تضامن دولي يعالج خلل الاقتصاد

صورة

يُشكّل «كوفيد- 19»، أكبر تهديد واجهته، لحد الآن، أنظمة التكامل الدولي التي أسست خلال القرن العشرين. وعلى غرار جائحة الإنفلونزا الإسبانية التي تفشت في عام 1918، فإن فيروس كورونا الفتاك والمعدي، قد أدى إلى العودة إلى التدابير الصارمة فيما يتعلق بالحدود الوطنية، والحواجز الأخرى.ويقول التاريخ إن الأزمات التي أدت إلى تكامل أعمق كانت عسكرية الطابع، وذلك راجع إلى الاعتراف بأن التبادل الإقليمي يفضي إلى السلام والازدهار. وفي ظل هذه الظروف، لن يكون لدى معظم البلدان أي مصلحة في خوض حرب مع أحد جيرانها، لأن القيام بذلك سيضر، لا محالة، بالرفاه الاجتماعي والاقتصادي لمواطنيها.

وعندما منحت لجنة نوبل الاتحاد الأوروبي جائزة نوبل للسلام في عام 2012، اعترفت أنه «لأكثر من ستة عقود، ساهم الاتحاد في تقدم السلام، والمصالحة والديمقراطية، وحقوق الإنسان في أوروبا». وخلال هذه الفترة، ضَمن المشروع الأوروبي السلام، من خلال تسريع التكامل الاقتصادي، بدءًا بالإنتاج المشترك للفحم، والفولاذ.

وكذلك، ظهرت المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا على إثر أزمة كبرى: حرب بيافران (1967-1970).

ومع ذلك، على الرغم من كل نجاح هذه المؤسسات، فإن تفشي الأمراض المعدية يشكل تحديًا فريدًا. ولكن الحظ لم يحالفنا مع كوفيد 19. فبوتيرة سريعة، يدمر الوباء هياكل الحوكمة، ويعطل النماذج التجارية، ويمهد الطريق لأزمة ديون عالمية. وعلى غرار الأوبئة، تمثل الأزمات المالية العالمية، تهديدًا آخر خطير للتكامل. إذ في عام 2012، عندما منحت لجنة نوبل الاتحاد الأوروبي الجائزة، لا شك في أن الكثيرين في اليونان رفضوا ذلك القرار، لأنهم كانوا يشنون «حربهم» داخل الاتحاد الأوروبي.

وسلطت أزمة اليورو الضوء على حدود التضامن الاقتصادي بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. كان من المفترض أن يضم المشروع الأوروبي عملة موحدة على مستوى القارة، خاصة بعد اعتماد اليورو. فالأهمية الرمزية لاقتراح اليورو في عام 1999 واضحة، إذا تذكر المرء فترة سابقة من التكامل الأوروبي، عندما قبلت المجموعة الاقتصادية الأوروبية (منظمة سليفة للاتحاد الأوروبي) اليونان في عام 1981، ثم إسبانيا والبرتغال في 1986. وحينها، كانت هذه البلدان الثلاثة من بين أكثر الاقتصادات «المتخلفة» في أوروبا، وأصغر ديمقراطياتها. ولكن كان من المسلم به، أن تحقيق السلام والازدهار الجماعي سيتم بطريقة أفضل من خلال ضمها إلى التكتل.

ومع ذلك، بعد أن أصبحنا الآن في خضم جائحة، فإن العودة إلى التقشف ستكشف حتمًا حدود أي آلية تكامل مبنية على استقرار العملة. لقد أعاد كوفيد 19 النقاش حول الديون والتقشف إلى جدول الأعمال العالمي بطريقة مباشرة.

ولكن الآن بعد توقف النشاط الاقتصادي، يجب إعادة النظر في هذه الترتيبات. وبالنسبة لأفريقيا، بلغ متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي قبل التوقف المفاجئ حوالي 4 %، بينما بلغت إصدارات الديون الحكومية الجديدة 1 % فقط من الناتج المحلي الإجمالي السنوي. إذا، لا يمكن أن تقتصر الاستجابة الدولية على تخفيف الديون فقط. فالقضية الحقيقية هي سعر الفائدة. إذ تدفع الحكومات الأفريقية فائدة بنسبة 5-16 % على السندات الحكومية لمدة عشر سنوات، بينما تدفع حكومات معظم الاقتصادات المتقدمة معدلات فائدة صفرية أو سلبية. وليكون التضامن العالمي مجديا ينبغي أن يعالج هذا الخلل.

تمثل حالة الطوارئ الصحية العاجلة فرصة تاريخية لآليات الحكم العالمي لإثبات فعاليتها، واستعادة ثقة الجمهور. ويجب أن ننظر إلى أبعد من القيود الأيديولوجية الضيقة. وتتطلب أزمة كوفيد 19 أن نعيد التفكير في الافتراضات الأساسية، وأن نبدأ في تعزيز مؤسساتنا وفقًا لذلك، وأن نستعد للأزمة المقبلة.

 

* الرئيس التنفيذي للعمليات في مؤسسة (إيكوبانك)، وزميل في مبادرة الأصوات الجديدة لعام 2016 في معهد أسبن.

** مؤرخ تابع لجامعة بازل، في سويسرا.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات