الحلقة الأضعف في سلسلة الجائحة

صورة

لا يملك أي نظام صحي في العالم مثل هذه القدرة الدافقة اللازمة للتعامل مع فيض من عشرات الآلاف من المرضى في غضون أسابيع، كما هي الحال مع جائحة مرض فيروس كورونا 2019 (COVID-19). أضف إلى هذا أن نحو واحد من كل سبعة أشخاص يجري تشخيص حالتهم على أنهم مصابون بالفيروس يحتاج إلى الرعاية في المستشفى، ونحو واحد من كل عشرين يحتاج إلى أجهزة التنفس الاصطناعي، مما يجعلنا أمام وصفة مؤكدة للحمل الجهازي الزائد والانهيارات الجهازية.

إذا كانت البلدان المتقدمة التي تمتلك أنظمة صحية فعّالة تناضل في محاولة تنظيم استجابة فعّالة لمرض فيروس كورونا 2019، فأي أمل إذن قد يكون لدى أنظمة أضعف كثيراً؟ الواقع أن الدول الأكثر فقراً تفتقر في عموم الأمر إلى التكنولوجيا، والتدريب، والموارد اللازمة للعثور على المصابين بالفيروس، وعزلهم في مرافق مناسبة للتقليل من انتقال العدوى إلى أدنى حد، ومعالجتهم على النحو المناسب من أجل تقليل معدلات المرض والوفيات.

تميل هذه البلدان أيضاً إلى أن تكون أضعف في الاستجابات القياسية للأوبئة مثل تَـتَـبُّع المخالطين، فضلاً عن تأمين إمدادات ثابتة من معدات الحماية الشخصية والتأكد من سلامتها وصلاحيتها للعاملين في مجال الرعاية الصحية على الخطوط الأمامية.

ماذا تستطيع البلدان حيث الأنظمة الصحية ضعيفة أن تفعل إذن في مواجهة جائحة مرض فيروس كورونا 2019؟ يساعد إغلاق الحدود في الحد من خطر استجلاب المرض ويعطي الأنظمة الصحية الوطنية وقتاً إضافياً لإعداد وتجهيز قوة العمل.

ولكن في البلدان التي تعتمد غالباً على المساعدات الخارجية لتوفير السلع والخدمات الأساسية، بما في ذلك الإمدادات الطبية، قد يؤدي إغلاق الحدود بالكامل إلى إحداث أزمة إنسانية.

علاوة على ذلك، ينتشر فيروس كورونا 2019 بأكبر قدر من الكفاءة خلال الأيام القليلة الأولى من ظهور الأعراض، عندما يكون المرض معتدلاً عادة. ومع ذلك، في العديد من البلدان الأكثر فقراً، لا يرى الناس مقدمي الرعاية الصحية إلا بعد أن يشتد بهم المرض.

في غضون ذلك، يستمر أغلبهم في العمل من أجل تأمين الدخل لأسرهم. لمنع هذا، تحتاج الحكومات وقادة المجتمع إلى زيادة الوعي الصحي وإنشاء شبكات أمان مالية للحماية من انتشار الفقر ــ لكن القول أسهل كثيراً من الفِعل.

بالإضافة إلى ذلك، لا تزال بلدان عديدة منخفضة أو متوسطة الدخل تعتمد على العاملين في مجال الصحة المجتمعية لتوفير الرعاية الأولية الأساسية، وخاصة في المناطق الريفية.

ولكن ربما يكون هؤلاء المواطنون هم الأكثر عُرضة للمخاطر عندما يكون انتقال المرض مجتمعياً على نطاق واسع.. ولهذا، يجب تدريب كل العاملين في مجال الرعاية الصحية على الخطوط الأمامية على الاستخدام الفعّال لمعدات الحماية الشخصية للتقليل من خطر الإصابة بالعدوى، كما يجب أن يفهموا كيف يقومون بفرز وعزل المشتبه في إصابتهم بعدوى فيروس كورونا 2019.

يتطلب التشخيص الدقيق لعدوى فيروس كورونا 2019 مرافق مختبرية مخصصة لإجراء اختبار RT-PCR الوراثي على عينات من البلغم أو مسحات الأنف التي يجري جمعها من الحالات المشتبه في إصابتها بالعدوى. لكن البلدان الفقيرة تفتقر غالباً إلى التكنولوجيا الوراثية والفنيين المختبريين المدربين اللازمين لإجراء هذه الاختبارات، ويتعين عليها أن تعتمد على المساعدات من شركاء دوليين لسد الثغرات.

يتسبب العجز عن تشخيص عدوى مرض فيروس كورونا 2019 بدقة في إرباك عملية تتبع المخالطين ــ تحديد الأشخاص الذين كانوا على اتصال مؤخرا بشخص معروف بإصابته بعدوى فيروس كورونا 2019، والذين ربما انتقلت إليهم العدوى بالتالي. علاوة على ذلك، يتطلب إنشاء هذه الروابط توفر عاملين مدربين متفانين في عملهم لإجراء المقابلات والتحقيقات.

في الواقع، هناك تخوف عالمي الآن من أن يكون انخفاض أعداد حالات الإصابة بفيروس كورونا المبلغ عنها في العديد من البلدان الأفقر راجعاً إلى ضعف قدرتها على الاختبار والتتبع، وليس لأن الفيروس لم يثبت موطئ قدم هناك بعد.

على هذا، يتعين على قادة البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، في التخطيط لاستجابتهم الوطنية في التصدي لجائحة مرض فيروس كورونا 2019، أن يتعرفوا على أماكن الثغرات، سواء في أعداد المتخصصين في الرعاية الصحية والعاملين في مجال التصدي للأوبئة، أو في البنية الأساسية السريرية، أو الإمدادات من المعدات الطبية.

الحق أن جائحة مرض فيروس كورونا 2019 أزمة عالمية من نوع لم يشهد له العالم مثيلاً منذ أجيال. لهذا السبب، يتعين على صناع السياسات أن يذهبوا إلى ما هو أبعد من الاستجابات على مستوى البلدان في التصدي للفيروس، عن طريق بذل جهد عالمي منسق، لا سيما من خلال ضمان التعامل مع الخبرات الفنية والموارد باعتبارها منافع عامة يجب تقاسمها.

تماما مثلما تقاس قوة أي سلسلة بقدر أضعف حلقاتها، فإن فشل دولة واحدة في احتواء جائحة مرض فيروس كورونا 2019 يزيد من المخاطر في مواجهة بقية العالم. والآن، يتعين على البلدان التي تتمتع بأنظمة صحية أقوى أن تسارع إلى مساعدة نظيراتها الأضعف، والتي بدورها يجب أن تتقبل أي مساعدة تعينها على التصدي لهذا التهديد العالمي المميت.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات