الجانب الآخر من النمو

صورة

لم تحظ واحدة من أكثر القصص الإخبارية إثارة للقلق في عام 2019 بالتغطية التي كان المرء ليتوقعها من المنافذ الإعلامية في الولايات المتحدة وأوروبا، لكن التباطؤ الاقتصادي في دول مهمة سوف يحظى في الأرجح بقدر أكبر كثيراً من الاهتمام في عام 2020.

خفض كل من صندوق النقد الدولي، وبنك التنمية الآسيوي، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تقديراتها للنمو في إحدى الدول الآسيوية المتقدمة عن الفترة 2019-2020 إلى نحو 6 %، وهو المعدل الأدنى منذ بداية العقد الحالي. ويزعم آخرون أنه حتى هذا التقدير متفائل ويقدمون سرداً أشد ترويعاً. وفي دولة أخرى، تباطأ نمو الناتج المحلي الإجمالي من 14.2 % في عام 2007 إلى 6.6 % في عام 2018. ويتوقع صندوق النقد الدولي أنه ربما ينخفض إلى 5.5 % بحلول عام 2024. ساعد النمو السريع في دول آسيوية بارزة في انتشال الملايين من براثن الفقر، ومن المرجح أن يؤدي التباطؤ إلى إعاقة التقدم في تحسين حياة الفقراء.

ماذا يجب أن تفعل الدول المعنية إذا؟ أو بالأحرى، ما الذي لا ينبغي لكل منها أن تفعل؟ عندما كنا نعمل على تأليف كتابنا «اقتصاد جيد من أجل زمن عصيب» في عام 2018، قبل أن تتوارد الأنباء السيئة عن دول آسيوية متقدمة، كنا نشعر بالقلق بالفعل إزاء التباطؤ المحتمل هناك. ومع توقعنا لتراجع النمو، حذرنا من الانزلاق للشوق بالرضا عن الذات.

كان المقصود من طرحنا بسيطاً: ففي البلدان التي تبدأ من موقف حيث تستخدم الموارد بشكل سيئ، ربما تأتي الفوائد الأولى للإصلاح من نقل الموارد إلى أفضل استخدام ممكن لها.

فلو كان اقتصاد اليابان نجح بالحفاظ على معدل النمو الذي سجله على مدار العقد من 1963 إلى 1973، فإنه كان ليتجاوز الولايات المتحدة من حيث نصيب الفرد في الناتج المحلي الإجمالي عام 1985، ومجمل الناتج المحلي الإجمالي في عام 1998، لكن ما حدث بدلاً من ذلك يكفي لجعل المرء يؤمن بالخرافات، ففي عام 1980، بعد عام واحد من نشر كتاب «اليابان في المرتبة الأولى» لرجل الاقتصاد عزرا فوجل من جامعة هارفارد، انهار معدل النمو ولم يتعافَ قَط. وطوال الفترة من 1980 إلى 2018، لم يتجاوز متوسط معدل النمو السنوي 0.5 %.

كان الأمر راجعاً إلى مشكلة بسيطة، وهي انخفاض معدل الخصوبة والغياب شبه الكامل للهجرة، الشيخوخة السكانية السريعة في اليابان، ففي أواخر تسعينيات القرن العشرين، بلغ عدد السكان في سِن العمل ذروته، ثم بدأ الانحدار بمعدل سنوي نحو 0.7 % منذ ذلك الحين (وسوف يواصل الانخفاض). علاوة على ذلك، خلال خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن العشرين، كانت اليابان تلحق بالركب بعد كارثة حرب المحيط الهادئ، مع انتشار سكانها المتعلمين تدريجياً إلى أفضل استخدام ممكن.

ثم بحلول ثمانينيات القرن العشرين، انتهى كل هذا، ففي نشوة السبعينيات والثمانينيات، أقنع الكثير من الناس (في اليابان وخارجها) أنفسهم بأن اليابان ستواصل النمو السريع رغم كل شيء من خلال اختراع تكنولوجيات جديدة، وهو ما قد يفسر استمرار معدل الاستثمار المرتفع (الذي تجاوز 30 % من الناتج المحلي الإجمالي) طوال عقد الثمانينيات. وعلى هذا فقد طاردت مقادير ضخمة من الأموال عدداً ضئيلاً من المشروعات الجيدة في ما عُرِف باسم اقتصاد الفقاعات في الثمانينيات. ونتيجة لهذا، انتهى الأمر بالبنوك إلى قدر كبير من القروض المتعثرة، ما أدى إلى اندلاع أزمة مالية ضخمة في التسعينيات، وتوقف النمو تماماً.

في نهاية «عقد التسعينيات الضائع»، ربما بدأ صناع السياسات في اليابان يدركون ما يحدث من حولهم وما اضطروا إلى خسارته. كانت اليابان اقتصاداً غنياً نسبياً بالفعل، وكانت تتمتع بنظام تعليمي قوي، فضلاً عن العديد من المشاكل المهمة التي تحتاج إلى علاج، وأكثرها أهمية كيفية ضمان نوعية حياة لائقة لسكانها الذين تتمكن منهم الشيخوخة بسرعة، لكن السلطات بدت غير قادرة على التكيف، إذ كانت استعادة النمو مسألة كبرياء وطنية.

نتيجة لهذا، تنافست الحكومات المتعاقبة على ابتكار سلسلة من حزم التحفيز، فأنفقت تريليونات الدولارات في الأغلب الأعم على الطرق، والسدود، والجسور ..ولكن ذاك لم ينفع..

الدرس المستفاد من كل هذا يجب أن يكون واضحاً لصناع السياسات في دول آسيوية متقدمة، إذ يتعين عليهم أن يقبلوا حقيقة مفادها أن النمو سوف يتباطأ حتماً. ويكمن حل هذه المعضلة في نهاية المطاف في عدم إغفال حقيقة مفادها أن الناتج المحلي الإجمالي وسيلة وليس غاية، وهو وسيلة مفيدة بلا شك، وخاصة عندما تخلق فرص العمل، أو ترفع الأجور، أو تعمل على تضخيم الميزانية الحكومية حتى يصبح بإمكانها تحقيق المزيد من إعادة التوزيع. لكن الهدف النهائي يظل متمثلاً في رفع نوعية الحياة.

*أستاذ علوم الاقتصاد في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا

* أستاذة تخفيف وطأة الفقر واقتصاديات التنمية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا

*الكاتبان مؤسسان ومديران مشاركان لمختبر عبد اللطيف جميل لمكافحة الفقر في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، والحائزان (مع مايكل كريمر) على جائزة نوبل في علوم الاقتصاد لعام 2019.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات