التضامن ليس ما تحتاج إليه أوروبا!

صورة

حتى لو لم يكن هناك أي انقسام بين بريطانيا وأمريكا بِـفِـعل اللغة المشتركة، كما قال جورج برنارد شو ذات يوم ساخراً، فمن المؤكد أن أوروبا المعاصرة منقسمة بكلمة واحدة كان المقصود منها أن تمثل حجر الأساس الذي قام عليه الاتحاد الأوروبي: إنها كلمة التضامن.

لا أظن أن أحداً ما، خفياً، سعى إلى تعظيم حِدَّة الشقاق الأوروبي، ليتمكن من معايرة الطريقة التي ضربت بها جائحة فيروس «كورونا 2019» (كوفيد 19) أوروبا على نحو أبدع مما كان.

الواقع أن إيطاليا، التي لا تزال الاقتصاد الأشد تضرراً في الاتحاد الأوروبي بعد مرور عشر سنوات على أزمة اليورو ــ بأقل إمكانات النمو، وأكبر دين عام، وأقل حيز مالي، وأكثر السياسات هشاشة ــ عانت من خسائر بشرية فادحة ومروعة بسبب الجائحة، وسوف يتسبب الانهيار الاقتصادي الناجم عن الجائحة في نشر المعاناة على نطاق أوسع.

على نحو مماثل، نجد أن إسبانيا، التي قاسى شعبها من البطالة الرهيبة وانتزاع ملكية مساكن العديد من أفراده في أعقاب أزمة اليورو، تحولت إلى بؤرة لفيروس «كورونا».

أما عن اليونان، فرغم أن حصيلة الموتى هناك كانت منخفضة لحسن الحظ، فإن زوال الدخل من السياحة الذي يعتمد عليه اقتصادها يأتي علاوة على أزمة دامت عقداً من الزمن، وأغرقتنا بالفعل في كساد شديد القسوة.

من ناحية أخرى، كانت معاناة البلدان التي تتمتع بأقوى الموارد المالية هي الأقل على الجبهتين الصحية والاقتصادية.

مع تفاقم فاشية المرض في أوروبا، أطلق تسعة من رؤساء حكومات منطقة اليورو الدعوة إلى إصدار «سندات كورونا»، للمساعدة في نشر الدين الإضافي الذي ستتحمله الحكومات عبر أوروبا على نحو أكثر مساواة، بينما تناضل لإيجاد بديل للدخول الخاصة المختفية، ولأن أوروبا، على النقيض من اليابان وبريطانيا والولايات المتحدة، تفتقر إلى بنك مركزي قادر على تمويل الحكومات المنكوبة بشكل مباشر، فإن سندات اليورو من شأنها أن تضمن عدم وقوع عبء الديون الجديدة على عاتق أولئك الأقل قدرة على تحمله.

الواقع أن فكرة هذه السندات ليست جديدة ولا معقدة. الجديد في الأمر هو أن الدعوة إلى إطلاق سندات اليورو خلال هذه الجائحة صيغت بمصطلحات توحي بالتضامن مع الجنوبيين المنكوبين.

كما توقع بعضنا قبل الاجتماعات الحاسمة لمجموعة اليورو، التي تتألف من وزراء مالية منطقة اليورو، لم يكن ذلك ليحدث أبداً، فعلى نحو متوقع، أعطيت «سندات كورونا» قبلة الموت في اجتماع مجموعة اليورو في التاسع من أبريل، فتراجعت بذلك فكرة السندات الأوروبية إلى ذيل قائمة الاهتمامات لسنوات مقبلة، وربما إلى الأبد.

ليس من الصعب شرح النتيجة. لقد راهن رؤساء الحكومات التسعة على أن تصويرهم السندات على أنها التجسيد المالي للتضامن الأوروبي كفيل بتحقيق مبتغاهم، لكنه كان رهاناً سيئاً.

لقد جرى تضخيم المقاومة الشرسة لسندات اليورو من قِبَل وزير المالية الهولندي ووبكي هوكسترا، الذي اعترض أثناء الاجتماع على أي فكرة تنطوي على أي قدر من الدين الأوروبي المشترك.

وذهب غالبية المعلقين من غرب نهر الراين وجنوب جبال الألب إلى معاتبة هوكسترا على أنه رجل شمالي متجحر الفؤاد لا يعني له التضامن أي شيء. لم يكن الانقسام الجغرافي والعاطفي في أوروبا من قَـبل قَط على هذا القدر الصارخ من الوضوح الذي أصبح عليه اليوم.

من المؤسف أن هوكسترا على حق: فالتضامن مبرر ضعيف لإقرار سندات اليورو أو أي شكل آخر من أشكال تبادلية الديون. عندما أقابل أفراداً أو مجتمعات تعاني، ربما أشعر بأنني مرغم على تقديم المال، أو توفير المأوى، أو تقديم قرض كبير ورخيص وطويل الأجل عندما تكون البنوك عازفة عن المساعدة.

هذا هو التضامن، لكن التضامن لا يرغمني، وليس من الممكن أن يرغمني، على الانغماس في الدين معهم.

من خلال استحضار التضامن لدعم دعوتهم إلى إنشاء سندات اليورو، خسر رؤساء الحكومات التسعة حجتهم قبل أن تبدأ، فليس من حق «جاك» أن يطالب «جيل»، بدافع التضامن، بتحمل دين مشترك معه. وحتى جاك من الصعب أن يرى أن جيل ليس لديه كل الحق في الاعتراض على اقتراحه.

لنفترض للحظة أن ألمانيا، بدافع من التضامن، قررت تقاسم تحفيزها مع دول الجنوب التي تفتقر إلى الحيز المالي. لو حدث ذلك فلن تكون الفوائد التي ستعود على الاقتصاد الكلي ذات بال، لأن الأموال الألمانية سوف تُـنـشَـر على نطاق واسع للغاية عبر بقية منطقة اليورو، ما يجعلها غير مؤثرة.

باختصار، التضامن ليس حجة ضعيفة لصالح إنشاء سندات اليورو فحسب؛ بل هي أيضاً سياسة غير مناسبة في ما يتصل بالاقتصاد الكلي. الأسوأ من ذلك أن الدعوات إلى المزيد من التضامن من المرجح أن تكون هادمة للغرض منها إلى الحد الذي يجعلها تزيد أوروبا انقساماً على انقسام وتدمر أي قدر باق من التضامن.

يتعين على المدخرين الهولنديين والألمان أن يدركوا أن مدّخراتهم ستتضاءل كثيراً إذا لم يتقاسم الإيطاليون واليونانيون والإسبان المثقلين بالديون اليورو معهم، ذلك أن العجز في الجنوب هو الذي يبقي على سعر صرف اليورو منخفضاً بالقدر الكافي لتمكين ألمانيا وهولندا من الحفاظ على صافي صادراتهما.

وعلى هذا فإن جدارة سندات اليورو لا علاقة لها بالتضامن، فمن خلال تحويل الديون من دول العجز إلى اتحاد أقوى، وتقليص إجمالي ديون منطقة اليورو في هذه العملية (بفضل انخفاض أسعار الفائدة الطويلة الأجل نتيجة لجدارة الاتحاد الأوروبي الائتمانية الأعظم)، تساعد سندات اليورو في الإبقاء على بلد مثل إيطاليا في اليورو ــ فتحول بالتالي دون تلاشي المدخرات الهولندية والألمانية.

في عام 1776، عَـرَض آدم سميث هذه الحجة على أفضل نحو: «ليس بسبب إحسان الجزار، أو صانع الجعة، أو الخباز، نتوقع الحصول على وجبة العشاء، بل بسبب اعتبار كل منهم لمصلحته الذاتية».

على نحو مماثل اليوم، لن يتأتى إنشاء سندات اليورو وتغيير القواعد السخيفة التي تحكم منطقة اليورو عن طريق توطين أنفسنا على «خيرية» أولئك الذين يملكون الفائض. والسبيل إلى تجنب الفيتو الشمالي، يمر عبر استحضار ما كان آدم سميث، ليطلق عليه وصف «حب الذات»، مع الحرص في الوقت ذاته على توضيح حقيقة، مفادها أن السياسات الشمالية الضارة بالذات ستكون محل اعتراض أيضاً.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات