الرأسمالية وعدم استيعاب التحوّلات العالمية

صورة

لقد قمت مؤخراً كرئيس للمعهد الملكي للدراسات الدولية «تشاتم هاوس»، باستضافة فعالية خارجية مع بعض من أقوى الداعمين للمعهد وموظفي الأبحاث وقادة آخرين، ولقد خرجت من هذه الفعالية بصورة أوضح عن ثلاث من أكبر القضايا في عصرنا الحالي: تباطؤ نمو الإنتاجية والسياسات المناهضة للسلطة وصعود الصين.

بشكل عام، إن السبب وراء انه يوجد لدينا العديد من «القضايا» هو أن النموذج الرأسمالي العالمي قد توقف عن العمل بالطريقة المعهودة وخاصة في السنوات منذ الأزمة المالية سنة 2008 وهذا قد اصبح واضحاً للعديد من الناخبين الغربيين حتى بعد أن عانى الخبراء في فهم طبيعة التحولات الاقتصادية والسياسية الجارية على وجه التحديد.

طبقاً للكتب الاقتصادية التي كنت أقرؤها خلال نشأتي في سبعينيات القرن الماضي فإن الشركات الناجحة ضمن نظام قائم على أساس السوق يجب أن تقدم الأرباح للمساهمين فيها وهذا بدوره يجب أن يقود إلى استثمار أقوى وتصاعد الأجور وفي الوقت نفسه فإن إمكانية تحقيق الأرباح يجب أن تجذب المزيد من الداخلين الجدد للسوق وهذا بدوره سيقلل من ربحية المساهمين الحاليين ويزيد التنافسية ويعزز الابتكار.

إن هذا النمط لم يعد صالحاً حيث يبدو أن أرباح المساهمين المعلنة آخذة في التصاعد بشكل مستمر – عادة بمساعدة إدارة فعالة للغاية للميزانيات والشؤون المالية- ولكن هناك أدلة قليلة على زيادة الاستثمارات أو الأجور ونتيجة لذلك فإن الإنتاجية في العديد من الاقتصادات المتقدمة أصبحت تتجه للانخفاض.

في مثل تلك الظروف، ليس من المستغرب أن ينجذب الناخبون الغربيون إلى أحزاب سياسية مناهضة للسلطة ولكن هذا لا يعني تفكك الديمقراطية الليبرالية كما نسمع عادة وفي واقع الأمر فإن التقرير القادم لتشاتم هاوس يشكك بشكل كبير بمصداقية هذا الادعاء الذي يثير مخاوف لا داعي لها.

بين فترة السبعينيات من القرن الماضي وبداية الألفية الجديدة تحركت السياسة في الدول الغربية باتجاه اليمين –وهو توجه عكسه حزب العمال الجديد في المملكة المتحدة وقيادة حزب الديمقراطيين في الولايات المتحدة الأمريكية ولفترة من الزمان بدا أن نموذج السياسات هذا كان ناجحاً وفي ظروف النمو المستمر والتضخم المنخفض والموجة المتصاعدة التي رفعت جميع (أو معظم القوارب)، تبلور إجماع نيوليبرالي،وتم تهميش الآراء البديلة.

كل شيء تغير بعد 2008 فخلال العقد الماضي يبدو أن الأسواق توقفت عن تحقيق النمو الذي يمكن تقاسمه على نحو واسع ولم تأت الأحزاب الرئيسية بأية أفكار جديدة وعليه توجه الناخبون للأصوات التي كانت مهمشة على اليسار واليمين. لقد كان من المؤكد أن سياسات أقصى اليسار التي اقترحها زعيم حزب العمال البريطاني جيرمي كوربين لم تكن لتنجح ولكن هذا لم يكن مهماً فالمهم للناخبين المهمشين هو أن مقترحات كورين تقدم شيئاً جديداً لا يمنحه النظام الحالي وبنفس الطريقة فإن أولئك المنتمين لمعسكر اليمين من غير المرجح أن يقدموا المزيد من الازدهار ولكن أفكارهم تتميز بأنها تبدو مختلفة فإلقاء اللوم على الهجرة والعولمة والصين لكل شيء يبدو انه يقنع الكثيرين.

من اجل تقديم خيار افضل للناخبين، يتوجب على الوسط أن يقدم ما هو افضل من ذلك للتحقق من أن قوى السوق تحقق نفس النتائج كما كان عليه الحال في العقود السابقة وعليه فإن التركيز على اتهامات عامة تتعلق بالشعبوية وانتهاء الديمقراطية لن يحقق أي شيء.

إن الكثيرين من زملائي الليبراليين خلال محاولتهم توضيح اللحظة الحالية يعتمدون على طرح خاطىء فالمشكلة ليست أن القوى الشعبوية الجديدة المخيفة تدمر النموذج الاقتصادي ما بعد مرحلة الحرب العالمية الثانية بل العكس صحيح تماماً. إن صعود الحركات السياسية الجديدة هو نتيجة منطقية للفترة السابقة التي تميزت بتعزيز الليبرالية الجديدة وفشل التفكير الوسطي في تقديم نفس النتائج التي كان يحققها في السابق.

في واقع الأمر هناك بعض الصحة في الطرح القائل بأن وسائل التواصل الاجتماعي قد عملت على تسهيل انتشار الآراء غير التقليدية –وأحياناً البغيضة -. لقد كان من الواضح أن كبرى شركات وسائل التواصل الاجتماعي لم تنفق ما يكفي على حماية مستخدميها من الدعاية المعقدة والاحتيال وما شابه ذلك ولكن السؤال الحقيقي هو لماذا تلك الرسائل وجدت العديد من الآذان الصاغية.

إن نفس التقنيات التي تسمح للأصوات المهمشة أن تصل لجمهور أضخم بكثير متوفرة كذلك للوسطيين. لقد عززت حملة باراك اوباما الرئاسية في الولايات المتحدة الأمريكية سنة 2008 من قوة هذه المنابر بشكل كبير.

أخيراً، إن النزاع الصيني الأمريكي المتعلق بالتجارة والتقنية ربما يبدو اكثر دراماتيكية بسبب إشراكه لقوة صاعدة ليست ليبرالية وليست غربية ولكن جوهر الصراع هو اقتصادي وخلال العقد القادم تقريبا فإن من المرجح أن يتجاوز الاقتصاد الصيني الاقتصاد الأمريكي ليصبح الأضخم في العالم.

بالنسبة لي يتوجب على صناع السياسة الغربيين أن يكافحوا مرض الخوف من الصين وتشجيع مجتمعاتهم على التعايش بشكل مريح مع الصين فالتقدم الاقتصادي في الصين لن يمنع سكان أمريكا والبالغ عددهم 327 مليون نسمة من أن يصبحوا اكثر ثراء ولو تبنى الغرب سياسات منطقية فإن الشركات والمستهلكين في الغرب سوف يستفيدون بشكل كبير من نمو الصين.

بالنسبة لمراكز الأبحاث مثل تشاتم هاوس فإن من الواضح انه يتوجب علينا أن نلعب دوراً نشطاً أكبر في توضيح الحقائق فيما يتعلق بجميع تلك القضايا حيث ستكون من الأمور المأساوية أن نضحي بازدهارنا الجماعي كنتيجة للتفكير غير الواضح.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات