الديمقراطية المتنازع عليها في أفريقيا

أيدت المحكمة العليا في ملاوي قرارها الأصلي بإلغاء نتائج الانتخابات الرئاسية التي أجريت في البلاد في مايو 2019، وقررت إجراء انتخابات جديدة في غضون 150 يوماً. بعد كينيا في عام 2017، أصبحت ملاوي ثاني دولة أفريقية حيث ألغت المحاكم الانتخابات الرئاسية. هذا القرار هو علامة واعدة على استقلال القضاء في واحدة من أفقر دول العالم، ومع ذلك، تُظهر تجربة كينيا أن إعادة الانتخابات قد لا تعيد بالضرورة الثقة في الديمقراطيات الهشة.

كانت الانتخابات الرئاسية التي أجريت في مالاوي في جولة واحدة عبارة عن سباق حاد، فاز به بيتر موثاريكا الرئيس الحالي بحصوله على 38.6% من الأصوات. أثارت هذه النتيجة احتجاجات واسعة النطاق ودعوى قضائية لمدة تسعة أشهر من قبل المعارضة، حيث أشارت هذه الأخيرة إلى مخالفات واسعة النطاق، بما في ذلك استخدام سائل تصحيح Tipp-Ex لتزوير أوراق الاقتراع.

وقد فاجأ قرار المحكمة العليا بإلغاء الانتخابات العامة العديد من المراقبين. منذ عام 2016، طعنت أحزاب المعارضة في نيجيريا ومدغشقر وجمهورية الكونغو الديمقراطية وزامبيا في نتائج الانتخابات في المحكمة، مشيرة إلى مخالفات مزعومة، وحتى في بوتسوانا، واحدة من أكثر الديمقراطيات نجاحاً في أفريقيا، أيد الرئيس السابق إيان خاما التماساً مُعارضا ًيطالب من خلاله المحكمة العليا بإلغاء نتائج انتخابات عام 2019 التي سمحت لحزب بوتسوانا الديمقراطي الحالي بالبقاء في السلطة، لكن في جميع هذه الحالات، أيدت المحاكم النتيجة الأولية.

وعلى النقيض من ذلك، ألغت المحكمة العليا في كينيا الانتخابات الرئاسية في أغسطس 2017 وأمرت بإجراء استطلاع جديد بعد أن زعم زعيم المعارضة رايلا أودينغا أن نظام التصويت الإلكتروني قد تم اختراقه وتزويره لصالح الرئيس الحالي أوهورو كينياتا، على الرغم من أن الانتخابات الكينية والملاوية تضمنت العديد من المخالفات، يمكن استخلاص أربعة دروس مفيدة للديمقراطيات الأفريقية الناشئة الأخرى من المقارنة بين الحالتين.

أولاً، رغم الحاجة إلى إعادة الانتخابات التي تم إلغاؤها بسرعة نسبية لتجنب عدم اليقين والاستقطاب، يجب أن يكون هناك وقت كاف لتقييم نقاط الضعف في العملية الانتخابية ومعالجتها بشكل فعال. يُعد هذا الإجراء ضرورياً لاستعادة ثقة الجمهور والمرشحين. على سبيل المثال، دعا الحكم الكيني لعام 2017 إلى إجراء تصويت جديد في غضون 60 يوماً فقط؛ وقرر أودينغا وتحالفه الوطني الفائق في النهاية مقاطعته، لأنهم اعتقدوا أنه لا يمكن إصلاح اللجنة الانتخابية المستقلة ولجنة الحدود في البلاد بشكل كافٍ في الوقت المناسب.

على الرغم من أن ملاوي لديها مُهلة 150 يوماً، إلا أن الحكومة بحاجة إلى بناء قدرة اللجنة الانتخابية من أجل تعزيز ثقة الناخبين في عملية إعادة الانتخابات وشرعية الفائز النهائي. يجب أن يكون لدى موثاريكا حافز لدعم مثل هذه الجهود، نظراً إلى الاحتجاجات والتحديات التي تواجه صحة انتصاره.

ثانياً، أوصت المحكمة العليا في ملاوي بإجراء الانتخابات الجديدة في ظل نظام الأغلبية المُطلقة للأصوات بنسبة 50% زائد واحد، لكن في حين أن مثل هذه العتبة يمكن أن تفرض بناء ائتلاف أكبر بين الأحزاب، وتجبر القادة على تعبئة دوائر انتخابية جديدة، إلا أنها لا تُعالج مشكلة التزوير الانتخابي. في الواقع، تم التعجيل بدعوى محكمة كينيا لعام 2017 بسبب الادعاءات بأن كينياتا لم يحصل على عدد كافٍ من الأصوات لإلغاء الحاجة إلى جولة ثانية - وهو أمر شائع عندما يتم إجراء الانتخابات بالأغلبية المطلقة. يوجد النظام نفسه في مدغشقر وزامبيا، حيث تتعرض نتيجة الانتخابات للهجوم أيضاً أمام العدالة. إذا كانت الرقابة الضعيفة من قبل لجنة الانتخابات في ملاوي (MEC) في قلب مخالفات الانتخابات في مايو 2019، فإن تغيير النظام الانتخابي لإعادة الانتخابات من شأنه أن يزيد من الضغط على هذه الهيئة المُجهدة بالفعل لتحصيل الأصوات بشكل صحيح.

ثالثاً، ارتفعت تكلفة الانتخابات الأفريقية - على سبيل المثال، أنفقت كينيا ما يعادل نصف مليار دولار في مسابقتين رئاسيتين عام 2017 - وانخفضت المساعدة الدولية للديمقراطية في الانتخابات في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى من 223 مليون دولار إلى 58 مليون دولار العقد الماضي. خصصت حكومة ملاوي 42.5 مليون دولار لانتخابات مايو 2019، أي أقل مما طالبت به لجنة الانتخابات في ملاوي، في حين استثمر المانحون مليون دولار فقط في صندوق سلة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لدعم اللجنة. في الأسبوع الماضي، أعلنت الحكومة عن تخصيص 39.6 مليون دولار لإعادة الانتخابات الرئاسية في ملاوي، مع انطلاق الجولة الأولى في 19 مايو، ولا يزال حجم المساعدات الأجنبية لإعادة الانتخابات غير معروف حتى الآن.

أخيراً، يمكن أن تؤدي عمليات إعادة الانتخابات إلى تفاقم الاستقطاب السياسي. على الرغم من مقاطعة المعارضة، تميزت الانتخابات الرئاسية الجديدة في كينيا في أكتوبر 2017 بالعنف.

إن لجوء أحزاب المعارضة الأفريقية المتزايد إلى المحاكم عندما تخسر الانتخابات يدل على أن صورة استقلال القضاء آخذة في التحسن. لا يحدث هذا في البلدان التي تكون فيها السلطة التنفيذية غير مقيدة، مثل الكونغو أو الغابون أو الكاميرون. في الواقع، كان التقييد القضائي للسلطة التنفيذية في ملاوي قوياً بشكل كبير على إدارات متعددة..لكن اللجوء المتكرر إلى المحاكم يمكن أن يقوض الثقة في العملية الانتخابية، ويشير إلى أن الآليات الديمقراطية الأساسية لا تعمل بشكل صحيح، ما قد يضعف مشاركة الناخبين.

 

* زميل باحث أقدم في قسم استراتيجية التنمية والحوكمة بالمعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية

** زميلة أبحاث في قسم استراتيجية التنمية والحوكمة بالمعهد الدولي لبحوث سياسات الغذاء

opinion@albayan.ae

طباعة Email
تعليقات

تعليقات