أمريكا وخريطة الفيروس

أنجوس ديتون - حائز على جائزة نوبل في علوم الاقتصاد لعام 2015، وأستاذ الاقتصاد والشؤون الدولية الفخري في كلية برينستون للشؤون العامة والدولية، وأستاذ الاقتصاد الرئاسي في جامعة جنوب كاليفورنيا.

إن عدم القدرة على السيطرة الكاملة على تفشي «كورونا» في أمريكا، يعود إلى جملة أسباب تتحمل فيها الجهات الرسمية مسؤوليات مهمة. ولكن هناك سبباً إضافياً أقل وضوحاً: تسوية كونيتيكيت لعام 1787، التي أعاقت جملة قضايا في مهدها، وقوضت في ما بعد استجابة الكونجرس للجائحة.

في المؤتمر الدستوري لعام 1787، اختلفت الولايات الصغيرة والكبيرة حول أساس التمثيل، حيث ساقت الولايات الصغيرة الحجج لصالح المساواة بين الولايات، في حين دعت الولايات الكبيرة إلى المساواة بين الناس.

وكان الحل الوسط يتمثل في إنشاء هيئة تشريعية من مجلسين، حيث تتولى الهيئة الأولى أمور الشعب والأخرى أمور الولايات. في مجلس النواب، يجري تمثيل الناس بما يتناسب مع أعدادهم؛ وفي مجلس الشيوخ يمثل كل ولاية عضوان، بصرف النظر عن عدد سكانها.

نتيجة لهذا، تحتل أكبر أربع ولايات اليوم ــ كاليفورنيا، وتكساس، وفلوريدا، ونيويورك ــ ثمانية فقط من المقاعد في مجلس الشيوخ، برغم أنها تمثل ثلث سكان الولايات المتحدة.

إن لهذا نتائج على الدخل. كما انعكس الامر على التوزع الجغرافي لحالات الإصابة بـ"كورونا" والوفاة بفعل الفيروس. فبحلول الثامن من يوليو، كانت 45% من الوفيات المسجلة بسبب «كوفيد19» تتركز في أربع ولايات فقط ــ نيوجيرسي، ونيويورك، وماساتشوستس، وإيلينوي ــ في حين تركز 70% من الوفيات في عشر ولايات.

كانت الوفيات منتشرة في جميع الولايات؛ لكن حصيلة الوفيات المجمعة في ألاسكا، وهاواي، ووايومنج، ومونتانا كانت نحو 80 فقط. وخسرت الولايات الخمس والعشرين الأقل تضرراً ما مجموعه 8000 شخص ــ 6.4% من الإجمالي على المستوى الوطني.

في الخامس عشر من مايو، أقر مجلس النواب الذي يسيطر عليه الديمقراطيون قانون حلول الطوارئ الشاملة للصحة والتعافي الاقتصادي على أساس تصويت حزبي في الغالب. لكن التشريع لم يحرز أي تقدم في مجلس الشيوخ منذ ذلك الحين. جاءت الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ نتيجة مباشرة لتسوية 1787، التي تمنح حصة غير متناسبة على الإطلاق من المقاعد للولايات الريفية الأقل سكاناً والتي تميل إلى الجمهوريين.

وعلى هذا فقد أصبحت الساحة مهيأة للمأساة منذ فترة طويلة. فسرعان ما بدأ الفيروس ينتشر في ولايات الجنوب والجنوب الغربي، حيث شجعت معدلات الوفاة المنخفضة عدم الاكتراث على نطاق واسع.

مع افتقارها إلى خطة وطنية، ناهيك عن دستور يسمح بالسيطرة المركزية، تتبع كل ولاية غرائزها ومصالحها المتصورة، على نحو يتسم بقصر النظر عادة. وفي ظل حرية السفر بين الولايات، سيتنقل الفيروس الآن ذهابا وإيابا عبر البلاد إلى أن يصبح اللقاح متاحا أو يتحقق مستوى مناعة القطيع .

رغم ذلك، أظن أن الأمور ما كانت لتختلف كثيراً لو كان الديمقراطيون في محل المشرعين وحكام الولايات الجمهوريين. فالمشكلة تكمن في الافتقار إلى استراتيجية وطنية مركزية وقابلة للتنفيذ في بلد يتبع نظاماً فيدرالياً تتحكم فيه السلطات المحلية في نهاية المطاف استجابة لاحتياجاتها والمخاطر المتصورة. إنها لمسألة صعبة على الدوام أن نطالب الناس بالتضحية من أجل آخرين بعيدين، من أجل التخفيف من مخاطر لا يرونها في مجتمعاتهم.

كانت قوة الولايات تمثل مشكلة في فيلادلفيا في عام 1787، ولا تزال المشكلة قائمة إلى يومنا هذا. كثيراً ما يستشهد بالتفاوت بين الناس باعتباره السبب وراء العديد من العلل الاجتماعية. وكأن التفاوت الاقتصادي في أمريكا لم يكن كافياً، فإذ بنا نشهد الآن تأثير التفاوت التمثيلي المؤسسي وهو يقوض بشدة فعالية ديمقراطيتها.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات