سياسيو أمريكا وحقائق ومسؤوليات

في ستينيات القرن العشرين كتب الشاعر المنشق ألكساندر جاليتش عن التواطؤ الصامت من جانب الأجهزة السوفييتية في ما يتصل بالجرائم التي ارتكبها جوزيف ستالين، وخاصة عمليات التطهير الكبرى، التي بموجبها اعتُقِل الملايين أو ماتوا في معسكرات العمل الإلزامي السوفييتية. كتب جاليتش: «أولئك الذين التزموا الصمت أصبحوا الزعماء، لأن الصمت من ذهب». «التزم الصمت فتصبح على القمة».

لم أكن لأتصور أبداً أن هذه السطور قد يتردد صداها أيضاً في الولايات المتحدة، لكن الرئيس دونالد ترامب نجح في تغيير فهم الجميع لما هو ممكن، حتى مع كل الحادث، ظل كبار أعضاء الحزب الجمهوري صامتين إلى حد كبير، ولا يشمل ذلك زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل وزميله السيناتور ليندسي جراهام فحسب، بل وأيضاً الرئيس السابق جورج دبليو بوش، وجيمس بيكر، وديك تشيني. ويبدو أن ولاءهم لما يسمى «القيم الجمهورية» الراسخة منذ عهد رونالد ريجان- الضرائب المنخفضة، والضوابط التنظيمية المخففة، والمحافظة الاجتماعية ــ جعلهم صامتين.

لقد تسبب غزو العراق الذي قادته الولايات المتحدة في عام 2003 في عهد بوش في إلحاق الضرر الشديد بمكانة أمريكا الدولية، ودفع الحكومات القومية في روسيا وتركيا والمجر وأماكن أخرى إلى التساؤل على نحو متزايد حول أخلاقية الزعامة الأميركية للعالم.

وفي الفترة الحالية، ظلت أولويات السياسة الجمهورية على حالها، لكن أي مظهر متبق من مظاهر «القيم» اختفى تماماً، ولا بد أن أموراً كثيرة خطرة في الساحة الاقتصادية والسياسية تفرز الكثير من العقبات، كانت كافية لتجعل أي جمهوري لا ينخرط الخدمة في الوضع الحالي، ذلك طبقاً لرؤى وفلسفة هذا الحزب، التي يدعيها.

في سبتمبر من عام 2018، كتب مجهول، والذي يُزعَم أنه مسؤول رفيع في إدارة ترامب، مقالاً افتتاحياً في صحيفة «نيويورك تايمز» أعلن فيه: «أنا جزء من المقاومة»، كما لو كان ذلك من المفترض أن يخفف من مخاوفنا إزاء صمت الجمهوريين. أضاف المجهول: «من الواضح أن مقاومتنا ليست كمقاومة اليسار الشعبية، فنحن نريد أن تنجح الإدارة، ونعتقد أن العديد من سياساتها جعلت أمريكا أكثر أماناً وأكثر ازدهاراً بالفعل».

رغم أن فلين استمر لأسابيع فقط في منصبه وأصبح الآن مجرماً مداناً، فإن الثلاثة الآخرين كانوا يعتبرون على نطاق واسع «البالغين في الغرفة» الذين كان بوسعهم أن يوفروا ثِقَلاً موازناً لغرائز ترامب الفوضوية من عالم الترفية والاستعراض. وقد أقنعوا أنفسهم بأنهم بدلاً من محاولة إقصاء ترامب من منصبه، يمكنهم فرض سيطرتهم عليه وبالتالي إدامة سلطانهم. ومن خلال إعلاء نظام الضوابط والتوازنات الأمريكي، يصبحون المخلصين الذين يعيدوننا جميعاً إلى الحياة الطبيعية.

ولكن برغم أن ترامب وصف هؤلاء العسكريين السابقين في البداية على أنهم «جنرالاتي»، فإنه في وقت لاحق أطاح بهم جميعاً بعد أن اصطدم بكل منهم في دوره. وفي النهاية، لم يمكن تورطهم في كارثة ترامب مختلفاً إلى حد كبير عن الصمت الشيوعي الذي أدانه جاليتش، والذي فرض مثل هذا الثمن الباهظ على سكان الاتحاد السوفييتي. علاوة على ذلك، لم يكن لزاماً على هؤلاء الجنرالات الأمريكيين السابقين المتقاعدين في الأغلب أن يخدموا بدافع من الخوف، كما فعل الزعيم السوفييتي السابق نيكيتا خروتشوف وآخرون في عهد ستالين.

الآن، أخيراً، بدأ بعض المناوئين لهذه السياسة يتحدثون صراحة، والواقع أن «المجهول» الذي ربما يكون أحد هؤلاء الجنرالات ألف كتاباً بعنوان «تحذير»، والذي روج له ناشره قبل إصداره في نوفمبر بوصفه «كتاباً متفجراً يقدم رواية مباشرة صادمة»، كما يؤلف ماكماستر كتاباً من المقرر أن يصدر في عام 2020 حول «أخطر التحديات السياسية» في عصرنا.

كان أحدث المقاومين الجمهوريين جون بولتون، ثالث مستشاري الأمن القومي، والذي ترك الإدارة في سبتمبر ويُقال إنه أيضاً يعمل على كتاب ينبئنا بكل شيء. والآن يمتدح بعض المراقبين بولتون لتعبيره عن مخاوفه بشأن إدارة السياسة الأميركية في التعامل مع أوكرانيا. كما ظهرت تكهنات حول كون بولتون أو أحد من يتمتعون برعايته المبلغ عن المخالفات الذي لفت الانتباه إلى مكالمة هاتفية جرت في الخامس والعشرين من يوليو، لكن هذا هو بولتون ذاته الذي ساق الحجج لصالح غزو العراق الكارثي في عام 2003 عندما كان يخدم في وزارة الخارجية الأمريكية.

قد يقول بعض الناس «أن تتحرك متأخراً خيراً من أن لا تتحرك على الإطلاق». ومع ذلك، كانت موجة «المقاومة» الأخيرة أكثر من متأخرة قليلاً. ويبدو أن هؤلاء الصامتين يريدون منا أن نصدق أنهم يضعون مصلحة بلدهم أولاً، في حين أن الإدارة كانت في حقيقة الأمر تزيد من حدة الانقسامات في الولايات المتحدة والعالم.

في عام 1956، ذهب خروتشوف، الموضوع الرئيسي لقصيدة جاليتش، إلى شجب وإدانة ستالين، بعد أن كان موالياً للدكتاتور لعقود من الزمن، وقد اعترف بجرائمه، معلناً أن «ذراعيه مغطيان بالدماء حتى المرفقين».

ليكن هذا هو الاختبار، فقبل أي شيء، دعونا نرى ما إذا كانت لدى جميع السياسيين في هذا المجال، الشجاعة لتحميل أنفسهم المسؤولية .

 

ـــ أستاذ الشؤون الدولية في جامعة نيو سكول. وأحدث مؤلفاتها كتاب (مع جيفري تايلور) «على خُـطى بوتن: البحث عن روح إمبراطورية عبر مناطق روسيا الزمنية الإحدى عشرة»

opinion@albayan.ae

طباعة Email
تعليقات

تعليقات