تحديات بناء عالم ما بعد الوباء

يرى المحاربون الـخُـضر المتشددون الأمر بوضوح، بأنه لم تتسبب أزمة مرض فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19) إلا في تعظيم الحاجة الملحة إلى العمل المناخي.

لكن الصناعيين المتشددين مقتنعون بذات القدر، فلا ينبغي أن تكون هناك أي أولوية أعلى من إصلاح الاقتصاد الـمُـدمـر، وتأجيل الضوابط التنظيمية البيئية الأكثر صرامة إذا لزم الأمر. لقد بدأت المعركة. وسوف تحدد نتيجتها هيئة عالم ما بعد الجائحة.

تسلّط كل من أزمة الصحة العامة وأزمة المناخ الضوء على الحدود التي تقيد قدرة البشر على التأثير على الطبيعة. وكل منهما تذكرنا بأن نهاية عصر الأنثروبوسين قد تكون سيئة للغاية. كما تعلمنا من الأزمتين أن السلوك اليومي الحميد من الممكن أن يُـفضي إلى نتائج كارثية.

بتحدي المنطق الخطي، تجبرنا كل من الجائحة وأزمة تغير المناخ على التكيف مع المواقف، حيث يؤدي أي قدر ضئيل من الانحراف إلى إحداث أضرار أعظم كثيراً. كما لاحظ عالـم الاقتصاد المناخي جيرنوت فاغنر، فإن الجائحة تستنسخ تغير المناخ بسرعة هائلة على نحو أو آخر.

وربما يفسر هذا السبب الذي يجعل الرأي العام ينظر إلى الانحباس الحراري الكوكبي بأغلبية ساحقة باعتباره تهديداً لا يقل خطورة عن التهديد الذي تفرضه جائحة «كوفيد 19» ويريد من الحكومات أن تؤكد على العمل المناخي في فترة التعافي.

كما زودتنا الجائحة بدورة تعليمية سريعة حول العواقب الجمعية المترتبة على السلوك الفردي. فكان كل منا مضطراً إلى الاعتراف بأن مسؤولياتنا تجاه المجتمع أكثر عمقاً ولا يمكن الوفاء بها بمجرد سداد الضرائب وتقديم بعض التبرعات.

ومن الواضح أن هذا الموقف الذي يرفع شعار «ادفع وانسَ» غير مناسب على الإطلاق في التعامل مع أزمة الصحة العامة ــ أو أزمة المناخ. يجب أن نحرص على عدم التغافل عن العقبات التي تحول دون تحــول نموذجنا الاقتصادي الناشئ عن أزمة «كوفيد 19». الأمر المؤكد هو أن العوائق التي تعترض العمل المناخي ستكون في عصر ما بعد الجائحة أكثر شدة حتى مما كانت عليه قبل بضعة أسابيع.

بادئ ذي بدء، العمل المناخي عالمي بطبيعته، في حين أن مكافحة الجائحة تتسم بطبيعة أكثر محلية. إن السلوك الفردي الحكيم يعود بالفائدة على الأقارب أكثر من الجيران، وعلى الجيران أكثر من سكان ذات المدينة، وعلى المواطنين أكثر من الأجانب.

وعلى هذا فإن كلاً من حماية المناخ وحماية الصحة العامة تستفيد من دوافع مختلفة جوهرياً. يتمثل المصدر الثاني في التوتر الحاد الذي سينشأ على الجبهة الاقتصادية. فمع انتهاء الإغلاق، سيؤكد صناع السياسات على نحو متزايد على إحياء النمو الاقتصادي وتشغيل العمالة. لكن التوتر الثالث سينشأ عندما يدرك الناس إلى أي مدى جعلتهم الأزمة أكثر فقراً. وسوف تفشل شركات عديدة ويفقد العديد من العاملين وظائفهم.

من المرجح أن يكون المواطنون الأشد فقراً أكثر تردداً في تحمل تكلفة الاستعاضة عن رأس المال «البني» العتيق المتضمن في أنظمة التدفئة، والسيارات، والآلات، برأسمال أكثر اخضراراً لكنه أكثر تكلفة، لأن هذا من شأنه أن يدمر المزيد من الوظائف القديمة وأن يترك قدراً أقل من الدخل المتاح للاستهلاك في الأمد القريب.

الواقع أن المدافعين عن البيئة من الـخُـضر محقون، فبمجرد اكتمال الإصلاح الفوري للأزمة، لا ينبغي لنا أبداً أن نهدر فرصة البناء على الوعي الجماعي المتزايد لتحويل اقتصاداتنا وتغيير أسلوب حياتنا. ولكن لا ينبغي لهم إخفاء حجم العقبات القائمة على الطريق ولا التظاهر بأن مدرسة جديدة من مدارس اقتصاد الشعوذة ستكون قادرة على التحايل على المقايضات.

ولن يتسنى لنا تعزيز فرصنا لإحراز النجاح إلا من خلال إدراك جسامة التحدي.

* كبير زملاء مركز بروجل البحثي في بروكسل، وكبير زملاء غير مقيم في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، وهو يشغل كرسي توماسو بادوا شيوبا في معهد الجامعة الأوروبية.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات