معضلة «كورونا» وتحديات المواجهة

هارولد جيمس

تفرض علينا أزمة فيروس كورونا إجراء إعادة تقييم واسع النطاق لطريقة عمل الحكومات والاقتصادات. فقد كشفت الجائحة، حسبما يقول ماثيو م. كافانا، الأستاذ بجامعة جورج تاون، في مقالة نشرتها دورية ذا لانسيت، عن ثالوث مستحيل أو معضلة ثلاثية تتمثل في استحالة الجمع في وقت واحد بين مجتمع معافى، واقتصاد قوي، وديمقراطية سليمة.

معنى هذا أننا إذا أردنا الإبقاء على نشاط خطوط الطيران وازدحام المطاعم والمشارب، فسيمرض ويموت عدد أكبر من الناس. بينما لو أغلقنا تلك النشاطات، سيكون الانكماش الاقتصادي أشد حدة من الأزمة المالية العالمية التي حدثت عام 2008، مع تشابه معدلات البطالة مع تلك التي شهدها الكساد العظيم، بل وربما أعلى بكثير، حيث لن يعاد في الحقيقة فتح الكثير من النشاطات المغلقة «مؤقتاً»، لا سيما المتاجر الصغيرة والمطاعم وأماكن تقديم الخدمات.

بالتفكر في طبيعة الأزمة الحاصلة حالياً، قد يتصور المرء أيضاً نشوء نظام صارم ومتطفل لتحديد المصابين بالعدوى وتتبع المخالطين لهم على الفور. فبفضل تقنيات المراقبة والرصد الحديثة، بات من الممكن تحديد من كان يجلس بجوارك في الحافلة، أو من ناولك إيصالاً عندما ذهبت إلى المتجر. لكن رغم القيمة الهائلة لمثل تلك المعلومات في احتواء العدوى، فإن جمعها يعني خسارة الخصوصية بنفس القدر.

في الوقت الحالي، نجد أن المجتمع الوحيد الذي يقترب من تحقيق سيناريو دولة المراقبة والرصد هذا، وإن كان لا يزال بعيداً عن ذلك، هو المجتمع الصيني، الذي تراقب دولته كل فعل و«تصنفه» وفق «نظام الائتمان الاجتماعي» المتبع لديها. حقاً إن رد فعل الصين تجاه أزمة كوفيد - 19، كما أشار كثير من المعلقين، بدا أكثر فعالية من أي دولة أخرى.

ولكن هل يعني هذا أن المرء إذا أراد أن يحظى بديمقراطية، فسيتعين عليه الاختيار بين اقتصاد قوي وسكان أصحاء؛ بينما إذا أراد اقتصاداً قوياً، فعليه الاختيار بين الحرية السياسية أو الصحة الجسدية؟ في مجال الاقتصاد الكلي، يُعرف هذا النوع من الاختيار بالثالوث المستحيل.

مثل تلك المعضلات الثلاثية المستحيلة ليست بجديدة على الاقتصاد الكلي. ففي أوائل ستينيات القرن الماضي، أوضح الاقتصاديان روبرت ماندل وجون فليمنغ أن أسعار الفائدة الثابتة تصاحبها إما حركة حرة لرأس المال أو سياسة نقدية مستقلة، لكنها لا تتوافق مع كلتيهما في الوقت ذاته. وفي فترة لاحقة، طبق داني رودريك، الأستاذ في جامعة هارفارد، فكرة وجود ثالوث مستحيل على مفهوم العولمة، حينما قال «إن الديمقراطية والسيادة الوطنية وتكامل الاقتصاد العالمي لا تتوافق مع بعضها بعضاً مجتمعة، إذ يمكننا الجمع بين أي عنصرين من الثلاثة، لكن لا يمكننا أبداً أن نحظى بالثلاثة مكتملين في آن واحد».

لكن لحسن الحظ، ومع تفحص الأمر بشكل أدق، تبين أن هذا التفكير بشأن الاختيارات المستحيلة خاطئ. إذ يرفض الاقتصاديون المعاصرون فكرة الثالوث المستحيل التقليدي في مجال الاقتصاد الكلي، بعدما اتضح أن أسعار الفائدة المرنة لا تتيح بالفعل حيزاً أكبر لوضع سياسات نقدية. فضلاً عن ذلك، لا يمكن وصف أي من النقاط الواردة في المثلث المذكور سلفاً بأنها مطلقة: فلا يوجد ما يُسمى بأسعار الفائدة الثابتة بشكل كامل، لأنه يمكن كسر كل أشكال تثبيت أسعار الفائدة حتى أشدها (بما في ذلك توحيد العملة). كذلك لا تتوافر أبداً الحرية الكاملة لرأس المال، فهناك دوماً تحيز محلي. وحتى في الاقتصادات المغلقة، قد تخضع السياسة النقدية لتأثيرات الإشارات الخارجية.

ينبغي لمؤيدي وجود مزيد من المعضلات الثلاثية المستحيلة الحديثة أن يعوا الدروس المستفادة من الجدال الأصلي بشأن الاقتصاد الكلي. فلا توجد دولة تتمتع بسيادة كاملة، لأن الأحداث الخارجية والعالمية ستؤثر دوماً على كيفية تحديد الحكومات لخياراتها. كما أنه ليس بمقدور أي دولة أو شعب أن يحظى بديمقراطية كاملة، نظراً لخضوع مستوى من عملية صنع القرار بشكل دائم لرغبات الآخرين، أو تفويضه لهيئات تمثيلية. ولنفس الأسباب، لن نحظى بعولمة كاملة، لأن الشعوب وحكوماتها ستجعل للمحيط المحلي أو الداخلي أنصبة خاصة.

المحصلة أن المقايضات الظاهرة في العالم الواقعي ليست دوماً مطلقة؛ بل إنها قابلة للتفاوض أو ربما تكون حتى وهمية. وفي حالة كوفيد - 19، يجب أن نحمي الصحة العامة مع الحفاظ أيضاً على النسيج الاجتماعي والسياسي لحياتنا. ولإدراك تلك الغاية، بات واضحاً لنا بالفعل إن إطلاق ومشاركة المعلومات الطبية عبر الحدود سيكون ضرورياً لتنظيم رد فعل مؤثر ومنسق، ليس فقط إزاء هذه الجائحة، ولكن أيضاً لمواجهة التحديات المشابهة في المستقبل. كما بات من الواضح أيضا ضرورة اشتمال رد الفعل إزاء الأزمات على عمليات واسعة النطاق من الفحص وتتبع مخالطي المرضي، مما يستتبع فقداناً جزئياً ــ وليس كاملاً بالتأكيد ــ للخصوصية.

أما عن التداعيات الاقتصادية المترتبة على الجائحة، أرى أنه بعيداً عن الضربة طويلة الأجل التي أصابت النمو، فقد ولدت الصدمة الحادة قصيرة الأجل التي أحدثها الفيروس فرصا جديدة بالفعل. لننظر مثلاً إلى مجال التطبيب عن بعد، الذي يتيح المجال لزيارات الأطباء الافتراضية، وإجراء فحوصات الدم ذاتياً، وصور كثيرة للمتابعة عن بعد. فقد وقفت مهنة الطب في طريق تلك الابتكارات، بإصرارها على الفحوصات البدنية الملموسة وتمسكها بتقاليد عصر ولى. والآن، يقوم الطب وصناعات أخرى كثيرة أخيراً باستكشاف الفرص التي توفرها تقنيات معلومات واتصالات القرن الحادي والعشرين. ومن السهل أن نتخيل تمسك شركات وقطاعات كثيرة بالممارسات الجديدة التي طورتها خلال أزمة الوباء، لاتباعها بعد تجاوز الوباء.

إن الأزمات، بحكم تعريفها، تفرض دوماً خياراً بعينه. وقد يكون رد فعل المرء قصير النظر، مدفوعاً بالذعر ومدمراً، أو قد يكون ثورياً ومبتكراً وبنّاء. وهنا يجدر بنا أن نذكر أنه بالإضافة إلى الصين، تمكنت كوريا الجنوبية أيضاً من السيطرة على الوباء، وأنها فعلت ذلك دون أن تتخلى عن ديمقراطيتها. ليس هناك ما يمنعنا من الاعتقاد بأن الخيارات التي نتخذها لمواجهة هذه الأزمة قد تثمر عن ديناميكية وقدرة على الصمود أطول أمداً.

* أستاذ التاريخ والشؤون الدولية في جامعة برنستون، وزميل رفيع المستوى في مركز الابتكار في الإدارة الحكومية الدولية

طباعة Email
تعليقات

تعليقات