ثورة الصين الرقمية في مجال الإقراض المصرفي

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة

ينمو الاقتصاد الصيني الآن بمستوى محدد ولكن إذا تمكنت الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم في الصين، والتي يبلغ عددها نحو 40 مليون شركة، من التغلب على تحدياتها والوصول إلى القدرة على توفير التمويل، فقد تتحول إلى محرك قوي للدينامية الاقتصادية. فهل يتمكن المبدعون في المجال الرقمي من سد فجوة تمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم؟

من المؤكد أن الحكومة الصينية حاولت. فمنذ عام 2005، يعكف صناع السياسات على توسيع فرص الحصول على الخدمات المالية لصالح الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم، فضلاً عن الأسر ذات الدخل المنخفض.

وتضمنت التدابير إنشاء أكثر من 8000 شركة للقروض الائتمانية المتناهية الصِغَر، وفرض متطلبات سنوية أعلى على البنوك لإقراض الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم، والخفض الإلزامي لمتوسط سعر الفائدة على القروض المقدمة للشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم، بنحو نقطة مئوية واحدة في عام 2018 ثم في عام 2019.

ولكن على الرغم من هذه الجهود، فإن 20% فقط من الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم تقترض من البنوك. أحد الأسباب وراء ذلك هو أن الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم، ليس من السهل العثور عليها دائماً، كما أن العديد من البنوك غير قادرة على تطبيق تسعير المخاطر على أساس السوق بشكل فعّال في التعامل مع الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم.

ولأن متوسط العمر المتوقع للشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم الصينية لا يتجاوز خمس سنوات، لا يستطيع المرء أن يزعم أن إقراضها ليس محفوفاً بالمخاطر. لكن تكاليف الاقتراض الإلزامية المنخفضة للشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم يعني أن البنوك لا يمكنها استخدام أسعار الفائدة للتعويض عن المخاطر الأعلى، ولم تقدم الحكومة إعانات دعم تعويضية.

في حين أن البنوك الكبرى ربما عملت على تعديل أوضاعها باستخدام إعانات الدعم المتبادلة، فإن البنوك الأصغر حجماً لا تتمتع بهذا الخيار. فمن منظورها يعني إقراض الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم المخاطرة بصحة ميزانياتها العمومية.

ولكن حتى لو لم تفرض الهيئات التنظيمية أسعار فائدة منخفضة بشكل مصطنع للشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم، فإن البنوك ستواجه صعوبات جمة في تطبيق تسعير المخاطر الفعّال. تؤكد نماذج تسجيل الائتمان التقليدية على التاريخ المالي للمقترض وأصوله الثابتة (الضمانات)، فضلاً عن أي ضمان حكومي ضمني. ومن الواضح أن الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم لا تملك أياً من هذه الأشياء عادة.

ينقسم التحدي بالتالي إلى شقين. فمن أجل تشجيع البنوك على زيادة معدلات الإقراض، يتعين على السلطات الصينية أن تسمح بأسعار إقراض أكثر مرونة، بدلاً من فرض متطلبات أسعار الفائدة الشديدة الانخفاض والتي تجعل ميزانيات البنوك عُرضة للخطر. في الوقت ذاته، يتعين على البنوك أن تعمل على إيجاد طرق فعّالة لإدارة تقييم المخاطر في التعامل مع الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم.

يركز أحد الأساليب المبتكرة على «المعلومات غير المسجلة على الشبكة» ــ سلوكيات أصحاب المشاريع وعلاقاتهم الاجتماعية. وبالفعل، تستخدم البنوك التجارية الأصغر حجماً ــ مثل Tailong، وTaizhou، وMintai، في إقليم جيجيانج ــ هذا النهج لتوجيه القروض التي تقدمها للشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم.

لكن الثورة الحقيقية في تقييم المخاطر المرتبطة بإقراض الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم تحدث عبر شبكة الإنترنت، حيث تتولى منصة تكنولوجية تسجيل البيانات حول بصمات المستخدمين الرقمية؛ وتتيح الحوسبة السحابية تبادل المعلومات ذات الصِلة؛ ويعمل التعلم الآلي على تعزيز السرعة، والكفاءة، والدقة.

وفقاً لبحث أجراه معهد التمويل الرقمي في جامعة بكين بالتعاون مع بنك التسويات الدولية، تُـعَد نماذج تسجيل الائتمان القائمة على التكنولوجيا وسيلة أفضل للتنبؤ بمخاطر العجز عن سداد القروض المقدمة للشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم مقارنة بنماذج البنوك التقليدية، لثلاثة أسباب على الأقل.

أولاً، تشتمل النماذج الجديدة على المتغيرات السلوكية ومؤشرات الشبكة، والتي تعد أكثر ثباتاً من المعلومات حول الميزانية العمومية.

ثانياً، تستخدم هذه النماذج بعض بيانات المعاملات اللحظية ــ بما في ذلك حول التدفقات النقدية، وبيئة الأعمال ــ بدلاً من مؤشرات التمويل الأقل تحديثاً إلى حد كبير. وثالثاً، تستطيع أساليب التعلم الآلي رصد العلاقات التفاعلية غير الخطية بين المتغيرات الفردية بشكل أفضل مقارنة بالنماذج الخطية التي تستخدمها البنوك التقليدية.

توفر طبيعة «الذيل الطويل» الإحصائية التي تتسم بها التكنولوجيا الرقمية ميزة إضافية. فبمجرد إنشاء المنصة، تصبح التكلفة الحدية لخدمة عملاء إضافيين صِفراً تقريبا. وبالفعل، بلغ عدد عملاء كل من المنصتين الرئيسيتين في مجال الدفع بواسطة الأجهزة المحمولة في الصين ــ Alipay التابعة لشركة علي بابا، و WeChat Pay التابعة لشركة تينسنت ــ ما يقرب من المليار.

وبالطبع، تعمل التكنولوجيا الرقمية بسرعة. إذ تقوم البنوك العاملة على شبكة الإنترنت الرائدة في هذا النهج ــ WeBank، و MYBank، و XWbank، بمعالجة طلبات القروض على الفور تقريباً. وقد عملت منصة إقراض الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم التابعة لبنك MYBank على تطوير النموذج «310»: يستغرق ملء نموذج الطلب على الإنترنت أقل من ثلاث دقائق؛ وبمجرد الموافقة عليه، يجري تحويل المال إلى حساب المقترض على Alipay في غضون ثانية واحدة؛ وليس هناك أي تدخل بشري في العملية برمتها.

من المؤكد أن الأمر لا يخلو من تحديات يجب التغلب عليها ــ بدءاً بفجوة التفاوت في البيانات. لكن هذا يظل يشكل قيداً أشد على البنوك التقليدية، التي تركز فقط على السجلات المالية السابقة، مقارنة بالبنوك العاملة عبر الإنترنت، التي تستخدم بيانات أكثر تنوعاً.

تستخدم منصة WeBank كما أكبر من البيانات من وسائط التواصل الاجتماعي؛ وتعتمد منصة MYBank بشكل كبير على سجلات التجارة الإلكترونية؛ في حين تستقي منصة XWbank، التي تُـعَـد نظاماً مصرفياً مفتوحاً، المعلومات من منصات تكنولوجية أخرى. وبالتالي، يظل بوسع أي شخص ليس له سجل ائتماني أن يتمكن من الوصول إلى التمويل بناء على سجله في وسائط التواصل الاجتماعي على سبيل المثال.

أما عن العملاء الذين يفتقرون إلى البصمة الرقمية بالكامل، فقد عملت البنوك العاملة عبر الإنترنت على تطوير استراتيجيات لتمكين العملاء من بناء بصمتهم الرقمية.

أدركت الصين أهمية زيادة قدرة الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم على الوصول إلى التمويل. والآن تقدم البنوك العاملة عبر الإنترنت الحل الذي تحتاج إليه الصين. وقد يكون في هذا نِعمة ليس فقط للنمو الاقتصادي والإبداع، بل وأيضاً لشمول مالي أعرض ــ في الصين وخارجها.

 

* عضو سابق في لجنة السياسات النقدية في بنك الشعب الصيني.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات