إطلاق العنان لقوة النساء الاقتصادية

ديفيد مالباس

اليوم، باتت أعداد الفتيات اللاتي يلتحقن بالمدارس أكبر من أي وقت مضى، وتدخل النساء بأعداد متزايدة في قوة العمل والشركات الرائدة. ورغم أننا يجب أن نحتفل بهذا التقدم، فلا يزال قدر كبير من العمل والجهد مطلوباً حتى يتسنى للفتاة التي تولد اليوم أن تحظى بذات الفرص التي يتمتع بها الصبي.

تُـظـهِر الأبحاث التي يجريها البنك الدولي، فضلاً عن جهات أخرى، أن إطلاق العنان لقوة النساء على المستوى الاقتصادي من الممكن أن يساهم في النمو العالمي. علاوة على ذلك، هذا هو التصرف الصائب. وما يدعو إلى التفاؤل أن أعداداً أكبر من البلدان صارت تدرك الآن أن الاقتصادات من غير الممكن أن تحقق كامل إمكاناتها إلا من خلال المشاركة الكاملة للنساء والرجال.

وتدعم مجموعة البنك الدولي البلدان في تحقيق هذا الهدف في مجالات مهمة، بما في ذلك إزالة القوانين التمييزية، والاستثمار لسد الفجوات بين النوعين الاجتماعيين (الذكر والأنثى)، وتوسيع نطاق القدرة على الحصول على التمويل، وتكثيف الجهود لمنع العنف القائم على النوع الاجتماعي.

من المشجع أن تقريرنا الصادر في عام 2020 بعنوان «تقرير حول النساء، والأعمال، والقانون» ــ الذي يقيس كيف تؤثر القوانين والضوابط التنظيمية على فرص النساء الاقتصادية في 190 اقتصاداً ــ يسلط الضوء على التقدم المحرز. فمنذ عام 2017، على سبيل المثال، اتخذت كل من نيبال، وجمهورية ساو تومي وبرينسيب الديمقراطية، وجنوب السودان، خطوات كبرى لإزالة الحواجز القانونية بين الجنسين. على نحو مماثل، عززت المملكة العربية السعودية قوانينها من أجل حماية النساء من التمييز في العمل، ومنع أرباب العمل من فصل المرأة أثناء إجازة الحمل أو الأمومة. كما ضمنت دولة الإمارات العربية المتحدة في تشريعاتها المساواة في الأجور بين الجنسين، وزيادة تمثيل الإناث في مجالس إدارة الشركات.

وتتخذ الحكومات أيضاً خطوات لضمان تمكين النساء والرجال من إيجاد التوازن بين الأمومة أو الأبوة والعمل. وفي العامين الأخيرين، قررت فيجي إطالة إجازة الأمومة المدفوعة الأجر، كما قدمت ــ مع قبرص ــ إجازة الأبوة المدفوعة الأجر. بالإضافة إلى هذا، تبنت الولايات المتحدة مؤخراً تشريعاً لتقديم إجازة أسرية مدفوعة الأجر للموظفين في الحكومة الفيدرالية.

الواقع أن السياسات التي تركز على النوع الاجتماعي من الممكن أن تعمل على زيادة تمكين الفتيات والنساء من تحقيق إمكاناتهن الاقتصادية. ويشمل هذا الاستثمارات الموجهة التي تهدف إلى تشجيع الفتيات على البقاء في المدارس لفترة أطول، حتى يتسنى تسليحهن بالتعليم والمهارات التي يحتجن إليها للمشاركة في قوة العمل كبالغات.

بدعم من البنك الدولي، على سبيل المثال، تزود حكومة بنغلاديش الفتيات برواتب تعليمية للمرحلة الثانوية، كما قدمت منهجاً يهدف إلى تعزيز المهارات الحياتية. وعملت هذه التدابير على إزالة الفجوة بين النوعين الاجتماعيين في التعليم الثانوي، حتى أن أعداد الفتيات الآن باتت تفوق أعداد الصبيان في الفصول.

لا يقل عن هذا أهمية العمل على تعزيز قدرة النساء على التنقل وتشجيعهن على البحث عن عمل بأجر. وهنا، يتطلب النجاح الحد من المضايقات في وسائل النقل العام، ومراعاة احتياجات الأمهات العاملات عند تحديد مواعيد الحافلات أو القطارات، وضمان أن تكون الرحلات آمنة، وجيدة الإضاءة، ويمكن الوصول إليها بسهولة. وفي لبنان، يسعى البنك الدولي إلى المساعدة في زيادة استخدام النساء لوسائل النقل العام من خلال دعم الجهود الرامية إلى تجديد قطاع النقل مع مراعاة احتياجاتهن.

كما يشكل توسيع قدرة النساء على الحصول على التمويل أهمية قصوى. تشير تقديرات مؤسسة التمويل الدولية (ذراع الإقراض للقطاع الخاص في مجموعة البنك الدولي) إلى أن الشركات التي تقودها نساء تواجه على مستوى العالم فجوة ائتمانية مقدارها 1.5 تريليون دولار أمريكي.

كان تصميم مبادرة تمويل سيدات الأعمال التابعة للبنك الدولي (We-Fi) حريصاً على المساعدة في معالجة هذا النقص وإزالة الحواجز الأخرى التي تواجهها سيدات الأعمال. تهدف هذه المبادرة، التي تدعمها حكومات الولايات المتحدة، وألمانيا، واليابان، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، بين حكومات دول أخرى، إلى دعم 115 ألف مؤسسة صغيرة ومتوسطة الحجم مملوكة لنساء في أكثر من 50 دولة، والدفع بما يزيد على 2.6 مليار دولار أمريكي في هيئة تمويل مشترك بين القطاعين العام والخاص. وبالاشتراك مع المديرة الإدارية لصندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا وإيفانكا ترمب، شاركت شخصياً في قمة We-Fi الأخيرة في دبي، حيث ناقشنا مع وزراء الحكومات من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كيفية إتاحة الفرص للنساء، بما في ذلك من خلال تحسين القدرة على الوصول إلى التمويل.

من خلال الاستفادة من التكنولوجيا، بما في ذلك عن طريق تحويل المزيد من المعاملات النقدية إلى القنوات الرقمية، يصبح من الممكن منح النساء قدراً أكبر من السيطرة على مواردهن الخاصة. ومن الممكن أن تقدم مثل هذه الإبداعات فوائد أخرى أيضاً: وجدت دراسة أجريت في عام 2016 في كينيا أن تزويد النساء بالقدرة على الوصول إلى خدمات الأموال عبر الأجهزة المحمولة كان سبباً في زيادة مدخرات الأسر بأكثر من %20 كما ساعد في الحد من الفقر المدقع بين الأسر التي تعيلها نساء بنحو %22.

كان القطاع الخاص رائداً في تبسيط وتعميم الخدمات المالية. ففي مِصر، تعمل شركة تقديم الخدمات المالية «فوري»، وهي من عملاء مؤسسة التمويل الدولية، على تمكين أكثر من 2.5 مليون معاملة يومياً وأطلقت مؤخراً أول شبكة لوكلاء الدفع الإلكتروني للإناث في مِصر، بهدف زيادة قدرة النساء على الوصول إلى المدفوعات الإلكترونية.

ولكن، بالإضافة إلى القوانين التمييزية والافتقار إلى القدرة إلى الوصول إلى رؤوس الأموال والأصول، تعمل الأعراف التي تدّعي أن الفتاة أقل قيمة من الصبي أيضاً على تقييد الفتيات والنساء في أجزاء كثيرة من العالم. ويشكل العنف القائم على النوع الاجتماعي واحداً من أكثر مظاهر هذا التحيز العميق خبثاً. المعلومة الصادمة هنا أن واحدة من كل ثلاث نساء في مختلف أنحاء العالم اليوم عانت من العنف البدني أو الجنسي.

النبأ السار هو أن بلدان العالم تحرز تقدماً في منع العنف القائم على النوع الاجتماعي والتصدي له. على سبيل المثال يُــظـهِر عمل بحثي يموله البنك الدولي ومبادرة أبحاث العنف الجنسي في جزر سليمان أن مثل هذا العنف يصبح غير مقبول بمجرد أن تتحدث المجتمعات، بدعم من الزعامات الدينية ومقدمي الخدمات الحكومية، ضده. ومع ظهور أفضل الممارسات في ما يتعلق بكيفية مساعدة الناجين من العنف، يتعين على الممارسين أن يعملوا على توحيد صفوفهم لتبادل الدروس المستفادة. كما يمكن أن يساعد في هذا السياق تزويد شبكات نسائية بالدعم الاجتماعي، والتدريب على التعامل مع مخاطر العنف، وبرامج بناء الثقة.

في يوم المرأة الدولي هذا العام، أود أن أؤكد على أن مجموعة البنك الدولي على استعداد للانضمام إلى صف أصحاب المصلحة العاملين على تمكين النساء وإطلاق العنان لإمكاناتهن الاقتصادية.

* رئيس مجموعة البنك الدولي

opinion@albayan.ae

طباعة Email
تعليقات

تعليقات