تعزيز التضامن العالمي في مواصلة العمل للحد من الفقر

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة

تُمثّل الأزمة الإنسانية والاقتصادية التي تسببها الجائحة اليوم فرصة غير مسبوقة لتجاوز الاستجابات الطارئة ومعالجة العيوب الهيكلية لاقتصاداتنا. إن العديد من حزم التحفيز والإنعاش التي تتخذها الحكومات تشكل بالفعل بوادر المستقبل. لكن على القادة في جميع قطاعات المجتمع أن يدركوا هذه اللحظة باعتبارها فرصة نادرة لبناء عالم أكثر عدالة واستدامة، وهو ما لن يكون ممكناً إلا إذا أنهينا الفقر بجميع أشكاله.

قد يبدو إنهاء الفقر حلماً مستحيلاً، وكذلك بدت ظاهرة الرق والتمييز العنصري قبل القضاء عليهما. وفي هذا الصدد يمكن أن يكون إطلاق مؤشر الفقر متعدد الأبعاد العالمي 2020 عاملاً مساعداً.

أوضح مؤخراً برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومبادرة أكسفورد للفقر والتنمية البشرية، ومؤشر الفقر متعدد الأبعاد العالمي أن 65 دولة من بين 75 تمت دراستها خفضت مستويات الفقر بشكل ملحوظ خلال العقد الماضي. علاوة على ذلك، فإن الدولة التي خفضت الفقر بشكل أسرع، وهي سيراليون، فعلت ذلك على الرغم من تفشي وباء إيبولا الذي اندلع في عام 2014.

الخطر الآن هو أن هذه المكاسب يمكن عكسها. تستوجب أزمة «كورونا» التزام القادة العالميين والمحليين ليس فقط بالحفاظ على التقدم الذي تم تحقيقه بشق الأنفس، ولكن أيضاً بتغيير الزاوية في الجهد العالمي لإنهاء الفقر. لن يكون ذلك سهلاً، بالنظر إلى أن الوباء يفاقم التفاوتات الموجودة من قبل.

قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس هذا الشهر «إنها خرافة مقولة إننا جميعاً في نفس القارب». «بينما نطفو جميعاً على نفس البحر، من الواضح أن البعض في اليخوت الفائقة بينما يتشبث البعض الآخر بالحطام المنجرف» للبقاء قيد الحياة. وبالتالي، من الضروري أن نمد يد المساعدة للفقراء الذين يعانون من العديد من أوجه الحرمان، مع إضافة جائحة «كورونا» إلى ما كان بالفعل عبئاً ساحقاً.

باستخدام البيانات التي يعود تاريخها إلى عام 2010، يقدم مؤشر الفقر متعدد الأبعاد العالمي صورة شاملة لكيفية معاناة الناس من عيوب في حياتهم اليومية، لأنه يقيس في الوقت نفسه الحرمان في الرعاية الصحية والتعليم ومستويات المعيشة عبر عشرة مؤشرات.

يمكن أن تساعدنا هذه البيانات في تخفيف عبء الجائحة على 1.3 مليار شخص يعيشون في فقر متعدد الأبعاد، مع منع العديد من الآخرين من أن يصبحوا فقراء. على المستوى الوطني، يجب على الحكومات التفكير في إنشاء مؤشرات الفقر متعدد الأبعاد الخاصة بكل بلد لتوجيه الاستراتيجيات الفعالة لمعالجة معضلة الفقر.

بدأت عشرات الدول حول العالم تطبق ذلك. من بين الدول الـ 47 التي ستقدم مراجعات وطنية طوعية في المنتدى السياسي الرفيع المستوى للأمم المتحدة هذا الشهر، أشارت 21 دولة إلى الفقر متعدد الأبعاد.

نأمل أن تتمكن من استخدام هذه الأداة القوية أثناء الجائحة الحالية من خلال التأكيد على دعم الفئات الأكثر تضرراً اليوم، لتكون جميع البلدان في وضع أقوى «لإعادة البناء بشكل أفضل» بعد الجائحة. إن معالجة الفقر المتعدد الأبعاد أمر مفيد للمجتمع وجيد للسلام.

ولكن من أجل تخفيض درجة الفقر، فإن الالتزامات على أعلى المستويات ضرورية. خلال فترة ولايتي (سانتوس) كرئيس لكولومبيا، أكملنا عملية السلام مع القوات المسلحة الثورية الكولومبية (فارك)، من خلال مؤشر الفقر متعدد الأبعاد العالمي، مركزين ليس فقط على الدخل ولكن أيضاً على الحرمان الاجتماعي الإضافي الذي كان يؤثر على حياة الكولومبيين.

بفضل مؤشر الفقر متعدد الأبعاد العالمي الخاص بنا، مدعوماً ببيانات قوية، كأساس لتطوير برامج وسياسات ملموسة نجحنا في الحد من الفقر متعدد الأبعاد من %30.4 إلى %19.6 في غضون ثماني سنوات.

يمكن للبلدان التي ليس لديها حتى الآن مؤشر رسمي دائم ومتعدد الأبعاد للفقر استكشاف مؤشر أسعار المستهلك العالمي لمعرفة ما إذا كان يمكن أن يعزز جهودها الخاصة. في كلتا الحالتين، يجب على جميع الحكومات وضع الكرامة الإنسانية والقدرات في صميم استراتيجيات الانتعاش.

بالطبع لا تستطيع الحكومات الوطنية القيام بذلك بمفردها. يتطلب حجم التحدي عملاً جماعياً من جانب الشركات والمنظمات غير الحكومية ومنظمات المجتمع المدني والمحسنين. حان الوقت الآن لدعم الكلمات بالأفعال.

على القادة إظهار الحزم والتخطيط والتحمل، والجمع بين الجرأة والبراغماتية. إن تعبئة جميع قطاعات المجتمع حول القضية المشتركة للقضاء على الفقر لن تفيد الفقراء فحسب، بل أيضاً الاقتصاد الأوسع.

في أعقاب الحرب العالمية الثانية، أشار إليانور روزفلت إلى أنه «لا يمكننا معرفة ما قد يحدث من يوم لآخر. هذا ليس وقتاً عادياً ولا يوجد وقت لتقييم أي شيء، باستثناء ما يمكننا القيام به بشكل أفضل للبلد ككل». في هذه الأوقات الصعبة، تتاح للبشرية فرصة للتضامن لمساعدة ودعم الضعفاء، والعمل برؤية وإصرار على إنهاء الفقر بجميع أبعاده في كل مكان.

في بداية هذه الجائحة، ذكّرنا صديقنا أمارتيا سين، الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل، بالأمثلة الجيدة والسيئة للقيادة الحكيمة أثناء الحرب. وأشار إلى أنه خلال الحرب العالمية الثانية، أدى نظام التقنين في بريطانيا إلى توزيع أكثر مساواة للأغذية، والذي عزز بدوره زيادة ملحوظة في متوسط العمر المتوقع 6.5 سنوات للرجال وسبع سنوات للنساء .

الدرس المستفاد من تلك التجربة، ومن سيراليون على مدى العقد الماضي، هو أن السياسات المستقبلية والعملية والمنصفة التي تم سنها خلال أوقات الإكراه تنجح دائماً. دعونا نأمل أن يدرك قادة اليوم الفرصة المتاحة أمامهم، ويتبنون المقاييس المتعددة الأبعاد التي ينبغي العمل بها.

* حائز على جائزة نوبل للسلام، والرئيس السابق لكولومبيا (2010-2018) وأستاذ زائر في قسم التنمية الدولية بجامعة أكسفورد.

** مديرة مبادرة أكسفورد للفقر والتنمية البشرية بجامعة أكسفورد.

خوان مانويل سانتوس *

سابينا ألكير **

طباعة Email
تعليقات

تعليقات