حين يأتي فيروس كورونا إلى أفريقيا

صورة

من الواضح أن مرض فيروس كورونا (COVID-19) ــ الذي انتشر الآن إلى أكثر من 100 دولة ــ دَفَـع العالَم إلى «منطقة مجهولة»، على حد تعبير مدير عام منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم. حتى الآن، سجلت أفريقيا عدداً قليلاً نسبياً من الإصابات، ولكن لا يوجد من الأسباب ما يحملنا على الاعتقاد بأن هذا لن يتغير. وعندما يتغير، فإن النتائج قد تكون كارثية.

ما علينا إلا أن نتذكر تفشي وباء إيبولا في غرب أفريقيا في الفترة من 2014 إلى 2016 لكي نفهم الأضرار المحتملة. ورغم أن معدل الوفيات بين المصابين بفيروس إيبولا أعلى كثيراً من مثيله بين المصابين بفيروس كورونا، فإن انتشار الأخير السريع يُـظـهِـر أنه من الممكن أيضاً أن يخرج عن نطاق السيطرة سريعاً، مما قد يتسبب في إحداث اضطرابات اجتماعية واقتصادية بالغة الخطورة.

في أفريقيا، يتواصل سباق التحضير والاستعداد. وهذا يعني التطبيق العاجل للدروس المستفادة من فاشيات فيروس إيبولا الأخيرة ــ بدءاً بإدراك حقيقة مفادها أن أنظمة الصحة الوطنية الضعيفة تجعل المشكلة السيئة أشد سوءاً. الكثير من هذه الأنظمة لا تملك إلا القليل من المال، والبنية الأساسية، والخبرة.

على حد تعبير الباحثين بيتر بايوت وجوليا سبنسر، ومعهما الطبيب الليبيري موسى ج. سوكا «يتعين على الدول أن تعمل على تعزيز قدراتها الأساسية لمنع تفشي الأمراض واكتشافه والاستجابة له، بالاستعانة بالاستثمارات المحلية المناسبة، والدولية إذا اقتضى الأمر».

لكن الاستثمار المباشر في البنية الأساسية وخدمات الرعاية الصحية ليس سوى خطوة أولى. كثيراً ما أعيقت جهود مكافحة فيروس إيبولا بفِعل سياقها الاجتماعي، بما في ذلك الديناميكيات المجتمعية، والمعتقدات المحلية، وانعدام الاستقرار السياسي، والهشاشة الاقتصادية، والافتقار إلى الثقة في الحكومة والمؤسسات.

وعلى هذا فإن الجهود المبذولة لتعزيز المعرفة والثقة بين عامة الناس تشكل عنصراً بالغ الأهمية لتعزيز فعالية أي استراتيجية في الاستجابة لفيروس كورونا.

إن الرسالة المتسقة الجديرة بالثقة ــ المنسقة بين العناصر المؤثرة في المجتمع مثل القادة الدينيين، ووسائل الإعلام، والمسؤولين الحكوميين ــ تشكل أهمية بالغة. ويتعين على المسؤولين عن الصحة أن يتبادلوا المعلومات حول تقدم الفيروس، والتدابير المتخذة لاحتوائه، في الوقت المناسب وبطريقة شفافة.

لكن الضرورة تمتد إلى ما هو أبعد من إبقاء جماهير الناس على اطلاع. فكما يجب «إشراك وتمكين» المجتمعات باعتبارها من الشركاء الأساسيين في أنشطة التأهب والاستجابة.

سيساعد ترسيخ هذا النهج في تعزيز أولوية أخرى: تكييف التدابير مع الظروف المحلية، بما في ذلك المعايير الثقافية، والهياكل المجتمعية، والمهن السائدة، والقدرة على التنقل، والبيئة السياسية، وقدرة الأنظمة الصحية. كل هذا يتطلب قيادة حاسمة.

فبدلاً من ترك الاستجابة لوزارات الصحة، ينبغي لرؤساء الحكومات الأفارقة أن يعكفوا على إنشاء لجان رفيعة المستوى أو فرق عمل لتبسيط عملية اتخاذ القرار وتعبئة الموارد، بما في ذلك من خلال تسهيل التنسيق بين الهيئات الحكومية. وقد أنشأ بلدي أثيوبيا بالفعل فرقة عمل رفيعة المستوى، وعمل على تنظيم مرافق تشخيصية ومختبرية وطنية، على الرغم من عدم ظهور حالات مؤكدة.

إذا أديرت بشكل جيد، فسوف تؤدي الاستجابة لتفشي مرض فيروس كورونا إلى زيادة قوة أنظمة الرعاية الصحية وتجهيزها على نحو أفضل للحفاظ على صحة السكان في الأوقات العادية ــ والاستجابة لأزمات حتمية في المستقبل. ولكن لتحقيق النجاح، تحتاج الحكومات الأفريقية إلى دعم خارجي.

قدمت منظمة الصحة العالمية إرشادات حول كيفية مكافحة فيروس كورونا . ومن خلال التنسيق مع مفوضية الاتحاد الأفريقي والمنظمات الإقليمية، ستكتسب المزيد من القدرة على تعبئة الموارد المقدمة من شركائها الدوليين.

ينبغي للحكومات الأكثر خبرة (وخاصة الصين) والهيئات التي تتمتع بموارد أفضل (مثل المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها) أن تعمل أيضاً على تقديم المشورة والدعم. ولتسهيل عملية اتخاذ القرار الفعّال، يتعين على وزارات الصحة الأفريقية أن تحرص على الإبقاء على جميع الهيئات ذات الصلة على اطلاع كامل على الموقف على الأرض.

لا أحد يستطيع أن يجزم بمقدار الوقت اللازم للسيطرة على مرض فيروس كورونا 2019، أو عدد الأشخاص المتضررين به. لكن الحكومات الأفريقية، بالتعاون مع المجتمعات والجهات الدولية الفاعلة، قادرة على اتخاذ خطوات ضرورية الآن للحد من الضرر ــ وإرساء الأساس لمستقبل أكثر صحة وقدرة على الصمود.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات