وباء «كورونا» والدروس المستقبلية

صورة

إن جائحة فيروس «كورونا»، مثلها كمثل حرب عظمى، تشكل لحظة حاسمة للعالم أجمع، لحظة تتطلب خطط عمل جديدة للدول ولكبرى المؤسسات الدولية.

الواقع أن منظمة الصحة العالمية كانت ولا تزال ركيزة ومنظمة عالمية مهمة وتعقد عليها الآمال الكبيرة، وهي المؤسسة الوحيدة التي يمكنها توفير القيادة في مجال الصحة العالمية.

ولكن ربما أن هناك بعض المواقف والأشياء التي واجهتها كصعوبات ومعوقات في الفترة الحالية، خلال انتشار وباء كورونا، منذ بداياته، حيث أكدت هذه المعوقات ضرورة أن يكون هناك نهج عمل مضاعف يكون بصيغة استشكافية تنبؤية، قادرة على الوصول الى الحقائق كافة، في أي بقاع العالم، لتستطيع المنظمة تبني أجدى الأساليب العملية والتنبيه والتحذير والدعوة إلى الإجراءات اللازمة والمطلوبة من كل الدول، غاية صون الصحة العالمية.

بات من المعترف به حالياً، على نطاق واسع، أن السرية التي أحاطت بفيروس كورونا في بداياته، أضرت بنهج عمل المنظمة وقدرتها الفاعلة على أداء دورها وصدور تصريحات مرتبكة.. ففي منتصف يناير/‏‏‏‏‏‏كانون الثاني، أعلنت منظمة الصحة العالمية، على موقع تويتر، أن التحقيقات التي أجرتها السلطات الصينية، لم تجد دليلاً واضحاً على انتقال الفيروس من البشر إلى البشر.

وبالتوازي كان هناك تحذير تايواني، بناء على معلومات شبه مؤكدة، في الحادي والثلاثين من ديسمبر/‏‏‏‏‏‏كانون الأول، بأن مثل هذا الانتقال، ربما يحدث بالفعل في ووهان. ولولا أن المعلومات كانت واضحة وشفافة، لكانت الأمور ستحتم فرض وضرورة اتخاذ التدابير الوقائية في المجتمعات كافة فوراً.

توهمت دول عالمنا أن هذا الفيروس غير قادر على الانتشار من البشر إلى البشر، ما أفضى إلى تأخير استجاباتها لأسابيع. وفي العاشر من يناير/‏‏‏‏‏‏كانون الثاني، وترافق ذلك مع حدوث إهمال كبير في إجراءات الاحتياطات الوقائية..ما ادى إلى توفر بيئة خصبة خطيرة لانتشار الفيروس.

وحتى بعد تأكيد أشهر اختصاصي في أمراض الرئة في الصين، تشونج نان شان، على انتقال العدوى بين البشر في العشرين من يناير، لم تبادر الجهات الرسمية في العالم، وكان هذا أكبر الأخطاء، إلى إجراءات حاسمة، واستمر لدى الغالبية نهج من التهوين من خطر انتقال العدوى دون ظهور أعراض، وتثبيط فكرة إجراء الاختبارات على نطاق واسع. فلم يحدث أن بادرت الدول حينذاك إلى التزوّد بمعدات الحماية الشخصية، وتقلص الصادرات من معدات الوقاية الشخصية الصينية الصنع، وغيرها من المعدات الطبية.

بحلول الوقت الذي وصف، الوباء، أخيراً، بأنه حالة طوارئ للصحة العامة، في الثلاثين من يناير/‏‏‏‏‏‏كانون الثاني، كان المسافرون حملوا بالفعل فيروس «كورونا» المستجد، إلى أركان نائية من العالم.

مع ذلك، وعلى الرغم من مظاهر الاحترام المتكررة التي أبدتها منظمة الصحة العالمية للصين، تعرضت اعمالها لبعض التعويق.. وفي العودة للقراءة لبعض ما مر بالماضي نجد أنه أبرزت الاستجابة المتعثرة لفاشية أيبولا في عام 2014، حتمية الإصلاح، قبل أن يصبح تيدروس على رأس المنظمة. ولكن بدلاً من الإشراف على التغييرات المطلوبة، سمح تيدروس بتغليب اعتبارات سياسية على الصحة العامة.

مع استمرار تكاليف أي تاخر عن التحركات الناجعة في ما يخص صحة البشر بأي من البقاع في عالمنا، في الارتفاع، بات الحساب حتمياً. على الهيئات المعنية تبني استراتيجيات عمل مسبقة نوعية تكفل ردع أي أخطار، والتزام إجراءات حامية ووقائية، فورية.

لا شك أن عالمنا بحاجة إلى الكثير من الإصلاحات العميقة في هذا الخصوص، والتي تهدف إلى توسيع نطاق الاختصاصات والسلطات والقدرة على تبني أي استراتيجية ملزمة وفورية لصون الصحة العالمية. ولن يحدث هذا، ما لم تعمل الدول والمؤسسات جميعاً، على إعادة بناء مصداقيتها في هذا الحقل، بشتى الأشكال والنهوج.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات