«بريكست».. الرواية

أفضل طريقة للتفكير في المشهد السياسي للمملكة المتحدة والخروج الوشيك المفترض من الاتحاد الأوروبي هي قراءة سلسلة روايات «سلو هاوس» (من تأليف ميك هيرون، ظهرت الدفعة السادسة Joe Country).

يكتب هيرون عن الكثير من التفاصيل والقضايا المجتمعية والمؤسساتية وآلية عمل الحكومة بشكل عام، وليس بشكل مباشر عن السياسة الاقتصادية. لكنه يجسد تماماً كيف هي طبيعة العمل في هذا الخضم وهذه التوجهات، وكذلك ما تعنيه «القيادة» حقاً في عالم وواقع تتشابك فيه القضايا.

التباين مع روايات التجسس الكلاسيكية، مثل العمل المبكر لجون لو كاري، واضح جداً وفيه جزء من المرح للقراء. خلال الحرب الباردة، وجهت قواعد موسكو المزعومة الكيفية التي يمكن بها للجواسيس البقاء في بيئات معادية: «راقب ظهرك» التي كانت الفكرة التوجيهية. اليوم، وفقاً لهيرون، تسود مجموعة من قواعد لندن، وأهمها: حماية حياتك المهنية.

واجهت بريطانيا العديد من الصعوبات الاقتصادية وبعض الأزمات الخطيرة على مدار القرن الماضي، ومن المغري في بعض الأحيان استخلاص أوجه التشابه - على سبيل المثال، مع الصعوبات المرتبطة بالمعايير الذهبية - بين الحربين العالميتين أو أزمة السويس في عام 1956. لكن النظام الدولي هو الآن مختلف تماماً، يتغير دور بريطانيا في الاقتصاد العالمي.

في عام 1956، وكذلك في الحلقات التاريخية البارزة الأخرى، اعتبر صانعو السياسة الحفاظ على قيمة الجنيه مهماً، إن لم يكن ضرورياً. خلال أوائل التسعينيات على الأقل، كان هناك خوف دائم من أن تخفيض قيمة العملة (مقارنة بالدولار والعملات الأخرى، بما في ذلك المارك الألماني) سيشعل التضخم، الأمر الذي يتطلب ارتفاع أسعار الفائدة والانكماش الاقتصادي العام.

اليوم، العالم مختلف تماماً. اختفت أسعار الصرف الثابتة في الاقتصادات المتقدمة في سبعينيات القرن الماضي، بداية بفارق كبير (انخفاض قيمة الدولار في عهد الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون)، ثم بقليل من الضجة (حيث ركزت البنوك المركزية الرائدة على خفض التضخم).

لقد حدث تحول أكبر مع تراجع التضخم في كل مكان تقريباً، إلى جانب ما يبدو أنه عامل مرن للغاية لتوقعات التضخم على المدى الطويل بحوالي 2٪ سنوياً في أماكن مثل المملكة المتحدة ومنطقة اليورو والولايات المتحدة.

والخبر السار من هذا التحول هو أن بلداً مثل المملكة المتحدة أصبح الآن أكثر مرونة في مواجهة الصدمات. يدار بنك إنجلترا بشكل جيد ويُبلغ سياسته بوضوح. فبدلاً من زعزعة استقرار الاقتصاد، من المحتمل أن يساعد انخفاض الجنيه في تعزيز الاقتصاد، بما في ذلك عن طريق جعل الصادرات أكثر تنافسية.

تتمتع بريطانيا أيضاً بنظام تعليمي قوي (وإن لم يكن مثالياً)، حيث ينتج العلماء والمهندسين والمديرين التنفيذيين المؤهلين تأهيلاً جيداً. على سبيل المثال، إذا كان القطاع المالي الذي يتخذ من لندن مقراً له يعاني من تباطؤ بسبب انخفاض فرص الوصول إلى الفرص الأوروبية بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فإن قطاعات أخرى مثل المستحضرات الصيدلانية أو السيارات أو البرامج سوف تجد أنه من الأسهل بمرور الوقت اجتذاب المواهب.

لسوء الحظ، ليست كل الأخبار جيدة، والتي تعيدنا إلى روايات هيرون سلو هاوس. لقد عمل أبطال هيرون الأكبر سناً خلال الحرب الباردة، عندما بدت المخاطر قائمة الوجود وكانت التكتيكات وحشية.

لا تواجه بريطانيا الحديثة، التي يتم رؤيتها من خلال عدسة هيرون، مثل هذه التهديدات الشديدة، لكن تكتيكات عملاء المخابرات (ومن يتعاملون معهم) ليست أقل قسوة (رغم أنها في كثير من الأحيان أكثر سوءاً من الناحية الروحية). زعم هيرون الحاد والذي لا يمكن إنكاره - بأن الكثير من السياسيين المعاصرين يؤمنون فقط ببقائهم على قيد الحياة والتقدم الوظيفي المحتمل أو المجد - له علاقة بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

نشأت أزمة السويس عن اعتقاد رئيس الوزراء آنذاك أنتوني إيدن بأنه كان يقف في وجه حاكم بارز آنذاك (الرئيس المصري جمال عبد الناصر)، على عكس سياسة استرضاء نيفيل تشامبرلين لأدولف هتلر في الثلاثينيات. استند العمل العسكري البريطاني، بدعم من فرنسا وإسرائيل، إلى افتراض استمرار قوة بريطانيا الإمبريالية، وفشل عندما كان هناك سباق على الجنيه، في نهاية المطاف، بسبب عدم وجود دعم من الولايات المتحدة.

اليوم تقلصت القيود المفروضة على السياسيين في البلدان المتقدمة إلى حد كبير. المفارقة في وجود بنك مركزي مستقل قوي هي أنه قادر على تعويض آثار السياسات الأخرى غير المسؤولة بدرجة أكبر. إذا كان على رئيس وزراء المملكة المتحدة بوريس جونسون أن يقلق بشأن قيمة الجنيه أو هشاشة الاقتصاد البريطاني، فإنه سيتعين عليه الآن أن يكون أكثر حذراً. لكن البريطانيين يقاومون، وسيتخذ بنك إنجلترا الإجراءات اللازمة، وقيمة الجنيه لا تهم كثيراً.

ماذا ستنتج شخصيات هيرون وخطوط المؤامرة في هذا السيناريو؟ من الصعب القول، لأن السياسة والتلاعب البيروقراطي لا شك أنهما منتشران في الاتحاد الأوروبي، كما هو الحال في المملكة المتحدة.

اقتراحي: خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي القوي سيكون صعباً، ليس مستعصياً. ستكون هناك علاقة براغماتية مع أوروبا، نوع من المواجهة الخفية، وسيتم إلقاء اللوم على النمو الخارجي البطيء على العالم الخارجي. من خلال توليد بريكسيت ما يكفي من الغضب الشعبوي، جزئياً بسبب تصرفات جونسون غير المسؤولة، يمكن لجونسون الفوز في الانتخابات العامة القادمة.

كرواية، قد يبدو الأمر سخيفاً. كسيناريو حقيقي محتمل للحياة، يبدو مقبولاً تماماً.

* كبير الاقتصاديين السابق في صندوق النقد الدولي، وأستاذ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا سلون، وهو زميل أقدم في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، ومؤسس مشارك لمدونة رائدة في الاقتصاد، The Baseline Scenario. وهو مؤلف مشارك، مع جوناثان جروبر، من لعبة Jump-Start America: كيف يمكن للانطلاقة العلمية أن تعيد إحياء النمو الاقتصادي والحلم الأمريكي.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات