زلزال أيرلندا الانتخابي

كان نجاح حزب شين فين في الانتخابات العامة في أيرلندا في الثامن من فبراير، حيث تصدر الأحزاب بأكبر عدد من الأصوات، بمثابة الصدمة، نظراً للعلاقات التاريخية التي تربط الحزب بالجيش الجمهوري الأيرلندي وارتباط هذه المنظمة بالعنف.

كان السبب وراء نجاح حزب شين فين حالة من الاستياء والسخط في الداخل، وليس الحماسة القومية. ومع ذلك فإن فوز شين فين من شأنه أن يضع الوحدة الأيرلندية، وبالتالي مستقبل ضم أيرلندا الشمالية إلى المملكة المتحدة، على الأجندة برسوخ.

لا أحد أكثر شعوراً بالمفاجأة إزاء النتيجة من حزب شين فين ذاته، ففي مايو الماضي حصل الحزب بقيادة زعيمته الجديدة ماري لو ماكدونالد على 9.5% فقط من الأصوات في الانتخابات المحلية، و11.7% من الأصوات في انتخابات البرلمان الأوروبي.

وقد أصابت هذه النتائج قادة الحزب بالإحباط، حتى أنهم لم يكلفوا أنفسهم عناء إجراء تسجيل كامل للمرشحين في الانتخابات العامة هذا الشهر، ومع ذلك ارتفع الحزب بشكل مفاجئ إلى 24.5%، متقدماً على كل من الحزبين التقليديين الرئيسيين في أيرلندا، فيانا فايل وفاين جايل.

من المؤكد أن شين فين فاز بسبعة وثلاثين مقعداً فقط من أصل 160 مقعداً في البرلمان.

يميل نظام التمثيل النسبي والدوائر الانتخابية المتعددة المقاعد المعقّد في أيرلندا إلى تخصيص أغلب المقاعد وفقاً لتفضيلات الناخبين الثانية والدنيا، وبالتالي فإنه يحابي الأحزاب التي تضم عدداً أكبر من المرشحين في الإجمال، ومع ذلك سينتقل الحزب الآن من هامش السياسة الأيرلندية إلى مركزها.

النتيجة المباشرة للانتخابات هي أن حزب فيانا فايل الذي فاز بثمانية وثلاثين مقعداً، وحزب فاين جايل الذي تولى الحكم منذ عام 2011، يواجهان معضلة عصيبة، فبوسعهما أن يحاولا تشكيل حكومة ائتلافية بينهما، أو مع أحزاب أصغر حجماً مثل حزب الـخُـضر وحزب العمال، ما يجعل شين فين منبوذاً بالعراء. لكن هذا يشكل مجازفة بتعزيز دور المنبوذ كحزب المعارضة الرئيسي في أيرلندا.

بدلاً من ذلك، من الممكن أن يتفاوض حزب فيانا فايل مع حزب شين فين لضمه إلى الحكومة، وبالتالي إجباره على تحمل المسؤولية بدلاً من مجرد تقديم الوعود واقتناص الفرص من الخطوط الجانبية.

إذا تعمقنا تحت السطح قليلاً، فسوف يتبيّن لنا أن نجاح فين شين ليس مفاجئاً إلى هذا الحد، ففي أعقاب انهيار الملكية العقارية والقطاع المصرفي في الفترة من 2008 إلى 2010، شعرت حكومة فاين جايل بأنها ملزمة بخفض الدين العام من الذروة التي بلغها بنحو 120% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2012 إلى 63% فقط الآن.

وقد أنتجت هذه الفترة الطويلة من التقشف مزيجاً من «الوفرة الخاصة والبؤس العام»، إذا كان لي أن أستعير العبارة التي أشاعها رجل الاقتصاد الأمريكي جون كينيث جالبريث في خمسينيات القرن العشرين.

وفشلت الخدمات الصحية والإسكان في أيرلندا في ملاحقة الطلب المتزايد، كما تعرض قطاع النقل العام لضغوط شديدة. علاوة على ذلك، منذ 2016، تولى حزب فاين جايل الحكم مع حزب فيانا فايل بموجب ما يسمى «اتفاق الثقة والمساندة»، الذي لم يضمن سوى تقاسم الحزبين للمسؤولية عن حِس «البؤس العام».

نتيجة لهذا أصبح الحزبان «التأسيسيان» في أيرلندا عُرضة لمجموعات المعارضة التي تقدم ذاتها على أنها بدائل أكثر تقدمية.

في الماضي، كان حزب العمال يضطلع بهذا الدور، لكن هذا الحزب تلوث بسبب مشاركته في ائتلاف مع حزب فاين جايل في الفترة من 2011 إلى 2016. وعلى هذا فإن الاختيار الآن يصبح بين حزب شين فين وحزب الـخُـضر، الذي حصل على 7.4% فقط من الأصوات.

سوف يستغرق الأمر الآن عدة أسابيع لتشكيل الحكومة. وقد استبعد ليو فارادكار، زعيم حزب فاين جايل ورئيس الوزراء الحالي، إجراء محادثات مع حزب شين فين بكل شِدة، حتى بات من الصعب عليه أو حزبه تغيير النبرة الآن، لكن حزب فيانا فايل، وزعيمه مايكل مارتن، لديهما حيز أكبر للمناورة.

في كل الأحوال، سيتولى حزب شين فين الآن مناصب قوية بنفس القدر في كل من أيرلندا وأيرلندا الشمالية. كانت الانتخابات العامة في المملكة المتحدة في ديسمبر، وانسحاب البلاد رسمياً من الاتحاد الأوروبي في يناير، من الأسباب التي أدت إلى حلحلة الأمور، ففي يناير، انضم حزب شين فين في أيرلندا الشمالية إلى ترتيب جديد لتقاسم السلطة.

إذا انضم حزب شين فين للحكومة الأيرلندية، فمن المرجح أن يلاحق وزراؤه الاستعدادات للاستفتاء، وأن يمارسوا الضغوط للدخول في مفاوضات مع المملكة المتحدة حول موعد عقد الاستفتاء. ويدرك حزب شين فين أنه من الخطأ الاستراتيجي أن يدفع في اتجاه التعجيل بعقد استفتاء.. لكنه يدرك أيضاً أنه لا يمكنه أن يجازف بوصمه خائناً للقومية الأيرلندية.

في كل الأحوال، من خلال إثقال كاهل أيرلندا الشمالية بعدم اليقين بشأن البقاء في كل من الاتحاد الجمركي في المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، تسبب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي فعلياً في فتح قفل صندوق الأهوال المتمثل في معضلة إعادة توحيد أيرلندا.

والآن تسببت الانتخابات العامة الأيرلندية في فتح غطاء هذا الصندوق على مصراعيه، ولا أحد يستطيع أن يجزم الآن بما قد يخرج منه.

* رئيس تحرير مجلة الإيكونيميست الأسبق.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات