الغذاء من أجل التنمية المستدامة

صورة

إن إطعام كوكب يسكنه 7.7 مليارات شخص ليس بالأمر السهل. إذ يحتاج كل شخص على هذا الكوكب إلى نظام غذائي صحي، بل يتوقعه وله الحق في ذلك.

و يحتاج كل مزارع عيشاً كريماً، ويتوقعه، وله الحق في ذلك أيضا. وتحتاج الأنواع الأخرى البالغ عددها عشرة ملايين تقريبا، والموجودة على هذا الكوكب، إلى بيئة تمكنها من البقاء على قيد الحياة. وتحتاج كل الأعمال التي تنتج اللوازم الغذائية، وتعالجها، وتنقلها، إلى تحقيق الأرباح وتتوقع ذلك.

إنها مهمة صعبة- ولا أحد ينجزها. إذ إن أكثر من 820 مليون شخص يعانون من الجوع المزمن. ويعاني مليارا شخص أو نحو ذلك، من نقص المغذيات الدقيقة، مثل نقص الفيتامينات، أو البروتينات. ويعاني حوالي 650 مليون شخص بالغ من السمنة المفرطة، وهو وباء ناتج، إلى حد ما، عن أطعمة فائقة المعالجة، ومحشوة بالسكر، والدهون المشبعة، والمواد المضافة الكيميائية الأخرى.

ولكن المشاكل تتجاوز الجوع، والنظام الغذائي. إن الممارسات الصناعية الزراعية اليوم، هي السبب الرئيسي في إزالة الغابات، واستنزاف المياه العذبة، والتلوث، وتآكل التربة، وتدهور التنوع البيولوجي. وفضلاً عن ذلك، فإن التغير المناخي الذي يحدثه الإنسان.

والذي يعزى جزئياً إلى قطاع الأغذية، يتسبب في دمار كبير في إنتاج المحاصيل. ومع زيادة الاحترار، والنمو السكاني في المستقبل، ستزداد الأزمة سوءا ما لم يتم إجراء تغييرات حاسمة.

وتعد صناعة المواد الغذائية من أهم القوى الاقتصادية للاقتصاد العالمي وتشمل بعضا من أشهر الأسماء التجارية لأننا في اتصال معها كل يوم. وسيكون حل العديد من أزمات الغذاء المتقاطعة مستحيلا ما لم تغير صناعة الأغذية أساليبها.

ولحسن الحظ، هناك بصيص أمل مهم. إذ يدرك عدد متزايد من شركات الأغذية التحدي، وتريد أن ترسم اتجاهاً جديداً يتوافق مع صحة الإنسان، والبقاء على كوكب الأرض. لقد طلب منا بعض قادة الصناعة هؤلاء، بدعوة من مؤسسة Barilla Foundation (باريلا فاونديشن)، المساعدة في تحديد الخطوات اللازمة، لمواءمة قطاع الأغذية مع التنمية المستدامة.

إن نقطة انطلاقنا هي مصدر آخر للأمل. إذ في عام 2015، وافق جميع أعضاء الأمم المتحدة الـ193 بالإجماع، على اتفاقين في غاية الأهمية. يعتمد الأول، المسمى جدول أعمال 2030، 17 هدفا من أهداف التنمية المستدامة لتكون خريطة طريق نحو رفاهية الإنسان، وسلامة الكوكب.

ويُلزم الثاني، اتفاق باريس للمناخ، حكومات العالم باتخاذ إجراءات حاسمة لإبقاء درجة الاحتباس الحراري في أقل من 1.5 درجة مئوية. وتتطلب كل من أهداف التنمية المستدامة، واتفاقية باريس، تغييرات حاسمة في ممارسات صناعة الأغذية.

وفي تقريرنا، ندعو جميع الشركات في قطاع الأغذية، بما في ذلك المنتجون والموزعون على حد سواء، إلى اعتماد مبادئ توجيهية، ومقاييس، ومعايير إبلاغ واضحة، تتوافق مع الأهداف العالمية. وبشكل خاص، يجب على كل شركة معالجة أربع قضايا حاسمة.

أولاً، هل تساهم منتجات الشركات واستراتيجياتها في النظم الغذائية الصحية والمستدامة؟ نحن نعلم أن ثقافة الوجبات السريعة تقتلنا حرفيا. ويجب أن تتغير الصناعة على وجه السرعة، لتعزيز النظم الغذائية الصحية.

ثانياً، هل ممارسات إنتاج الشركة مستدامة؟ إن العديد من الشركات تساهم في التلوث الكيميائي، والنفايات الهائلة الناتجة عن التعبئة، وإزالة الغابات، والاستخدام المفرط وغير المستهدف للأسمدة، وغير ذلك من الأمراض البيئية.

ثالثاً، هل موردو خدمات مرحلة ما قبل الإنتاج للشركة مستدامون؟ يجب ألا تستخدم أي شركة للأغذية الاستهلاكية منتجات من المزارع التي تساهم في إزالة الغابات. ويؤكد تدمير الغابات في منطقة الأمازون وإندونيسيا- المسمى حرفياً عملية الأرض المحروقة- الحاجة إلى تشفير جميع المنتجات الغذائية لضمان أن تكون مستمدة من المزارع المستدامة.

وأخيرا، هل الشركة مواطن تجاري صالح؟ ينبغي، على سبيل المثال، تجنب الممارسات الضريبية الصارمة التي تسعى إلى استغلال الثغرات القانونية، أو عمليات الإنفاذ الضعيفة، لأنها تحرم الحكومات من العائدات اللازمة لتعزيز الخدمات العامة، ومن ثم تحرمها من تحقيق أهداف التنمية المستدامة.

وكجزء من عملنا، فحصنا ممارسات الإبلاغ الحالية لصناعة المواد الغذائية. إذ في حين أن العديد من الشركات تدعي أنها تسعى إلى تحقيق التنمية المستدامة، إلا أن عددا قليلا جدا من التقارير تتحدث عن صحة خطوط منتجاتها، أو كيف تساهم منتجاتها في أنماط غذائية صحية ومستدامة.

ويدرك عدد قليل جدا منها أنها جزء من الأزمة البيئية، سواء بشكل مباشر في إنتاجها، أو عندما تشتري المنتجات التي تنتج في النقاط الساخنة البيئية مثل الأمازون أو إندونيسيا. ولا تقدم الشركات تقارير مفصلة عن ممارساتها الضريبية. وباختصار، لا يزال التزام صناعة الأغذية بالاستدامة في كثير من الأحيان أخلاقياً أكثر من الإبلاغ الفعلي والمراقبة لضمان التوافق مع أهداف التنمية المستدامة، واتفاق باريس.

ولكننا لسنا متشائمين. إذ يطالب الشباب في جميع أنحاء العالم، باعتماد أسلوب مستدام وآمن في الحياة، وفي ممارسة للأعمال التجارية. ونعتقد أن الشركات، أيضا، سوف تتغير. إذ في آخر المطاف، تحتاج الشركات إلى العملاء الراضين، والعمال ذوي الحوافز، واحترام المجتمع باعتباره «ترخيصا ضمنيا لممارسة الأعمال».

وتعطينا بعض الحالات التي حللناها أملاً في إمكانية حدوث تغيير. ومع استمرار مشروعنا في العام المقبل، بهدف العمل في مجال الصناعة لضمان توافق الأداء، والإبلاغ، والمراقبة، مع التنمية المستدامة، سنبقي الجمهور على اطلاع بما نراه ونتعلمه.

إن قطاع الغذاء هو جزء رئيسي من صورة أكبر. وقد اجتمع قادة العالم في الأمم المتحدة هذا الأسبوع لمراجعة التقدم- أو مراجعة عدم تحقيقه- بشأن أهداف التنمية المستدامة، واتفاق باريس.

ويجب عليهم أن يضعوا صوب أعينهم حقيقة واحدة حاسمة، تتجلى في كون شعوب العالم تطالب بالتغيير. ولدينا المعرفة والثروة لتحقيق عالم مزدهر، وشامل، ومستدام. ويجب أن يعترف قطاع الأعمال بمسؤولياته العالمية ويعترف بها، ويتصرف على وجه السرعة بناء عليها.

 

* مدير شبكة حلول التنمية المستدامة (SDSN) ومدير مركز التنمية المستدامة بجامعة كولومبيا.

* رئيس مختبر سانتا كيارا في جامعة سيينا، ورئيس مؤسسة بريما.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات