قصة جائحتين

صورة

من الواضح أننا نستشعر الآن تأثيرات الجزع الناجم ليس عن جائحة واحدة بل جائحتين، فأولاً هناك جائحة فيروس «كورونا» (COVID-19)، التي تصيبنا بالجزع لأننا أو الأشخاص الذين نحبهم، في أي مكان في العالم، ربما يصبحون قريباً مرضى بدرجة خطيرة، بل وربما حتى يقتلهم المرض. وثانياً، هناك جائحة الجزع إزاء العواقب الاقتصادية المترتبة على الجائحة الأولى.

الواقع أن هاتين الجائحتين مترابطتان، لكنهما لا يشكلان ذات الظاهرة، ففي الجائحة الثانية، انتشرت قصص الخوف كالفيروس حتى إننا صرنا نفكر فيها على نحو لا ينقطع.

كانت سوق الأسهم تسقط كالصخرة، في الاستجابة للقصص حول استنفاد أزمة فيروس «كورنا» لمدخراتنا التي جمعناها طوال حياتنا ما لم نتخذ بعض التدابير والإجراءات. ولكن على النقيض من مرض فيروس «كورونا» في حد ذاته، نجد أن مصدر جزعنا هنا هو أننا لا نعرف على وجه اليقين ما الإجراء الذي يتعين علينا أن نتخذه.

من المؤكد أنه ليس خبراً ساراً أن نعلم أن جائحتين تعملان في ذات الوقت. وكل منهما قد تغذي الأخرى..وهو ليس خبراً ساراً أيضاً عندما نعلم أن كلاً من العدوى الوبائية الأولى والثانية بلغت حد الجائحة العالمية.

عندما يقتصر انخفاض الطلب على دولة واحدة، تتوزع الخسارة جزئياً في الخارج، في حين لا يتضاءل الطلب على صادرات تلك الدولة كثيراً، ولكن هذه المرة، لن يعمل صمام الأمان الطبيعي هذا، لأن الركود يهدد كل بلدان العالم تقريباً.

يبدو أن كثيرين يفترضون أن الجزع المالي ليس سوى نتيجة ثانوية مباشرة لأزمة مرض فيروس «كورونا» ــ وهي ردة فعل طبيعية تماماً لجائحة مرضية، لكن الجزع ليس منطقياً تماماً، بل إن جائحة الجزع المالي، التي تنتشر من خلال ردة الفعل المذعورة إزاء انخفاض الأسعار بشكل كبير وتغير السرد، لها حياة خاصة بها.

ربما تتوسط في التأثيرات التي يخلفها الجزع المالي على سوق الأسهم ظاهرة يسميها عالِم النفس بول سلوفيتش من جامعة أوريجون وزملاؤه «الحدس المهني الوجداني»، عندما ينزعج الناس عاطفياً بسبب حدث مأساوي، فإنهم يتفاعلون بالخوف.

ربما يكون من المنطقي أن تكون توقعاتنا بهبوط سوق الأوراق المالية، بسبب وباء مَـرَضي أكبر من توقعاتنا بانهيارها بسبب زلزال حديث، ولكن ربما ليس بحجم الانهيار الذي شهدناه مؤخراً.

إذا انتشر اعتقاد على نطاق واسع بأن العلاج يمكن أن يحد من شدة جائحة مرض فيروس «كورونا»، بحيث لا تتجاوز بضعة أشهر، أو حتى أن الجائحة قد تستمر لمدة عام أو عامين، فإن هذا قد يشير إلى أن مخاطر سوق البورصة ليست شديدة بالنسبة للمستثمر الطويل الأجل، أي أن المرء يستطيع أن يشتري الأسهم ويحتفظ بها وينتظر، لكن عدوى الجزع المالي تعمل على نحو مختلف عن العدوى الـمَـرَضية، فهي تتغذى جزئياً على أشخاص يلاحظون افتقار آخرين إلى الثقة، وهو ما ينعكس في انخفاض الأسعار، وردود الفعل العاطفية إزاء الانحدار من جانب الآخرين.

هنا ما علينا إلا أن نتذكر أن سوق الأوراق المالية في الولايات المتحدة لم تنهار عندما بدأت وسائل الإعلام الإخبارية في سبتمبر وأكتوبر من عام 1918 تغطي أخبار جائحة الإنفلونزا الإسبانية التي حصدت في نهاية المطاف أرواح 675 ألف أمريكي (وأكثر من خمسين مليون شخص حول العالم)، بل إن الأسعار الشهرية في سوق الولايات المتحدة كانت في اتجاه صعودي من سبتمبر 1918 إلى يوليو 1919.

ما السبب وراء عدم انهيار السوق؟ أحد التفسيرات المحتملة هو أن الحرب العالمية الأولى، التي كانت تقترب من نهايتها بعد المعركة الكبرى الأخيرة، معركة المارن الثانية، في يوليو وأغسطس 1918، زاحمت القصص حول الإنفلونزا..ولعل قصة الحرب كانت أشد عدوى من قصة الإنفلونزا.

سبب آخر هو أن علم الأوبئة كان في مراحله المبكرة، ولم تكن الفاشيات المرضية من الممكن التنبؤ بها، ولم يكن عامة الناس يصدقون نصيحة الخبراء تماماً، وكان التزام الناس بتدابير التباعد الاجتماعي «مهلهلة».

علاوة على ذلك، كان من المعتقد عموماً أن الأزمات الاقتصادية كانت أزمات مصرفية، ولم تكن هناك أزمة مصرفية في الولايات المتحدة، حيث جرى الترويج على نطاق واسع لنظام الاحتياطي الفيدرالي، الذي تأسس قبل بضع سنوات في عام 1913 على أنه قادر على إزالة هذا الخطر، لكن لعل السبب الأكثر أهمية وراء خفوت السرد المالي خلال وباء الإنفلونزا في عام 1918 كان أن قِلة قليلة من الناس كانوا يمتلكون أسهماً قبل قرن من الزمن.

هذه المرة مختلفة بطبيعة الحال، فنحن نرى مدى ذعر المشترين في متاجر البقالة المحلية..فالآن، بعد أن تجاوزنا أزمة الركود العظيم قبل فترة بسيطة، من المؤكد أننا ندرك إمكانية حدوث انخفاضات كبرى في أسعار الأصول. وبدلاً من حرب عالمية مأساوية، تنشغل الولايات المتحدة هذه المرة باستقطابها السياسي، ولا يخلو الأمر من العديد من الروايات الغاضبة حول سوء إدارة الحكومة الفيدرالية للأزمة.

من الصعب للغاية التنبؤ بسوق الأوراق المالية في وقت كهذا. ويتعين علينا أن نتنبأ بالتأثيرات المباشرة، التي قد تخلفها جائحة مرض فيروس «كورونا» على الاقتصاد، فضلاً عن كل التأثيرات الحقيقية والنفسية المترتبة على جائحة الجزع المالي. الأمران مختلفان، لكنهما لا ينفصلان.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات