاري لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة لشؤون التمويل المستدام.

** رئيس معهد هونغ كونغ للتمويل الدولي، وأستاذ ومدير معهد أبحاث طريق الحرير البحري في كلية إتش إس بي سي لإدارة الأعمال بجامعة بكين.

بتعطيل المجالات الاقتصادية والاجتماعية والجيوسياسية العالمية المترابطة، كشفت أزمة مرض فيروس كورونا 2019 «كوفيد 19» عن مدى هشاشة وإجحاف المؤسسات التي تحكم هذه المجالات. كما سلطت الأزمة الضوء على مدى صعوبة معالجة الهشاشة الجهازية والظلم وسط تهديدات الأمن القومي المتصاعدة.

في عام 2007، اقترح داني رودريك من جامعة هارفارد «نظرية الاستحالة» في الاقتصاد العالمي، والتي بموجبها يصبح التوافق بين الديمقراطية، والسيادة الوطنية، والتكامل الاقتصادي العالمي، في حكم المستحيل جوهرياً. «يمكننا أن نجمع بين أي اثنين من الثلاثة، لكننا لن نحظى بالثلاثة في وقت واحد وبالكامل أبداً».

لكي نفهم كيف تتشابك السياسات الاجتماعية والاقتصادية وسياسات الأمن القومي في هذه المعضلة الثلاثية، علينا أن نتأمل تجربة هونغ كونغ. منذ الحكم البريطاني، عملت سياسة «عدم التدخل الإيجابي» على تمكين النمو الاقتصادي في المدينة.

أدرك المسؤولون الإداريون البريطانيون في هونغ كونغ أن صِغَـر سوقها، وقطاعها التصنيعي، وحجم تجارتها نسبياً، يعني أن الالتزام بالانفتاح، وليس استراتيجية التنمية الموجهة، هو أضمن سبيل إلى الازدهار والرخاء.

كانوا محقين. فاليوم، تمتلك هونغ كونغ أحد أكثر موانئ العالم ازدحاماً، وقد سمحت لفترة طويلة بالتنقل الحر للرأسمال والمعلومات والبشر.

وبفضل التعريفات التي تقترب من الصفر والضرائب الشديدة الانخفاض، تمكنت المدينة من التحول إلى مركز مالي عالمي، وواحدة من أكبر أسواق الأسهم وتمويل الديون في العالم. ومنذ البداية، اشتملت عملية «الإصلاح والانفتاح» في الصين على ارتباط اقتصادي أعمق مع هونغ كونغ، الأمر الذي أدى إلى تعزيز دينامية المدينة.

مع ذلك، وكما هي الحال في الاقتصادات المتقدمة، ساعدت الطفرة الاقتصادية التي تغذيها العولمة على حجب المشاكل الاجتماعية المتزايدة العمق. فمع تحول التصنيع إلى البر الرئيسي الصيني، فُـقِـدَت العديد من الوظائف، ليس في المصانع وحسب، بل وأيضاً في مجال الخدمات اللوجستية وخدمات المكاتب الخلفية.

وكانت النتيجة تفريغ الطبقة المتوسطة. واليوم يبلغ معامل جيني للإقليم -حيث يمثل الصفر أقصى قدر من المساواة ويمثل الواحد أقصى قدر من التفاوت وعدم المساواة- 0.539، مقارنة بنحو 0.411 في الولايات المتحدة (وهو أعلى مستوى بين الدول المتقدمة الرئيسية).

ذات يوم، كان النهج الاقتصادي القائم على عدم التدخل الذي تبنته هونغ كونغ مصحوباً بسياسة اجتماعية تتسم بعدم التدخل بذات القدر. لكن أعمال الشغب في عام 1967 -النزاع العمالي الذي تطور إلى مظاهرات واسعة النطاق ضد الحكم البريطاني- أجبرت الحكومة على بناء مساكن عامة منخفضة التكلفة للتخفيف من سخط العمال.

لكن هذا النهج كان معيباً. فاليوم، يعيش ما يقرب من %45 من سكان هونغ كونغ في مساكن عامة بالإيجار أو مدعومة. وفي الصين، على النقيض من هذا، نجد أن %90 من الأسر تمتلك منزلاً واحداً على الأقل.

لن تكون معالجة هذه المشاكل الاجتماعية بالمهمة السهلة، وخاصة بسبب المخاطر المتزايدة التي تهدد الأمن القومي. تتسم المخاطر التي يفرضها الانتشار الأحدث عهداً للتكنولوجيات الرقمية بنوع مشابه من عدم التماثل. ذلك أن شن الهجمات السيبرانية رخيص التكلفة، لكنها من الممكن أن تسقط أنظمة مالية أو معلوماتية أو دفاعية كاملة.

عندما تفشل السياسة الاقتصادية في توفير قدر معقول من العدالة الاجتماعية -والذي ينعكس، على سبيل المثال، في ملكية المساكن على نطاق واسع والوظائف العالية الجودة- ترتفع مخاطر الأمن الداخلي.

وكما هي الحال في الكثير من الديمقراطيات، رفض العديد من العمال والشباب المؤسسة السياسية، واحتضنوا أيديولوجيات محلية وشعبوية، ونظموا الاحتجاجات ضد مؤسسات الدولة. تفضي مثل هذه الاتجاهات غالباً إلى الفوضى والعنف، ما يدعو إلى اتخاذ تدابير صارمة لاستعادة النظام.

يزداد هذا التحدي تعقيداً في هونغ كونغ، بسبب موقعها كبوابة مالية بين الصين والولايات المتحدة المتزايدة العداء. مع فرض الولايات المتحدة عقوبات مالية على عدد متزايد من الشركات الصينية والأفراد، أصبحت الصين قلقة من أن تتحول هونغ كونغ إلى حصان طروادة، الذي يمكن أن تستخدمه الولايات المتحدة لزعزعة استقرار نظام الحكم في الصين، بما في ذلك مبادراتها في مجال الأمن القومي.

في نهاية المطاف، لا تكتفي استراتيجية الأمن القومي الأمريكية باستهداف حماية الأمريكيين وأسلوب حياتهم بشكل صريح، بل تسعى أيضاً إلى تعزيز «النفوذ الأمريكي في العالم». ربما تكون مخاوف الصين حقيقية بالفعل.

إن التأكيد المتنامي على الأمن القومي من شأنه أن يزيد من تقويض التجارة العالمية والاستثمار، ما يترك قدراً أقل من الموارد لتمويل السياسات الاجتماعية، ومعالجة فجوات التفاوت، والتصدي لتغير المناخ. إنها مأساة مشاع عالمية، ولا يوجد ما يضمن أن يؤدي إدراك هذه المأساة والاعتراف بها إلى تغيير النتيجة.

* زميل متميز في معهد آسيا العالمي بجامعة هونغ كونغ، وعضو المجلس الاستشاري لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة لشؤون التمويل المستدام.

** رئيس معهد هونغ كونغ للتمويل الدولي، وأستاذ ومدير معهد أبحاث طريق الحرير البحري في كلية إتش إس بي سي لإدارة الأعمال بجامعة بكين.

أندرو شنج *

شياو قنج **

طباعة Email
تعليقات

تعليقات