رحلات ماكرون في دوائر الآمال

صورة

عندما قام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بزيارة إلى بولندا في الثالث والرابع من فبراير، لم يتطرق إلا بإيجاز لموضوع استقلال القضاء، فذكر نزاع بولندا بشأن هذه القضية مع المفوضية الأوروبية، ولكن ليس مع فرنسا. ومن الواضح أن ماكرون كان يحاول تذويب جليد العلاقات الفرنسية البولندية وإعطاء بولندا الفرصة لإنهاء عزلتها داخل الاتحاد الأوروبي.

بعد زيارة ماكرون مباشرة، وَقَّـع الرئيس البولندي أندريه دودا على قانون «التكميم» الذي من شأنه أن يمكن الحكومة من معاقبة القضاة الذين يتصرفون بشكل مستقل.

ثم زاد دودا الطين بلة عندما استضاف رئيس مقدونيا الشمالية، وهي الدولة التي دخلت في منازعة مع فرنسا في أعقاب القرار الذي اتخذه ماكرون بوقف الطلب الذي تقدمت به للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. ولابد أن ماكرون، الذي كان لا يزال في بولندا لإلقاء محاضرة في جامعة جاجيلونيان في كراكوف، شعر وكأنه خُـدِع.

لم يكن هذا سوى أحدث دليل على ازدراء الحكومة البولندية الحالية لماكرون. يعلم الجميع أن ماكرون هو الزعيم الأوروبي الأكثر التزاماً بتعزيز تكامل الاتحاد الأوروبي. وهذا هو السبب وراء انتقاداته الشديدة للعقبات الرئيسية التي تحول دون إتمام التكامل، وخاصة حزب القانون والعدالة الحاكم في بولندا. ومع ذلك، كان المقصود من زيارته الأخيرة أن تكون بمثابة بادرة حسن نوايا.

والآن، تعرض حكومة حزب القانون والعدالة موقفها بوضوح شديد. بين كل التشريعات المثيرة للجدال التي تقدم بها الشعبويون الأوروبيون في السنوات الأخيرة، يُـعَـد قانون التكميم الجديد على نطاق واسع القانون الأكثر إثارة للاعتراضات.

الأسوأ من ذلك هو أنه يأتي في أعقاب هجمات سابقة من جانب حزب القانون والعدالة استهدفت المحكمة العليا في بولندا، والتي جرى توسيعها لتشمل «هيئة الرقابة الاستثنائية والشؤون العامة» الجديدة، وهي الهيئة التي يشغل مناصبها محاسيب حزب القانون والعدالة الذين يحصلون على رواتب أعلى بنحو 40% من قضاة المحكمة العليا الآخرين.

شككت محكمة العدل الأوروبية في شرعية واستقلالية الهيئات التي أنشأتها حكومة حزب القانون والعدالة، لكنها قَـضَـت بأن الأمر متروك للمحكمة العليا البولندية ذاتها لتحديد شرعية كل من الهيئة التأديبية الجديدة ومجلس القضاء الوطني الذي يسيطر عليه حزب القانون والعدالة. على نحو مماثل، طَـعَـنَـت المفوضية الأوروبية، ولجنة فينيسيا، والسلطات القضائية داخل بولندا وخارجها، في الادعاء بأن الهيئات التي يسيطر عليها حزب القانون والعدالة يمكن اعتبارها مستقلة.

فإذا كانت هذه الهيئات غير شرعية وقضاتها غير شرعيين، فإن الأحكام الصادرة عنها والتي بلغت نحو 70 ألف حُـكم ربما تصبح في حكم الباطلة. وعلى هذا فقد أصدرت المحكمة العليا البولندية تعليمات إلى المحاكم الأدنى بعدم قبول القضاة الذين يُـختارون بموجب القواعد الجديدة التي وضعها حزب القانون والعدالة.

والآن رَد حزب القانون والعدالة بسن قانون «التكميم»، الذي يسمح للهيئة التأديبية بإلغاء القرارات الصادرة عن القضاة المستقلين في المحكمة العليا والمحاكم الأدنى. وبموجب القانون الجديد، يصبح بوسع الهيئة معاقبة أي قاض ترى أنه «يقوض عمل السلطات في جمهورية بولندا».

هناك أسباب عِدة محتملة وراء القرار الذي اتخذه ماكرون بزيارة بولندا عندما كان قانون التكميم ينتظر توقيع الرئيس فقط وكان حزب القانون والعدالة على مسار حرب مع الاتحاد الأوروبي. وبين أهم هذه الأسباب أنه كان يبحث عن فرص دبلوماسية جديدة بعد أن حَدّ من فرصه للتعاون مع الولايات المتحدة وألمانيا.

حتى الآن، وجد ماكرون الاستقبال الأكثر حرارة في روسيا. لكن هذا لا يستبعد التعاون مع بولندا، الدولة التي تتمتع بإمكانات متزايدة في ما يتصل بالمساهمة في الدفاع والاقتصاد الأوروبيين. والواقع أن فرنسا وبولندا لديهما مصلحة مشتركة في تعزيز التجارة، ومناقشة تكنولوجيا الطاقة النووية، وتجديد العقود الدفاعية العديدة. وعلى هذا فقد رافق ماكرون في رحلته ما يقرب من 100 سياسي فرنسي (بما في ذلك وزير الاقتصاد برونو لو ماير) والعديد من الممثلين من قطاع الأعمال.

لن يتضرر ماكرون من الضربة التي وجهتها إليه حكومة حزب القانون والعدالة بهذا الخصوص. فقد حولت وسائل الإعلام الفرنسية لهجتها بالفعل من النظر في التعاون المحتمل مع بولندا إلى انتقادها صراحة.

ولن تؤدي إشارات عدم الاحترام من قِبَل حزب القانون والعدالة إلا إلى مساعدة ماكرون، وخاصة الآن بعد أن رد له الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الجميل من خلال الكشف علناً (ظاهرياً) عن قروض روسية سابقة حصلت عليها خصمة ماكرون المحلية الرئيسية مارين لوبان وحزب الحشد الوطني الذي تتزعمه.

وقد قامت الشركة الروسية التي أصدرت القرض، Aviazapchast، والتي رُبِـطَـت سابقاً بأجهزة الاستخبارات الروسية، برفع دعوى قضائية تطالب بالسداد.

الآن، ستهيمن هذه الإجراءات القانونية على دورة الأخبار في فرنسا، تماماً كما هيمنت مسألة تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لأوكرانيا ومسألة توجيه الاتهام إليه لمحاكمته في وقت لاحق على الأخبار في الولايات المتحدة. وسوف يناسب هذا ماكرون تماماً. أما الجهة الوحيدة التي تظل مصالحها غير مؤكدة فهي بولندا، وهذا ليس بالأمر الجديد.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات